حين قرأت فى جدول أعمال المؤتمر ، موضوعات لجنة الأدب والتراث ، رجوت مخلصة أن نخرج من هذه الدورة الهامة لمؤتمرنا الكبير ، بما يحسم الخلاف العقيم حول التراث والمجتمع الجدايد ، وينهى الجدل الشاذ في تراثنا بين الرجعية والتقدم .
وتحديد مفهوم التراث ، مما يعين بلا ريب ، على حسم القضية التى طال اختلافنا فيها وجدلنا حولها . ان التراث بأبسط عبارة ، هو ما يتلقاه الكائن ، المادى أو المعنوى ، من ماضيه ، أو هو تتابع الشخصية وتسلسلها على مر الأجيال . وقانون الوراثة قانون علمى مفروغ منه ، ومن العجيب أننا لا نختلف على أثر الميراث فى الفرد ، فلماذا يشتبه علينا أثر الوراثة فى حياة الجماعة ؟
ان مجتمعنا الجديد ، فيه امتداد للقديم ، وهو نابع منه أصلا ، حامل فى كيانه العام ميراثه منه . ذلك أمر مفروغ منه علميا بقانون الوراثة ، وهو أيضا ما يجب أن يتقرر قوميا ، بما يقضى به وجودنا الحاضر ، من ضرورة دراسة ميراث الماضي فينا ، لنجد فيه ملامح أصالتنا ، ونعى أسرار ذاتنا ونستبين معالم خطانا على درب الوجود منذ كنا . .
ولا نعرف أمة متحضرة فى عالم اليوم ، جحدت تراثها أو عدته عبثا عليها يثقل سيرها ويعوق تقدمها ، بل الذى نعرفه أنه حتى الامم المحدثة فى الحضارة ، تحاول ما وسعها الجهد أن تصطنع لها تاريخا مضى ، وتجند الصفوة من علمائها ليبحثوا لها عما يمكن أن تعتده تراثا لها يخصب وجودها ويغذى طموح أبنائها بما يمنحهم من طابع أصالة وسمة عراقة ، في الوقت الذي نختلف فيه على جدوى الاهتمام بتراثنا ، ونحن أعرق الامم وجودا ، وورثة الحضارات الانسانية الاولى التى قادت البشرية على درب التمدن من قديم الحقب والادهار . . .
ولا أريد أن أنساق الى دفاع عن قضية هذا التراث . . كلا ، فذلك ما يجرح كرامتنا العلمية والقومية ، ومن ثم أنتقل مسرعة الى تلك القضية الاخرى التى ما نزال نختلف عليها ، وهي : تراثنا بين الرجعية والتقدمية وأعتقد أنها كذلك ، مما يجب أن نفرغ منه ونحسم الجدال العقيم فيه
ذلك لأنه اذا كان لا يجوز أن نجحد قانون الوراثة فينا ، فليس يجوز
أيضا أن نجحد قانون الحياة وسنة التطور . ومع ايمانى الراسخ ، بأن الوقوف في وجه التطور تأباه طبيعة الاشياء ، وأن كل محاولة لتجميد حركة الكائن الحى لا بد أن تنسخها آية الكون ، فالذى لا شك فيه أيضا أن مثل تلك المحاولة على عقمها تعوق خطانا وتبدد طاقات ليس من حق أى جيل أن يضيعها على الأمة عبثا .
وكما يضل ضلالا بعيدا ، من يتصورون امكان الاستغناء عن فهم تراث الماضى فينا ، يضل أيضا من يتصورون امكان الاستغناء بهذا التراث عن جديد لنا يضيفه عصرنا . فبقدر احتكام الوراثة فينا ، تحتكم سنة التطور التى يخضع لها كل كائن حى .
ان جديدنا لا يمكن أن يقوم على هباء ، كما لا يمكن أن تستعار له جذور أجنبية عن أرضه غريبة على مناخه . ومثل من يتوهم أن تطورنا يمكن أن يبدأ منطلقة بمعزل عن ميراث ماضيه ، وأن يخطو فى فراغ تائه ليس فيه اشارة الى معالم خطواتنا السابقة على طريق الحياة ، كمثل من يتوهم أن البشرية اليوم تتطور من نقطة الصفر ، ضاربة فى فراغ لا أثر فيه من تجارب ماضيا الطويل ، أو أنها تحاول اليوم أن تتطور الى عصر الذرة ، بمعزل عن مراحل نتقالها السابقة ، من عصر البخار الى عصر الكهرباء .
كذلك لا تستطيع الرجعية الكافرة بالتطور ، أن تجمد حركة الحياة أو تلغى سير الزمن ، ومنذ نحو الف عام قال شاعرنا أبو العلا :
أمس الذي مر ، على قربه
يعجز أهل الأرض عن رده !
ان التطور يفقد كل معناه اذا أهدر عنصر الزمان الذي يفرض علينا حقيقته ، كما أنه يفقد كل معناه ، اذا أهدر عنصر البيئة ونوازع الوراثة . ومن ثم يحب أن تعد قضية التراث بين القديم والجديد مروغا منها ، لاننا نعيش يومنا بالامس الذى يعيش فينا ، وتاريخ الامة ، بل تاريخ الحضارة الانسانية بوجه عام ، ليس الا مراحل تنتفع كل منها بتجارب ما قبلها ، وتضيف اليه ما هو ميراث لما بعدها . . .
ولعلي لا أكون أطلت التمهيد لما أود أن أتحدث فيه عن " كتاب العربية الأكبر " وأقدر تماما أنكم ، وفن الكلمة مناط اهتمامكم وتخصصكم ، تعلمون أن لغة الأمة لا يمكن أن تنفصل عن أصيل تراثها ونقى منابعها . وغير متصور بحال ما ، أن يكون تطور لغوى ، بمعزل عن لسان العربية من اعرق قديمها ، لان الانسلاخ من أصيل اللغة ، مسخ لمقومات وجودنا وجوهر شخصيتنا ولسان قوميتنا .
ولقد كانت اللغة ، محور الصراع التاريخي للامة العربية فى نضالها عن
وجودها القومى ، ففى القرن الثانى الهجرى ، قامت هنا فى هذه الأرض الطيبة ، حركة جمع تراث العربية الأصيل ، وحمل العراق عبئها الأكبر في مواجهة الغزو الشعوبى الضارى . وبعد مأساة الغزو التترى ، قامت حركة تأليف الموسوعات فى مصر والشام ، لانقاذ ما يمكن انقاذه من تراث العربية والاسلام ، بعد أن دمر الاعصار ما دمر من كنوز الكتب وذخائر المخطوطات وبعد انحسار الموجات الصليبية قامت حركة الاستشراق في الغرب ، فمهدت للاستعمار بما عكفت عليه من دراسة لغتنا واستقراء تراثنا ، كي تفهم عقليتنا ومزاجنا وتدرك أسراز ذاتنا . وجاء الاستعمار فسهر في لبلنا الطويل على محاولة مسخ شخصيتنا القومية بعزلنا عن ماضينا وبترنا من جذورنا ، وسرق ألسنة شعوب منا ، فلما آن لها أن تتحرر بعد معارك باسلة ، واجهت قضية اللغة القومية ، فاذا هي أخطر وأعقد مشكلات ما بعد الاستقلال . . .
ولغة الأمة ميراث لها ، واذا جاز أن يشتبة على بعضنا مدى احتكام الوراثة فى أى جانب من جوانب حياتنا الجديدة ، فان اللغة مما لا يجوز الاشتباه فى وثيق صلتها بموروثها القديم ، بل انها لا تحقق وجودها الأصيل الا يقدر ما ترتبط بتراثها العريق .
ولكل لغة روائع من آدابها تعدها النماذج العالية لذوقها النقي ، والمثل الرفيعة لفنها القولى . وحين نلتمس فى العربية مثلها الأعلى فاننا لا نجد فى تراثها الأدبي كله ، نصا عوجز به كما عوجز بالقرآن ، مهما يكن الرأى فى الاعجاز .
حتى الذين قالوا فيه بالصرفة أجمعوا على أنه طراز فريد فى بلاغته ، ونمط فذ فى بيانه ، وعكفوا على دراسة أسرار نظمه .
فالقرآن الى جانب كونه كتاب الاسلام ، هو كتاب العربية الأكبر ومجتلى أصالتها ونقائها .
فمن حيث الأصالة ، نلتفت هنا الى أن تراث العربية من عصر نقائها قبل أن تخرج من بيئتها الأصيلة أو تشوبها شائبة من عجمة ، ظل يروى شفاها وينتقل الى ألسنة الرواة جيلا بعد جيل ، ولم يبدأ تدوينه الا في وقت متأخر ، وقد بعد العهد بقديمه وضاع أكثره ، فلم يبق منه الا القدر الذى وعته ذاكرة الزمن لقررون عدة ، وهذا القدر تعرض لعوامل التغيير والتحريف ، ولحقت ببعضه تهمة الوضع والانتحال بفعل دواع سياسية ومذهبية واجتماعية وهى تهمة ألح المستشرقون فى تضخيمها حتى ألقوا ظل الشك على تراث العصر الجاهلى كله ، بل على كل ما روى شفاها من العصر الاسلامى الأول ، وذاعت فينا التهمة فلم يتخلص منها ميدان الدرس الأدبي عندنا الا بعد جهود مضنية حصرت الشك فى نطاقه المحدود ، وان لم تمنع أن يكون من هذا
التراث الذى نطمئن اليه ، ما زيف بمهارة تفوت خبرة علماء العربية ( 1 ) .
أما القرآن فقد تم تدوينه كله باشراف الرسول صلى الله عليه وسلم وتحت رقابته ، والاحتياط له بمثل منع الرسول أصحابه من كتابة الحديث ، فسلم القرآن من كل ما تعرضت له النصوص الأخرى من شوائب الرواية الشفية التى لا تسلم ، مع كل الأمانة والحرص والتحرج ، من تغيير لفظ بآخر فى معناه ، وهو ما يعرف فى " مصطلح الحديث " بالرواية بالمعنى .
لدينا اذن من عصر أصالة العربية نص موثق ، تم تدوينه منذ أربعة عشر قرنا ، فاذا قدرنا مع ذلك أن هذا القرآن هو النص المعجز الذى بهر العرب فاعياهم أن يأتوا بسورة من مثلة ، والعربية فى عز مجدها وذروة نقائها ، أدركنا ما لهذا النص من خطر جليل ، من حيث هو النموذج الآصل والأعلى للعربية ، وأدركنا معه أن الاتصال بهذا القرآن ، ضرورة لا مفر منها لكل من يمارس فن القول فى العربية ، وكل عربى يريد أن يكسب ذوقها المصفى ، مسلما كان أو غير مسلم .
والأدب فن أداته الكلمة ، فلست أدرى كيف يتاح لأديب منا أى حظ من الاقتدار ، وهو يجهل أسرار اللغة التى يأخذ منها أداة فنه ، ويعبر بها عن وجدانه . بل لست أفهم كيف يمكن أن يحقق وجوده الأدبي ، متصلا بالوجدان العام لأمته معبرا عنه ومؤثرا فيه ، بعيدا عن الدراية بأسلوب الكتاب الأكبر ، ودون أن يحسب كل حساب لما فى التكوين الذوقى للجماعة ، من تأثر بالكتاب الذى ينفرد بالسيطرة على وجدانها على تتابع العصور والاجيال ؟
وأخرى لافتة الى ما لهذا القرآن من دور قيادى متفرد ، فى وحدة الأمة العربية من قلب المشرق الاسيوى الى اقصى المغرب الافريقى . وبه كنا نلتقى فكرا وروحا ووجدانا ، عبر الحواجز الفاصلة والأسوار العازلة التى أقامها الاستعمار سننا ليمزق شملنا . وقضية الوحدة بالنسبة لنا اليوم قضية مصير . وليس لنا غير القرآن مناط الوحدة الذوقية والفكرية والوجدانية ، اذ أنه مهما تتعدد لهجاتنا المحلية وتختلف بيئاتنا الاقليمية وتتغير فنوننا الشعبية المحدودة الأثر بالنطاق المحلى الضيق ، يبقى القرآن فى نقاء أصالته وعمق نفوذه وبالغ تأثيره وتفرد مكانته ، الكتاب المشترك الاكبر الذى تلتقى عنده كل الاقطار التى اتخذت العربية لسانا لها ، على اختلاف بيئاتها واديانها ولهجاتها ، وتفاوت تأثرها بالعوامل الاقليمية ، كما يلتقى المسلمون عنده ، في شتى أوطانهم وعلى اختلاف ألسنتهم ، عقيدة ودينا . .
وانفراد كتاب العربية الأكبر ، بهذا الأثر الفريد فى كسب ذوقها ، وذلك الدور القيادى الجليل فى تأصيل وحدة شعوبها وتقرير مصيرها ، وضمان
تفاهمها المشترك والتقائها الفكرى وتجاوبها الوجدانى ، انفراد القرآن بكل هذا - مما لا نعرفه لأى كتاب آخر - هو الذى يجلو الأهمية القصوى لجد المحاولة فى وصل أبنائنا به على اختلاف مستوياتهم الدراسية ، واعطائه المكانة الأولى فى المرحلة الجامعية لمن يتخصصون فى دراسة العربية وأدبها ، باحثين أو معلمين . . .
على أن هذا لن يجدى شيئا ذا بال ، إذا لم تقم دراسة القرآن ، فهما وتذوقا ، على منهج لغوى أدبى دقيق حر ، كان لا بد لحياتنا أن تستحدثه ، بعد أن تأصلت فينا قواعد الدرس المنهجى ، وبلغت ما بلغت من دقة التناول وعمق النظر وصحة الاستقراء .
وتعلمون كما أعلم ، أن الظروف الدينية والسياسية والتاريخية التى تعرض لها فهم العرب للقرآن الكريم ، وتعرض لها تأويله ، من حيث كونه الكتاب الديني لشعوب شتى تتوزعها فرق ومذاهب ونوازع ووراثات مختلفة ، هذه الظروف قد حالت دون تذوقه نصا ممثلا لأنقى وآصل ما في العربية من آيات البيان ، وذلك لما داخل هذا التذوق من شوائب شتى جارت عليه .
وكل من له اتصال بالدراسات القرآنية ، يعلم ما حشيت به كتب التفسير من مقحمات اسرائيلية ، حاول بها اليهود ممن دخلوا في الاسلام طوعا أو كرها ، تطعيم فهم المسلمين لكتاب دينهم بعناصر اسرائيلية . والى جانب هذه المقحمات المدسوسة ، شائبات أخرى تتصل بصميم عملنا الأدبى ، وأعنى بها تلك التى جاءت أثرا لتباين أذواق المفسرين وأنماط عقلياتهم وببثاتهم ومدى قربهم أو بعدهم عن روح العربية ، فى ذلك العالم الواسع العريض الذى امتد من الهند والصين فى أقصى المشرق ، الى مراكش والأندلس فى اقصى المغرب ، وتقاسمته عصبيات مذهبية وسياسية وشعوبية . فاقتضى هذا بطبيعة الحال ، أن توارد على كتاب الاسلام الدينى أمم وطوائف شتى ، تفهمه وتتذوقه متأثرة بظروف زمانها ومكانها ، ويفسره المفسرون منهم - وكثرتهم أعاجم - تفسيرا يوجه النص توجيها يعوزه فى أكثر الأحايين ، ذوق العربية النقى وحسها الأصيل ، وقد ينحرف به عن وجهته ضلال التعصب أو خطأ المنهج أو قصور التناول .
وتقوم المحاولة فى المنهج الحديث لتفسير القرآن نصا بيانيا ( 1 ) ، على أن نخلص لفهم النص فهما مستشفيا لروح العربية ، مستأنسا في كل لفظ ، بل كل حركة ونبرة ، بمعجم الاستعمال القرآنى كله ، وتتبع الدلالة حيثما ورد اللفظ فيه ، واستقراء السياق الخاص والعام ، لكل ظاهرة أسلوبية ، ملتزمين فى ذلك المنهج أدق التزام ، بكلمة قالها السلف الصالح " القرآن يفسر بعضه
بعضا " ثم لم يبلغوا منها مبلغا كافيا .
وقد أجدى تطبيق هذا التفسير المنهجى ، فى استجلاء دلالات دقيقة لألفاظ القرآن الكريم ، ولمح العجيب الباهر من أسراره فى التعبير وخصائصه الأسلوبية ، تحرر بها فهمنا له وذوقنا اياه ، من كل العناصر الدخيلة والشوائب المقحمة على أصالته البيانية .
وأستطيع أن أقرر هنا ، أننا بعد أن أخذنا بهذا المنهج المحرر ، اهتدينا الى ما يحلو لنا اعجازه البياني ، في اللفظ لا يقوم مقامه سواه ، وفى الحرف لا يؤدى معناه حرف آخر ، وفي الحركة أو النبرة ، تأخذ مكانها فى النظم المعجز .
وهو ما نضعه بين أيدى أدباء العربية ليدركوا سر الكل الكلمة التى هى أداة فنهم .
ونضعه كذلك بين قادة الفكر العربى ليلتمسوا فيه الحلول المجدية الحاسمة ، لما يشغل وجودنا الحاضر من قضايا قومية كبرى ، تتصل الاتصال الوثيق بلغتنا وأدبنا (1) .
من تلك القضايا مثلا . قضية الوحدة القومية التى تحتاج أول ما تحتاج الى ضمان التقائنا فكريا وتجاوبنا وجدانيا . وقد أشرت آنفا الى محاولة الاستعمار سرقة اللسان القومى لشعوب منا ، عزلا لها ومسخا لشخصيتها وذريعة غزو فكرى ومعنوى لها ، وحين أعياه أن يسرق لسان شعب منا ، عمد الى تمزيق وحدتنا اللغوية بصراع شاذ بين فصحانا المشتركة ولهجاتنا المحلية ، مما لا نعرف له مثيلا فى لغات الدنيا وما منها لغة ليست بذات لهجات محلية متعددة .
وتأخذنا دوامة الصراع المفتعل ، اذا لم نلذ بكتابنا الموحد لأبناء العربية ، خاصتهم وعامتهم ، فهو الذى يصون وحدتنا اللسانية والذوقية والفكرية ، ومنة نأخذ معجمنا الأصيل المشترك ، وأسلوبنا النقى فى التعبير على نطاق الوطن العربى الكبير.
وحاول الاستعمار فيما حاول ، تدمير حيوية لغتنا ، لتظل كما أراد لها لغة متون قديمة وأوراد صفراء وبقايا أثرية من مخلفات موتانا ، فراجت فينا اقاويل شائعة ودعاوى ذائعة ، تلح على عقولنا ووجداننا بأن العربية لا تصلح أن تكون لغة علم ، لعجزها عن تحديد دلالات الالفاظ وضبط مفاهيمها ، حيث تكثر المترادفات فيها كثرة فاحشة ، لا تنضبط بها دلالة محددة ، على ما يقضى بذلك العلم . كما أنها لا تصلح أن تكون لغة فن أدبى معاصر ، لقصور بيانها عن التوغل فى أعماق الوجود الانسانى ولمح أسرار الكون والحياة . وانما
قصارى جهدها البيانى أن يعنى بالشكل ويحتفل بالصورة . وان يقف عند الظواهر البادية ويلمح السطوح القريبة والاعماق الدانية الضحلة .
ومنا من يسمع هذا ومثله ، فيداخلة ريب فى طاقة لغتنا على مجاراة روح العصر ومعالجة قضاياه العلمية والفكرية ، والاستشراف لما يحلق فيه من آفاق فنية (1) . وعذره فى هذا ، سقم النصوص التى اختارها لنا نقاد الأدب ومؤرخوه على اختلاف الاعصر ؛ وقصور فى معاجمنا اللغوية المشهورة تحشد عديد الالفاظ للمعنى الواحد ؛ وأصوات عالية لكثير من لغوي العرب تجلجل بالمباهاة بامتياز العربية الفصحى بتضخم رصيدها من المترادفات ( 2 ) .
ومع أن عددا من أئمة اللغويين القدامى والمحدثين أنكروا القول بوجود الترادف فى العربية (3) ، وحملوا عليه حملة قاسية وكتبوا مؤلفات وبحوثا فى بيان اختلاف الدلالات باختلاف الالفاظ المقول بترادفها . لا يزال القول بالترادف فى العربية شائعا فينا رائجا بيننا ، حتى لنقرأ في مفتتح مجلة الرسالة ، يوم 11 من فبراير الحالى ، مقالا للدكتور على عبد الواحد وافى ، وهو متخصص فى علم اللغة ، يباهى فيه بأن لغتنا الفصحى " منقطعة النظير فيما اجتمع لها من مترادفات فى الاسماء والصفات والافعال ، ما لم يجتمع مثله للغة سامية أخرى ، بل ما يندر وجود مثله فى لغة من لغات العالم " واستشهد لذلك بما جمعه " ابن منظور " من أسماء للأسد عددها 500 اسم ، وللثعبان مائة اسم . وما جمعه " الفيروزابادى " من مئات الاسماء للشيء الواحد .
وعلم اللغة الحديث يرى فى مثل هذا الترادف ، ظاهرة فقدان حس لغوى ، وعجز عن ضبط الدلالات والمفاهيم . كما أن الفن الأدبى ينكر لغة يمكن أن يستبدل لفظ فيها بعشرات أو مئات أو ألوف . .
وكان أكبر الخطأ ، تنحية القرآن الكريم عن ميدان الدرس الادبى ومشكلات وجودنا اللغوى . وهذا القرآن ، يحسم قضية الترادف (4) ، حيث يشهد التتبع الدقيق لالفاظه فى سياقها ، بأنه يستعمل اللفظ بدلالة محددة منضبطة ، لا يمكن معها أن يقوم لفظ مقام آخر ، فى المعنى الذى تحشد المعاجم وكتب التفسير عددا قل أو كثر أو تضخم من الالفاظ المقول بترادفها .
فالقرآن مثلا ، استعمل مادتى ( حلف وأقسم ) وهما بمعنى واحد فى كتب التفسير ومعاحر اللغة ، لكن استقراء مواضع استعمالهما فى القرآن كله ، يمنع هذا الترادف ، حيث تأتى مادة ( حلف ) دائما فى مقام الحنث باليمين .
ليس هذا فحسب ، بل أن القرآن يفرق بين الصيغ المختلفة للمادة الواحدة ، فيبستعمل " شتى " مثلا فى التنوع والاختلاف ، أما ( أشتات) فالواضح فيها معنى التفرق المقابل للتجمع . ويستعمل ( النعمة والنعيم ) - وهما سواء في المعاجم وكتب التفسير - مع تفرقة واضحة بينهما ، فيخص النعمة ، مفردا وجمعا ، بنعم الدنيا ، يطرد ذلك فى كل مواضع استعمالها في القرآن ، ويخص ( النعيم ) بننعيم الآخرة ويطرد ذلك أيضا فى كل مواضع استعمالها .
فليس لقائل اذن أن يقضى على ( العربية ) بفقدان الحس اللغوى للالفاظ والعجز عن ضبط الدلالات ، وهذا كتابها الأكبر الموثق ، يبهرنا بدقة دلالة الفاظه بحيث تأخذ الكلمة مكانها فى التعبير ، غير ملتبسة بأخرى أو أخريات . . .
ومن حيث الاداء الفنى القائل بقصور العربية عن أدق أسراره وأعمق ايحائه ، كان الخطأ الاكبر الاستدلال لذلك بنصوص من الأدب العربى ، ليس فيها جميعا ما في هذا القرآن من آيات بيانية باهرة ، قل فى البلاغيين والمفسرين من التفت اليها الا من حيث الصنعة البلاغية التى يتجمد بها النص ويفقد سر ايحائه .
ولو مضيت أعرض نماذج من الصور البيانية القرآنية ، لكان على أن أتلو كل ما فيه من صور ، فما من تشبيه أو استعارة أو كناية أو وصف أدبى ، لا ينفذ إلى العمق الوجداني الموغل ، ولا يستشف خفى الايحاء لاسرار النفس والكون وراء السطوح القريبة والمظاهر البادية واللقطات المرتجلة . والاتصال بالسان القرآني ، فهما وتأثرا ، هو الذى يمكن أن يحقق لنا ذوقا عاما نلتقى عنده نحن كتاب العربية وقراءها ، على تفاوت أذواقنا الخاصة ، فردية أو اقليمية ، وبخاصة اذا قدرنا ما لا يجوز أن نغفل عنه ، من أن أى كتاب عربي ، قديم أو حديث ، بجد مجاله عند فريق من خاصتنا أو عامتنا ، أما القرآن فهو كتاب الملايين من خاصة وعامة ، ومن ثم وجب أن نلتمس فيه مناط وحدتنا الذوقية .
واذا كنت لا أستطيع أن أستقرئ هنا الصور البيانية فى القرآن ، فانى ألفت الى ظواهر أسلوبية هدى التفسير المنهجى الى اطرادها فيه ، بحيث يمكن عدها من الخصائص البيانية للنص القرآنى .
من ذلك مثلا : ظاهرة الجرس العجيب لايقاع جمله ونغم فواصله : لفتت البلاغيين القدامى فقالوا فيها برعاية الفاصلة ، كأنما يجوز فى أى نص بليغ ،
أن يتعلق بزخرف شكلى وحلية لفظية . وأكثر الشواهد البلاغية على هذا الفن البديعي ، تقبل هذا ، وتجرح فنية البيان العربى ، وتظهره أدب لفظ وشكل ، وصنعة زخرف من القول . لكن استقراء الظاهرة فى القرآن الكريم ، أثبت أنه ما من لفظ لم يجيء لاعتبار معنوى اقتضاه ، بحيث لو حاولنا استبدال لفظ آخر به ، فسد المعنى وفقدت الكلمة سر ايحائها . أضرب مثلا :
" والضحى ، والليل اذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى " قال فيها البلاغيون برعاية الفاصلة ، وفاتهم أن سجو الليل هو المقابل الوحيد لاشراف الضحى ، وأن حذف كاف الخطاب فى " قلى " اقتضته حساسية معنوية مرهفة ، هى تحاشى خطابه تعالى لحبيبة المصطفى ما قلاك ، على ما فى القلى من دلالة الطرد والابعاد وشدة البغض ، أما التوديع فلا شئ فيه من ذلك ، وأكثر ما يكون بين الاحباب ومع رجاء اللقاء .
مثلا آخر :
" ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر " قالوا فيها برعاية الفاصلة وفاتهم أن لفظ المقابر ، هو وحده الملائم معنويا للتكاثر . فبقدر ما بين المقبرة والقبر من تفاوت ، يتجلى البيان القرآنى فى ايثاره صيغة ( المقابر ) على القبور ، حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر به المتكاثرون ، وحين يلفت الى مآله في مجتمع المقابر ومحتشد الرمم ومنازل الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم ، وهذه الدلالة من السعة والشمول ، لا يمكن أن يقوم بها لفظ القبور ، بما هى جمع قبر لفرد أو أفراد .
ولهذا ومثله صلته بما يشغلنا من قضية اللفظ والمعنى .
واذ لا يتسع المجال الآن لعرض ما هدى اليه التفسير المنهجى للقرآن من حلول حاسمة لقضايا وجودنا القومى ومشكلات حياتنا الفنية واللغوية ، مما تتسع له البحوث والمؤلفات ، ما نشرناه منها وما هو بسبيل النشر .
ختم الكلمة راجية أن يكون هذا الحديث الموجز قد لفت الى أهمية التوصية بالعناية بالقرآن ، قمة أدب العربية ومناط وحدتها الذوقية ، فيوصل به أبناء العرب على اختلاف مستويات التعليم ، ويأخذ المكانة الاولى فى الدراسة الجامعية للعربية وأدبها ، من حيث هو كتاب العربية الاكبر ومعجزتها البيانية العليا .
