بتعسف شديد ساحاول الافلات من جاذبية اللوحة الاولى وشعور عميق ، واحساس مرهق يخامرني وهو اننى خرجت من مغامرة محاولة الكشف الاولى التى لم تعطني الشئ الكثير ولكن الامل يخامرنى ويدفعني الى التقدم الى اللوحة الثانية علنى أصل الى تحقيق ما عجزت عنه فى اللوحة الاولى وهو هتك الستر ، تمزيق ذلك الغشاء الشفاف الذي يخيل اليك انك تخترقه بسهولة ولكن سرعان ما تكتشف كثافة هذا الحجاب وانه يغطى عنك كل شئ فتجهد نفسك وتجهد وتواصل الاجهاد علك تصل الى الكشف والهتك والفهم ولكن هيهات . رغم ذلك ، على الباحث الا ييأس ، عليه ان يتسلح بعزيمة فولاذية لا تلين أمام الحواجز والاستار والاحجبة لا يشعر الانسان بالتعب الجسمانى وهو يتأمل هذه اللوحات اذ أن فكره مشغول بالكشف وعقله متعلق بفك رموز هذه اللوحات فكثرة التعلق بالفكرة يشغل الانسان المتأمل وينسيه الاتعاب الاخرى ، ينسيه حتى ما حوله ، ففي هذا الجو تتوحد الاشياء وتتحد حواس ومشاعر الانسان
تجاه الرمز ، تجاه الغموض ، تجاه المجهول غير القابل للتفسير والتاويل ، عنون الاستاذ البشير بن سلامة لوحته الثانية أو قصته الثانية أو قل كما قال هو لوحته القصصية الثانية بــــ " مولد الانسان " ومنذ البداية يجد المتأمل نفسه أمام لغزين أساسيين فاللغز الاول يتمثل فى الولادة وما يعتريها من صعوبات ومآس وآلام وآمال فيتساءل القارئ المتأمل عن مصير هذه الولادة فيصطدم بذلك المجهول المعلوم أو المعلوم المجهول الذى ينتظر هذه ومجهول في كيفية صنع حياة هذا المولود أو طريقة تكييف تلك المرحلة الفاصل الولادة أو هذا المولود فهو معلوم المصير المتجه الى الفناء والعدم والموت المحتوم . ومجهول فى كيفية صنع حياة هذا المولود أو طريقة تكييف تلك المرحلة الفاصلة بين الولادة والموت ، ثم تأتيه الكلمة الثانية التى تكون العنوان وهي الانسان ذلك الانسان الذي يشترك مع الحيوان فى صفات ويختلف عنه فى اخرى يشترك معه فى غرائزه ويختلف معه بعقله وفكره وقدرته على الخلق والابداع فهذان الرمزان اللذان يعترضان الفاحص المتأمل والقارئ المتثبت منذ الوهلة الاولى ويضعانه فى دوامة الوجود والعدم ، فى دوامة الحياة والموت ، فى دوامة الولادة والفناء ، في اشكالية البداية والنهاية وبالتالى ما هى البداية وما هي النهاية وهل يجوز لنا عكس المفهومين فتكون البداية نهاية وتكون النهاية بداية . فى خضم هذه التساؤلات وفى بحر هذه التأملات وضمن هذه التناقضات والاشكاليات الفكرية التى يطرحها الاستاذ البشير بن سلامة فى هذه الرسوم بالكلمات ، " فنحن نلج القصة ولكن كاننا نسلك دربا فى غاب وسرعان ما تنقسم القصة وتغور فى نبت الحراج الكثيف وتصل الى بقعة فى الغابة الجرداء . وتلي اضاءة المغامرة اضاءة الحلم والسحر دون أن تصبح النزوة مجانية وتتخذ معنى محددا يستنفذها . حلم حقيقي جدا ومغامرة لا تنى تتجدد وبحث عن دلالة قد تستشف فى بعض الاحيان ثم تفقد ويعثر عليها من جديد . . " ( 12 )
هذه الولادة وهذا الانسان اللذان يحملان في طياتهما مأساة الانسان الابدية والتي حاول على مر العصور ومنذ فجر التاريخ أن يجد لها حلولا ولكنها ظلت رغم تطورها مع تطور الانسان عاجزة عن اقناعه أو عن ايجاد حل مرض لازمته الابدية فكانت نظرته السوداوية الى الوجود وقناعته الماسوية فى الحياة ، ورهبته
وخوفه من المصير المظلم الذي ينتظره ، وهروبه من العدم والفناء توقا الى الخلود والخلق ، بحثا عن الحل الذي يرضى عقله وتفكيره ، فكانت الولادة وكان الاشكال وكانت المأساة وكانت الصرخة الاولى التى يطلقها الانسان خوفا من هذا الوجود وخوفا من الدنيا : " مزق البرق غشاء السحب فى عنف لازوردى وأشعل من السماء ثقوبا لزجة غمرت بسيولها الشارع ، وقيدت فى تحد أصفر مزلزل كل انطلاق نحو تخطى المنازل . . " ( 13 ) . ولد الانسان وولد معه العجز ، ولد الانسان فى عملية عنيفة عنف ما تحمله كلمة " مزق من محاولة التخطى والفرار والخروج والتمرد ، والانعتاق ولكن هل يصل الانسان الى الانعتاق فى هذه الحياة الدنيا رغم مالديه من امكانات ، هذه الامكانات التي لا تساوى شيئا أمام قوانين الطبيعة وقوانين العدم والفناء ، أمام قهر الطبيعيه للانسان والحياة وعربدة القضاء والقدر أمام مصير الانسان المحتوم ، مصير الانسان الى الموت والفناء ولكن رغم هذا المصير الاسود الذى يتربص بالانسان شرا ودون أن يتركه يقر له قرار أو دون أن يتركه لحظة يتمتع بوجوده بحياته فهو دائم الحضور ، دائم التهديد ، دائم الانتقام دائم السادية ولكن رغم هذا " لبست الطفولة برقع الدهشة والفضول " ( 14 ) الدهشة من المصير وفضول عن هذا المصير ، مصير الانسان الذي ولد بالقوة ولم يجد افلاتا من هذه القوة ولد كرها دون أن تكون له حرية الاختيار ، قبل غصبا ولادته دون أن تترك له حرية الرفض أو القبول فكما قال أبو العلاء : هذا ما جناه أبي على وما جنيت على أحد . فظلت هذه النفس الانسانية وظلت عملية الولادة تنخز فكر الانسان وعقله منذ أصبح مالكا لهذه القدرة وهى قدرة التفكير وقدرة اعمال العقل وظل الانسان مدفوعا الى التمرد دفعا ، وظل الانسان تواقا الى الرفض كتعويض عملية الغصب والاكراه التى تعرض لها فى ولادته وقبل ولادته وفى خلقه أيضا فلذلك " اعجبها من الدنيا وشاح الزعازع وبشائر الدمار " ( 15 ) ولكن هذه الانتفاضة وهذا التمرد سرعان ما يرهقان الانسان الضعيف بطبعه فيستكين ولا يستكين ، فيستقر ولا استقرار ، فيلين ولا ليونة فيتعب ويرتمى على الارض ملطخا بالوحل والتراب ولكنه يظل ينبش وينبش ولا ييأس وينتفض من جديد عله يجد فتحة يخرج منها من الظلمات الى النور ، عله يجد آلة يكسر بها قيده الذي كبل يديه وأدماهما ، عله يسترق لحظة من لحظات الغفلة التى ينهمك
فيها سبحانه من حين لآخر بعد أن " أنست الجدة بوحل الفناء يغمر الوجود وقد ترهل زمانها وخاط لها ثوب انتظار وأفاض عليها أملا قاتما وتوق نجاة وانطلق لسانها من مغابن اليأس الى مسامع الأمل والرجاء يقص ملحمة آدم في الجنة " ( 16 ) هذه المغامرة الخلاقة القاسية بما فيها من شروط نفسية وعقلية وجسدية عبر عنها الاستاذ البشير بن سلامة التعبير الحر عن الصور الشاعرية البانورامية التى تعكس فى ثنايا مكوناتها عناصر جوهرية عن حقيقتى الحياة والموت ومستويات الرؤية العقلية المفكرة وشفافية الرؤية الحالمة التائهة في بحار الشك وعذابات الوجود الانسانى يطرح الاستاذ البشير بن سلامة فى هذه اللوحة القصة أو هذه القصة اللوحة قضية وجود الانسان ونزوله على هذه الارض ومع النزول تبدأ التساؤلات ويبدأ البحث ويبدأ الشك القاتل : قضايا وترت أعصاب الانسان منذ أصبح انسانا ، قضايا شغلت بال و وفكر الانسان إلى درجة الهلوسة ، باختصار قضية الانسان الضعيف القوى ، قضية الانسان المتردد الباحث المعذب ، قضية الانسان التواق الى التحرر والانعتاق . طرح الاستاذ البشير بن سلامة هذه القضايا بنظرة وجودية " لعب التصوف دور الغطاء الفكرى والردود على تلك المشكلات الوجودية والمعرفية والقيمية المرتبطة بالانسان أينما كان والانسان العربى بالخصوص ذلك الانسان عن ذاته ووجوده وقيمه تلك القيم المرتبطة بتراثه ومستقبله . لقد كانت اجابات عن أسئلة ماورائية وعن الغاز الوجود وغوامض القدر والمصير ، مصير الانسان المتردد الحائر دائما ، المتشكك باستمرار ، والذى حاول على مر تاريخه الطويل ايجاد بعض التهويمات أو بعض الحلول التعويضية التى يفترض أنها أخف الضررين فبدأ بعملية التناسل اذ انه عن طريق النسل يضمن نوعا من الاستمرارية ويعتقد في نوع من الخلود ، ثم فى عملية الخلق الفكرى والابداع الفني الذي هو بدوره نوع من التناسل المعنوى الذى لا يختلف اختلافا جذريا عن التناسل المادي " وانطلق لسانها من مغابن اليأس الى مسامع الأمل والرجاء يقص ملحمة آدم في الجنة " ( 17 )
فهذا الامل وهذا الرجاء وهذه الملحمة فى الجنة تنبئ بنتائج الاوهام التى تصورتها الانسانية عملية تعويض عن الياس والشك والجحيم التى قتلت فى الانسان حبه للحياة وسيطرة النزعة العدمية عليه وهنا تبرز مهمة الفن التى ينبغي عليها أن تهرب بالانسان من واقعه المر وتعاسته اليومية الى عالم أرحب ،
عالم الفن عالم الحق والخير والجمال وهذا ما أراده الاستاذ البشير بن سلامة من تركيز على هذا الجانب المشرق وهذه الزاوية المضيئة من حياة الانسان التى وان كانت لا تستقر على حال لكن ابراز هذا الجانب يكفى الانسان ايمانا بالمستقبل مستقبل الانسان والانسانية . ضمن عالم الخيال الواسع الرحب ، عالم الحق والخبر والجمال ، العالم الذي يتصل فيه الانسان بمخلوقات غير المخلوقات البشرية ، مخلوقات كلها تقدير ورأفة وحنين على الانسان ذلك المخلوق الضعيف القوى أو القوى الضعيف . لقد أتى الاستاذ البشير بن سلامة هذا العالم ، عالم الملائكة عالم الخير والخلود ، عالم الخلق والابداع وأدار لنا حوارا رائعا بين الملائكة تناقش قضية الانسان ، قضية خلق الانسان وضعفه الانسان وطموحه وتصوراته عن العالم ، عن القوة ، عن الخير ، عن الجمال عن الخلق ، عن الخلود
فيتحدث الملاك الاول عن ضعف الانسان وعجزه ، ومحدودية قدرته على التصور تصور العالم والطبيعة والأشياء " حين القى الينا آدم نعلمه مع هذه المخلوقات لم يكن في عينيه الا لمع تراب وفي سحنته لون الى الطين أضيع نسبا والى قدرته حقيق بالعطف والرحمة " ( 18 ) . هذه الارض الطين التى خلق منها الانسان واليها يعود هي التى جعلته كبقية الحيوانات من بهائم وانعام ، جعلته عاجزا مثلها قاصرا مثلها ، بل حتى لا يصل الى مستواها فى بعض الصفات كالقوة والضخامة " اين هو من قوة الاسد وضراوة النمر وضخامة الفيل " ( 19 ) هكذا أكد الملاك الثاني ضعف الانسان وحقارته حتى أمام المخلوقات التى تعيش على الارض ، المخلوقات سواء من حيث الصفات المادية ( ضخامة ، قوة ) أو المعنوية ( شجاعة ضراوة ) يعني بالنهاية أن الانسان أكثر عجزا حتى من الحيوانات او بالاحرى بعض الحيوانات بل هو " ما أقربه من الزاحفات والعاطلات والناعيسات " ( 20 ) . هل هناك حالة يصور الانسان فيها أتعس وأمر واحط من هذه الحالة التى وضعه فيها الملاك الاول ، ذلك الملاك الذي اعتبر الانسان من أسوا المخلوقات على وجه الارض وصوره فى ابشع صور العجز والخنوع والكساحة فهو دائم الالتصاق بالارض زاحف عليها عاجز عن القيام بأي شئ يخالف ويغير وضعه ، عاجز عن الابتعاد وعن الجاذبية الترابية فهو
دائم الالتصاق بها ودائم الاحتكاك بها ، غير قادر على تحقيق اقلاعه من عليها يزحف على الارض بنجاستها وشوكها وقتادها ، بأحجارها ورمالها بمياهها وأوحالها ، فى صقيعها وهجيرها ، فى صيفها وشتائها : الانسان العجز . ولكن السر الرهيب الذى وضعته الطبيعة فى الانسان وميزته له عن الحيوان هي تلك القدرة الفائقة والسرعة المذهلة التى تمكنه من الانفصال - روحيا وفكريا - عن الارض ودنسها والارتفاع الى العالم العلوى عالم النور والملائكة عالم المثل والروح :
" واليوم تطلقت به الاسارير وتألق فى عينيه بريق انفذ من شعاع الشمس وأحد من وقع حرف من حروف الله " ( 21 ) . هنا تتجلى قدرة الانسان فى ابتعاده عن صفته الحيوانية متى أراد هو ذلك إذ انه ليس محكوما عليه أبديا البقاء فى وضعه الحيواني وانما هو يملك القدرة للانفصال عنه متى أراد والصعود الى عالم الملائكة وهذه صفة الانسان وحده ، ينفرد بها من دون المخلوقات الاخرى فالملائكة لا تستطيع أن تنزل الارض وتهبط الاوحال والحيوانات غير قادرة على مغادرة أرضها وترابها وظل الانسان متأرجحا بين العالمين وهنا كمنت مأساته الابدية وكمنت عذاباته الازلية فى انه لا يستطيع القرار والاستقرار فالانسان بقدرته على الانتقال بين العالمين أدخل ارباكات على نظام التسيير فى العالمين : أحدث خللا في العالم الارضي مع الحيوانات التى يشترك واياها فى عدة صفات وأحدث ارباكات أيضا فى العالم العلوى عالم الملائكة الذي لم يتركه صافيا بل ادخل فيه الشياطين فابعده عن طهارته الاولى ونظامه السابق ، واضطر الملائكة لأن تسجد له احتراما وتقديسا نظرا لما يحمله فى طياته وفكره وعقله من النفحات الالهية . وزيادة عما يمتاز به من قدرة التغير قدرة الخلق والابداع صفات يشترك فيها مع خالقه الذي يحس تجاه آدم بشعور خاص يميزه عن كافة مخلوقاته الاخرى سواء السماوية منها او الارضية ، فالارضية راضية عن وضعها كذلك السماوية " لن تكون فى غباوة آدم وغفلته . ولن نفتح للاسرار الالاهية قلوبنا الا بجزاء نحن كما نحن قبلا وبعد . ومنزلتنا من ربنا لم يحسنها علم ولا معرفة ، ولم يغير من نفوسنا وحياتنا تهجد بالليل ولا عمل بالنهار " ( 22 ) . قدرة آدم تتجلى فى التغير من حالة الى حاله وبكامل وعيه وادراكه بينما عجزت المخلوقات الاخرى على هذه العملية ، عملية التغير والتطور بالارتقاء حينا وبالانحدار أخرى الارتقاء الى مصاف الالهة والاتحاد بالله اتحادا كليا بواسطة " لذة المعرفة الالهية
غنم يفتح اقفال القلوب " ( 23 ) عن طريق " حرف وهاج من حروف اللوح المحفوظ يزجى كل شهر لمن نفذ في قلبه النور الالهى وأحاله شفافا كلمعة البرق فى ظلمة الاديم " ( 24 ) . فعملية الارتقاء أو عملية الاتحاد والكشف هذه لا تتم الا عبر المعرفة الحسية التى وهبت لآدم ومن بعده لبنيه الذين يملكون القدرة على تحمل مشاق السفر في رحلة الكشف : كشف النور الالهى ، فكأننا نستمع الى كبار المتصوفين امثال الحلاج والجنيد وابن عربي وخاصة الغزالى ذلك الذى هام طويلا باحثا عن الله فبعث الله فى قلبه شرارة من نور فآمن واستقر وكان القرار الغزالي آمن واستقر رأيه وقر قراره فاستعاد سكينته وراحته النفسية لكن الاستاذ البشير بن سلامة لا يجد راحته على الرغم من أنك تحس أحيانا أن المؤلف عثر على ضالته ووجد السكينة التى ينشدها والراحة النفسية التى يطلبها لكن سرعان ما ينتبه بعد غفوة قصيرة ، ينتبه الى مأساته بأشد عنفا وأكثر حدة " وتقاطرت الحروف الوهاجة على آدم مطلع كل شهر وأشاعت فى نفسه لذة لم يدرأهى القرار يشده الى وجوده ، أم هي غيبوبة الزوال ، ينخرها سوس الفناء ؟ لذة تعمق الى الحشا وتنزل الى دفين كيانه ، وتزلزله شوقا ولهفة ، أين منها لذة الامس تفتح القلب وتشيع منه سحر الراحة المعطاء والنور المتالق " ( 25 ) . هكذا الانسان ، الانسان المتقلب في عذاب الجحيم لا يعرف الهدوء والسكينة ما دام حيا ، الانسان الذي يؤمن ايمان العجائز لكن سرعان ما يعود فيهدم كل الذي بناه فيبقى معلقا بين السماء والارض بين الكفر والايمان بين القوة والضعف بين السكينة والحركة بين الراحة والعذاب وهذا لعمري من صفات الفنان المبدع " لآدم النجاح ولا حرف ، وله التفوق ولا فوز " ( 26 ) . هكذا حكم على بني الانسان بالتوق الى المطلق ، لكن الروابط الارضية قوية حكم على بني الانسان بالرفض ، لكن الحواجز المعيقات اكبر ، حكم عليه بالتأله لكن الحيوانية التى خلق منها شديدة التأثير فتبعته لعنة آدم الى أبد الآبدين لاهو يخرج منها ولا هي تبتعد عنه . هذه الحيرة الابدية التى لا تعرف للسكيئة طريقا ولا تعرف للراحة طعما هي من شيم النفوس الكبيرة والعقول الحساسة والقلوب الحائرة وهي سمة بالنهاية من سمات المتصوفة الباحثين فى سر الوجود وفى سر الانسان ، سر الحياة والموت والفناء والعدم لا حيث الانسان مدعو سر الى
البحث عن حياته فى مجموعة من الاشارات والالتقاءات ذات القيمة الرمزية والصوفية . . " ( 27 ) عله بذلك يجد حلا لمأساته التى كبلت فكره وعقله وأدمت قلبه فرجع الى بدايته يلوذ بها مخفقا : " بحيث أن فى الكرامات الصوفية - كما افترضنا - نوعا من العودة الى بدء الاشياء أى الى الانماط الاساسية وينابيع الافكار الاولى فإنها مكثفة ومكتنزة بالاشارات والمصطلحات وخاصة الرموز التى نستند الى الجذور المنغرسة فى اللاوعى للفرد أو للجماعة . . " ( 28 ) . فلا غرابة في التصاق الاستاذ البشير بن سلامة بالرموز ، والاشارات البدائية المنغرسة فى وعي ولا وعي الانسان فهو يتحدث عن مولد الانسان ، مولد الانسان الاول ومولد الانسان المعاصر هكذا قدره ، عليه أن يكون ذلك الكائن المتذبذب بين طبقات السماء وطبقات الارض ، بين الحيوان والملائكة الذين جعلهم الاستاذ البشير بن سلامة يتحاورون مع بعضهم البعض في جو انسانى رائع الايحاءات ملئ بالرموز " يبدو أن الطير خاصة ، والحيوان عموما ، من الشخصيات الاساسية فى الكرامة الصوفية التى تظهر عادة لمساعدة الصوفي من جهة أو لتجسيد مراميه من جهة اخرى ، أو لتمثيل رغباته المسقطة من جهة أخيرة ، ان كرامة البسطامى مثلا اذ يكلم الجمال او رابعة التى تأتيها الطيور لسماع صوتها ، عملية اسقاط رغبة بشرية أى ان الكلام هنا مع الحيوان رغبة بشرية يتمنى الانسان أن تشبع ثم ان الكرامات الكثيرة التى تقترب من الكليدمنات ( نسبة الى كليلة ودمنة ) شكلا أو غاية أخلاقية ووعظية تعطى الحيوان روحا ثم وعيا وتفترض كون سلوكه غائبا يرنو لتحقيق هدف وتجعل ذلك الكائن شبيها بالانسان ، وتلك هي النزعات التشبيهة والايحاثية أو الروحية والغائية . . " ( 29 ) . الانسان الصوفى أراد أن يؤنسن الطبيعة بحيواناتها وجمادها والاستاذ البشير بن سلامة أراد أن يؤنسن معها ايضا عالم ما فوق الطبيعة أى عالم الروح والملائكة ، فجمع بين عالم الطبيعة وعالم ما فوق الطبيعة وجعلهما يتحاوران مع الانسان هذا الانسان المشدود بعنف الى العالمين فى نفس الوقت كل ما حاول التخلص من واحد لفائدة الآخر إلا ووجد نفسه مشدودا بعنف الى عالمه الأول فحاول أن يرقي بالاول قليلا وينزل بالثانى قليلا ليلتحما مع الانسان ويتصدى مع نظرته الى الوجود ، الى
الوضع الانساني وسط جو ملئ بالرموز يعبق بالاساطير مثقل بالايحاءات " تظهر كثرة الكرامات قدرة على التصور وغوصا عميقا فى الوجدانيات وجنوح في الخيال البشرى المحلق في عوالم سحرية كما أنها تبرز ميلا فى الانسان لان يصبح الها أى مالكا لنفسه ومصيره ، خالقا لقدره ورافعا لوضعه البشرى المأساوى ، فالتشديد على امكانية الانسان فى الارتفاع حتى مستوى المطلق هو أوضح السمات الايجابية فى التصوف . . " ( 30 ) هنا يختلط الفكر الاسطورى بالشعر والموسيقى والرسم فينتج شئ غامض غموض الحياة الانسانية والنفسية الانسانية ، غموض هذا الوجود الذي لم يختره الانسان ووجد نفسه فيه مرغما مكيلا مغلولا " فيظهر العطاء الفني الصوفى ايمانا بالكشف والالهام وبطاقة الانسان على استكشاف المجهول فى الذات وعلى تخطى قيود الفقهاء ورسوم القوانين ومشاعية اللفظة وعلى الفرار من العمومية والشكلية والقواعدية والمجانية " ( 31 ) هذه النزعة التحررية ، أو نزعة محاولة الافلات من الواقع والمألوف إلى دنيا الخيال والرمز ، دنيا الاشارات والايحاءات حيث يكاد القارئ المتأمل يحس أنه في عالم صوفي " الحلم دنياه ، فيعبر بلغة الحلم التى تكون مكثفة ، رمزية مقنعة ، وكما أن الحلم لا يخضع للمنطق والمألوف ، ويقفز فوق القيود والسائد والاكراهات المجتمعية ، فكذلك عطاء الصوفى يكون قريبا من عطاء الحلم . . " ( 32 ) .
كما أن الصوفى هو فنان كلمة ، وفنان يعبر بطرائق غير شائعة ، طرائق مليئة بالرموز والمتاهات ، فكل كلمة يستعملها الصوفى هى عبارة عن متاهة وكل عبارة يستعملها الصوفى هى لغز ، كذلك فعل المؤلف في هذه اللوحة القصة ، فالنص عبارة عن غابة كثيفة من الرموز والاشارات ، من الألغام والمتفجرات تمنعك من التنقل الا بعد جهد جهيد وحتى اذا تنقلت وخلصت من حاجز سرعان ما تجد غيره ، تجد نفس الحاجز أو أكثر منه تعقيدا اذ تتشابك المعاني تشابك أغصان الاحراش الشوكية وتتقاطع الدلالات تقاطع شبكة المتفجرات المحكمة التخطيط لتمنعك من الكشف والوصول وتحجب عنك سدرة المنتهى لابد من المكابدة والمعاناة إذا أردت أن تظفر بالقليل ، من الاشارات فتصبح مجبرا على أن تتصوف حتى تستطيع تحمل هذه المكابدة على أمل الوصول
الى الغاية ، الى المطلق وحتى تستطيع الظفر بشئ من التجلى ، تجلى هذه التجربة . الوجودية الصوفية عند المؤلف التى هى فى نهاية الامر تجربة الانسان الباحث المتسائل ، عن المطلق ، عن اللامحدود ، عن الحق والخير والجمال ولكن دون أن ينسي جثومه على الارض وما يشتم منها من رائحة الجثث من عهد عاد ومن قبله فهذه الرؤية المأسوية للوجود ، هذا الوجود الهش المهدد دوما بالفناء والعدم بالموت والتلاشى وذلك الانسان دوما عن حلول لكن سرعان ما يكتشف أن هذه الحلول هي حلول مؤقتة تستجيب لرغبته النفسية فى الوصول الى الخلاص ، الخلاص النهائى والراحة الفكرية : " وما أن أقلعوا حتى دفعت اليهم بذرة الخلق غضبي فانبتوها قسرا فى رأس آدم ، فعاوده مزيج من لذة الامس ولذة اليوم ودمعت عينه دمعة ، بريقها كقبيسة من نور الاهى لم يخالطه سواد " ( 33 ) . عن طريق الخلق حاول الانسان أن يثبت قوته حاول أن يثبت خلوده واستمراريته فتألم لأن عملية الخلق لا تتم بسهولة ففي الخلق معاناة كبيرة وألم كبير ، فالخلق عسر ، الخلق عملية عسيرة ترهق وتدمى الانسان وتبكيه والبكاء ما هو الا تعبير حسى عن الالم والمعاناة والمكابدة ، ورغم كل هذا الالم وكل هذه المكابدة في الخلق هل ينجح الانسان فى اثبات قدرته وقوته ووصوله الى تحقيق الخلود " وتالب عليه القوم وغسلوه بالتراب والطير فلم يزد الا توهجا وانعتاقا ، فشكوه الى ربهم فقدر وأمر ، أمر أن تستل منه بالالم والحسرة بذرة الخلق وتخلط بماء الفناء وزيت الزوال ، وتزرع فى قلب آدم ، وليس لها من جذور فيه وفى عقله الا " اللهو " ( 34 )
لقد جاءت النتيجة اللطمة ، النتيجة المحتومة ، النتيجة الحقيقة المأساة التى حاول الانسان التغلب عليها ولكن دون جدوى فلا بديل عن " اللهو " مع هذا المصير المظلم وشر البلية ما يضحك فاللهو ابلغ تعبير عن عجز الانسان أما مأساته الابدية مأساة الوجود المعقد والحياة المهددة بالفناء فلا افضل من اللهو اللهو الحزين ، اللهو المأساوى ، اللهو الساخر الذي عبر عنه أحد الشعراء أصدق تعبير وأبلغه أو اللهو الزوربوى ( نسبة الى زوربا اليونانى )
فلا تحسبن رقصى فرحا فالطير يرقص مذبوحا من الالم
فبعد هذه الاجهاد ، اجهاد البحث المتواصل الذي لم يعرف السكينة وبعد أن وصل الانسان الى قناعة أن الوجود لهو ، أن الوجود مأساة لاهية وجب على
الانسان أن يتعلم النسيان أن يتعلم الهروب ، الهروب من الاسر ، أسر الحياة والموت والفناء والعدم فعثر على الخمر : وفي الفجر دله الملائكة رحمه به ، على الخمر . ثم كان مولد الانسان على الارض " ( 35 )
لقد سجل لنا الكاتب مغامرة الانسان الوجودية بحروف شفافة داخل الوجود المعيش على المستوى الواقعي : إنه لغز قدرنا الصوفي ، فالحياة فى هذه اللوحة القصصية تتلون بالخرافة وتصبح لغزا وخط سير فوق مخطط صميمى ورمزي دون أن تهرب أو تتبدد كليا فى عالم الوهم ، وهي مع ذلك عنيفة بالحساسية والشهوانية الصوفية التى هدفها الكشف عن عالم يظل أبدا فى حاجة الى الكشف مهما طالت عملية البحث لأنها تعبر بصدق عن قلق الانسان فى هذا الوجود
أراد الاستاذ البشير بن سلامة أن يجعل من السرد سحرا أى فنا - وتبقى من أهم وظائف الفن انقاذ الانسان من الآلية - وعمل الشعر والتصوير على انجاح هذا التحول ، لان هذه اللوحات استعارت من الشعر عالمه : عالم الاحساسات خاصة مع ظهور الرمزية تلك الرمزية التى فتحت للشعر أفاقا جديدة وأبعاد مغايرة أين تعطى الانفعالات دلالتها كاملة وتحول الانفعال الى حقيقة كونية حيث يصبح المصير الانساني والحياة والموت والكون رموزا ملتهبة عذبة متوثبة فى رؤى الانسان وخيالاته ضمن هذا " المزج الكيميائى للغة " : " لأن أداة الكاتب التعبيرية تتعدى المخزون اللغوي لذا كان من الحتمى أن تخضع اللغة لمحاولات متفاوتة العنف ، تشتق وتولد وتخترع وتنقل وتترجم وتنحت وتصطلح بغية تلبية الحاحات الانسانية المستجدة يوما بعد يوم ، وغدا لزوما على الاديب ان يستفيد من الاصول الفلسفية والبحوث الانتروجولوجية والمنجزات العلمية والحقائق الرياضية فيظهر فكره فى أغنى تعبير لأعمق دلالة ( 36 ) هذا عين ما فعله المؤلف في هذه اللوحات القصصية التى أبرزت لنا العديد من العبارات الشعرية الرائعة والجمل " التشكيلية " المعبرة عما يخالج النفس من عواطف واحساسات وشعور لذا تطلبت وتتطلب من كل معمل فيها الرأى جهدا كبيرا حتى يستطيع الوصول الى اقامة نوع من العلاقات بين الالفاظ والجمل
التى تبدو في الوهلة مستحيلة كما فعل أبو تمام من قبل " فشعر الطائي يستحوذ على صعوبات كثيرة لأنه يمت بكثير من الاسرار الغامضة التى تجعل الانسان يخرج عن نطاق المألوف ويسير مع الشاعر كما يريد فى عالمه الحالم الممتلئ الطريف ، حيث يلعب الالتواء والعمق والخفاء والثقافة والفكر الفلسفي أدوار تعبيرية هامة ، إذ يبحث الشاعر ويجرب ويكتشف ويبدع ويطور ويبت أفكارا وصورا جديدة ، فى وقت لم تكن قد تمت فيه رياضة اللغة على ذلك في تلك المرحلة من الانتاج الادنى فتستكين له طائعة تارة وتتأبى جافية تارة أخرى " ( 37 )
هكذا كان عالم اللغة الذي غاص فيه المؤلف ذلك العالم الذى دخله مغامرا متمكنا فخرج منه بسلام بعد أن بين بوضوح قدرات هذه اللغة على التصوير والنحت والنقش وما تحمله الفاظها من موسيقى معبرة استطاع المؤلف أن يروضها وان يستغلها استغلال العالم المتمكن من علمه والفنان المتشبع بفنه وبهذه العبارة ننهى الوقوف أمام هذه اللوحة الثانية

