الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

قصو العدد، مقهى العرب، موجة

Share

مر عليه وقت طويل كان خلاله اعزب والعزوبية بالطبع سعادة فى نظره ، إذا رأى حالة المتزوجين . . انهم دائما عرضة للمشاكل من جانب زوجاتهم . هذه الافكار كانت تتوارد على خاطر أحمد وهو ما منعه من الزواج . وقد يعزى باؤه أعزب الى انه لم يعثر على الفتاة التى تحوز اعجابه . ان الفتيات اللواتى شاهدهن لم يحزن اعجابه . وان اقل شرط فيما لو تقدم لخطبة احداهن هو ان تطلب منه مبلغا فادحا من المال علاوة على المشتريات الاخرى التى لا بد ان تطلبها منه كل فتاة برسم اللزواج .

انه فقير والفقر فى حد ذاته ليس عيبا فى الرجل لكنه يجعل من صاحبه شخصا غير مرغوب فيه فى نظر البعض ، فمن أين له يا ترى ان يعيش من سيتزوجها اذا قدر له إن يتزوج وكل ما جمعه قد لا يفى بمتطلبات الزفاف ؟؟! انه يعيش عيشة الكفاح فكيف اذا تزوج ؟ انه سوف يكون شيئا . لا شك فى ذلك .

وفي زحمة هذه الهواجس والخواطر ، استلقى على سريره العتيق ، وعلق بصره على سقف المنزل الذى عشش به العنكبوت وراح فى تفكير عميق ، أنقذه منه طرقات متوالية على باب منزله هب على اثرها الى الباب وبحركة عفوية فتح الباب ليشاهد صديقه البقديم كمالا . وكانت مفاجأة له بالنسبة لهذا

الصديق القديم الذى غاب عنه السنين الطويلة ، وانقطعت عنه اخباره حتى ظنه قد مات وبعد تبادل العادات المتبعة فى لقاء الغائب هرعا معا الى داخل المنزل وعلى الكرسى العتيق اتخذ صديقه مجلسه اما هو فأخذ طريقه الى زاوية من البيت حيث يوجد حجزة صغيرة اتخذ منها مطبخا واخذ يعد الشاى للزائر العزيز . وبعد ان اعد الشاى قدم كوبا منه لصديقه ، وآخر لنفسه ، وأخذ كل منهما يرتشف من كأسه يتخلل ذلك احاديث واستفسارات من الصديقين تتعالى من خلالها ضحكات عالية يطلقها الصديقان عندما يمر ذكر احدهما لبعض الحوادث المثيرة للضحك وهكذا . . ويبدو ان احمد سئم من هذا الحديث فأراد ان يحوله الى

حديث آخر ، يصرح لصديقه من خلاله بما يدور فى فكره من عزمه على الزواج ، بأمل ان يدله على طريق يكون هو قد اخطأها واراد ان يتكلم فخشى ان يغضب صديقه لمقاطعته اياه فى حديثه الذى لم ينفك منذ جلس يسرده ، فنهض موهما صديقه انه يريد قضاء حاجة : وعاد من وقته ، وعلى قيد خطوات من صديقه الجالس كان يتكلم ! ما رأيك يا أخي في الزواج ؟ وجلس الى جانبه ، والابتسامة تعلو شفتيه . وكانت الابتسامة مرتسمة ايضا على محيا صديقه كمال : -

- أو تسألني عن الزواج ؟ - نعم !  - هل تريد الزواج ومن هى التى وقع اختيارك عليها ؟

( ودون ان يتم حديثه قاطعه احمد : لم اسألك عن هذا اسمع اننى اريد ان استشيرك فى امر الزواج هذه الايام

- وبماذا تريد استشارتى ؟ - الم تتزوج يا اخي ؟ - نعم ولكننى طلقتها - ولماذا ؟

- يا اخى اننى ابتليت بزوج سيئة المعاشرة فهى لا تفتا تؤنبني كلما عدت للبيت متأخرا فى الليل والنهار ، ولا تفتا تطالبني بالمزيد من الطلبات التى لا تنقطع على الدوام : ولذلك طلقتها ولن أتزوج لاننى أجلب باللزواج لنفسى العذاب مرة أخرى واذا كان النساء على شاكلة زوجتى فخير لى ولغيرى من العزاب ان يبقوا عزابا : -

لقد سمع احمد ما قصه صديقه عليه من مساوىء زوجته ولكنه لم يشأ ان يقطع الحديث الذي بدأه هو ونظر الى صديقه طالبا منه المزيد من الايضاح

وعاد صديقه كمال الى الحديث - اتريد رأيى فى الزواج ؟

( وكاد احمد ان يثب من على السرير ) :  نعم . نعم تكلم اوضح اكثر فأكثر :-

- اذن اصغ الى ، سأبدأ بقصتى مع زوجى وبعد ان تسمعها فلك ان تحكم

- حسنا ( قالها أحمد وصمت منتظرا من صديقه كمال بقية حديثه عن زوجه وسيرته معه بصورة اوضح من السابق )

وبدأ كمال يقص على احمد سيرته مع زوجه فقال :

كنت اسكن في حي من احياء هذه المدينة . أعمل خادما فى أحد المصانع وكان أجرى اليومي لا بأس به ولو اننى فى بعض الاوقات أصرفه جميعه فى جلسة واحدة فى المقهى : ورغم انفاقى المتواصل لم اعدم ان اجمع منه ثروة صغيرة ولقد بقيت هكذا ردحا من الزمن لا يعكر صفو حياتى حادث

وفي احدى الليالى وبحكم العادة كنت خارجا من منزلي إلى المقهى وعلى احد الكراسي بينما كنت اتخذ مقعدى ، اذ فوجئت بمجموعة من الاصدقاء يتجهون الى ناحية الكرسى الذى اتخذت مقعدى عليه ولفت نظرى قهقهتهم المتواصلة وبين الفينة والفينة كان يجلس بينهم صديق ، يجاريهم في سرورهم : وبعد ان اتخذوا مقاعدهم على الكراسي التى نصبها لهم صاحب المقهى كانوا يتكلمون بصوت واحد : هنئ اخاك . فلان : بالخطبة - بكسر الخاء - فلم اتردد فى مد يدى للصديق الخاطب مهنئا ومباركا له وطال بنا الجلوس إلى وقت متأخر من الليل حيث تفرقنا واخذ كل منا طريقه الى منزله ، وفى منزلى كانت فكرة الزواج تدخل دون استئذان الى رأسى الذى استجاب لها دون تردد أو مانعة .

وتقدمت خاطبا الى احدى الاسر ووفقت في ذلك وأقيم الفرح وبعد انتهاء مراسم الزواج حسب المألوف ادخلت زوجتى الى بيتى الجديد وبدت حياتي عادية لا يشوب صفوها شئ من المكدرات مدة ليست بقصيرة . ومن ثم اخذت بوادر الملل والتذمر تتسرب الى نفس زوجتى التى تعودت حياة البذخ والاستهتار فأخذت تطالبني بالمزيد من الحاجيات وتؤنبني - وكأنها هى الرجل - كلما خرجت للمقهى لأروح عن نفسى المكبوتة وقد زادت اخيرا فى الاستهتار فتركتنى فى احد الأيام بدون غداء ولما سألتها عن السبب اشاحت بوجهها عنى بعصبية ظاهرة ولم تجب . ومع كل هذا تحملتها وطبخت لنفسى وأكلت . . ويا ليتها توقفت عند هذا الحد . لقد فوجئت ذات ليلة عند عودتى من المقهى مرهقا بانها لم تكن بالمنزل ولم تعد الا فى الصباح ولما أردت أن أسألها : الى اين ذهبت ولماذا تركت المنزل هكذا ؟ ادارت لى ظهرها وخرجت دون أن تخاطبني بكلمة واحدة وعلمت انها ذهبت الى بيت اهلها فيما بعد . لم احتمل يا اخى كل هذه المصائب ، طلقتها وتركتها تذهب الى غير رجعة وآليت على نفسى الا ن اتزوج بعدها ابدا . . فلا تلمنى قد يكون سوء حظى ساقني الى هذه المرأة المشؤومة التى لا احكم على كل النساء حكمى عليها . او ان سوء حظها ساقها الى . . على كل ، اننى لا اطلب منك أن لا تتزوج ، بل آمل ان تتزوج فالنساء لسن سواء كما يقولون .

وصمت الصديقان !!

" ويظهر لنا من سياق القصة ان كمالا تعود حياة العزاب : سهرب بالليل ونوم بالنهار ، ولما لم توافقه زوجته المسكينة على هذه الحالة

البائسة اخذ يكيل لها التهم ، ولما أعينه الحيلة فى ترويضها على ما يريد طلقها والصق بها كل رذيلة فى الدنيا "

وقطع حبل الصمت ، صوت احمد وهو يقول موجها حديثه الى صديقه كمال : لقد عزمت على الزواج

ورد كمال وهو يبتسم : موفق ان شاء الله وضحك الصديقان معا مليا

ومن ثم نهض كمال مستأذنا صديقه احمد فى الذهاب ، فسبقه بدوره الى الباب مرحبا به ومودعا ، ومواعدا اياه الساعة الرابعة ليلا بالمقهى للسمر مع رفقائهم العزاب :_

وفي اليوم التالي كان العزاب يلتفون حول احمد الذى ودع حالة العزوبة ، يهنئونه ويباركون له الخطبة ، طالبين منه ان لا ينساهم وهو يبتسم لهم ، والعرق يعلو اسارير وجهه الاسمر النحيل :_

لقد فقد العزاب واحدا منهم ، واصبح فى حلقة جلوسهم بالمقهى ثغرة مفتوحة هى مكان أحمد .

ومضت أيام تلتها شهور ، وأحمد لا يزال قرير العين بزوجته التى كانت تحبه وتعاتبه عتابا رقيقا كلما أطال الغياب عنها . ( ويبدو ان احمد كصديقه كمال يريد من زوجته أن تترك له الحبل على الغارب يسهر الى وقت متأخر من الليل وينام جل نهاره تاركا زوجه وحدها ولم يلبثا ان تشاجرا فطلقها وعاد الحالة العزوبة . )

وفى المقهى بين ضجيج اللجلوس وصخبهم كان الحمد يحتل مكانه الذى افتقده طويلا بين رفاقه العزاب .

( المهد )

اشترك في نشرتنا البريدية