اني(*) مبتهج متشرف فى آن واحد بالاشراف على هذا المهرجان الذي تقيمه مدينه القيروان للشعر وذلك نيابة عن الاخ الشاذلى القليبي الذي كان عازماً على الحضور معكم فى هذه الليلة ، ولكن حالته الصحية اليوم لم تسمح له بذلك . وأعتذر باسمه لديكم عن غيابه ، وارانى اليوم فى هذه الليلة مدعوا لا للاشراف على هذا المهرجان فحسب ، بل لاخذ الكلمة بدون أن إستعددت لها من قبل لذا أعتذر مسبقاً إذا كنت دون مستوى هذا المهرجان ودون ما قد تنتظرونه منى إذ أنني مسرور كما قلت لكم ومعتز بان اجتمع مرة اخرى باحرار القيروان وأدباء القيروان فى مهرجان كهذا . وكنت دائماً ولا أزال مسروراً بهذه الاجتماعات فى هذه المدينة سواء كانت حزبية أو ثقافية .
وقبل كل شئ يلذ لى ان اتقدم للجنة التنسيق الحزبي بالقيروان وإلى رئيسها بعبارات الشكر والتقدير على هذه البادرة الطبية المتمثلة فى تنظيم مهرجان قومى للشعر ، وعلى توفيقه فى تنظيم هذا المهرجان واذكركم بأن هذا المهرجان ليس أول ملتقى ثقافى تنظمه الولاية أو لجنة التنسيق . وآخر ملتقىي أذكره إنعقد منذ سنة ونصف بمناسبة تسليم الجوائز التى رصدتها لجنه التنسيق لنخبة من الادباء والباحثين إمتازوا بالشعر والقصة والابحاث التاريخية وقد وقع هذا الاحتفال فى هذه القاعة وكان له صدام البعيد في تشجيع الأدب والادباء وكان له مدلوله البعيد فى إتجاه هذه المدينة الواضح نحو الأخذ بيد رجال الفكر واهل الثقافة بصفة عامة والادباء بصفة خاصة ، وذلك بمساعدتهم وإبراز مواهبهم والتعريف بهم .
وفي هذه الليلة لابد من أن أخص بالثناء آبن هذه المدينة البار الاخ المنجي الفقيه الذى جمع بين المسؤولية الإدارية والحزبية وبين هوابته الادبية وتذوقه الادبي فكان بذالك خير رمز لما يجب أن يكون عليه المسؤول فى تونس اليوم أى أن يكون رجل فكر ورجل عمل لا يفصل بين شؤون الفكر وبين واجبات العمل وتبعاته ومقتضيات انجازه . وهذا هو المواطن المسؤول المثالي الذي نريد والذى نروض شبابنا ونكونهم ونوجههم كي يكونوا مثله لان هذا النظام قام على أساس الصدق فى القول والنزاهة فى التفكير و الاخلاص فى العمل أى قام على اساس الجمع بين الفكرة النيرة الموفقة الصحيحة ، وبين القدرة على الخروج من طور القوة الى طور الفعل ، واذا اضفنا إلى هذا كله
الاخلاق الفاضلة فقد فزنا بكل الشروط الضرورية لتكون هذه البلاد في مقدمة الدول الناهضة السعيدة .
فليس مهرجان القيروان الشعرى حينئذ الا مظهرا من مظاهر سعي الامة الحثيث الشامل لرفع مستوى البشر ولتحقيق نهضتهم والسير بهم الى مدارج العظمه ومراتب الكرامة . فاذا بحثنا فى مغزى عقد مثل هذا المهرجان لابد ان نذكر فى هذا المقام بعناية الامة التونسية الدولة التونسية وبصفة خاصة رئيس الدولة التونسية المجاهد الاكبر الحبيب بورقية بالشعر . وهذا قد يستغربه بعض الناس وبالخصوص بعض الاجانب لان الشعر قد يعتبر مجرد نشاط ذاتى ينتمى الى الخيال ويهرب من الواقع ولكن هذه العناية لها ما يبررها لان للشعر وظيفة سامية ، حيوية فى تهذيب الوجدان وصقل الشعور وتغذية الخيال والتغنى بمكارم القوم . وكذلك للشعر وظيفة تتمثل فى تعميق الشعور والغوص فى اسرار النفس البشرية وتهذيب الذوق وإرهاف الاحاسيس والمشاعر . اذ الانسان ليس عقلا فقط وليس جوارح فقط بل هو قد يكون كل ذلك روحاً ووجداناً ونفساً تواقة ، قد تضعف وقد تقوى ، قد تصمد وقد تنهار قد يتملكها اليأس والقنوط ، وقد يهزها التفاؤل . والانسان متأثر الى حد بعيد بهذا الوجدان ، بالنفس ، وبما وراء النفس ، بما هو مشعور به وبما هو غير مشعور به فهو يحتاج فى عمله وفى كفاحه الى رصيد من الوجدان وإلى أبراز عواطفه فهو مطلوب منه أن يكون متكاملاً وأن ينير مسالكه ويهتدى اليها بعقله النافذ وبصيرته وأن يسيطر على نفسه وعلى بيئته وعالمه بنور العقل وعمق التحليل والثقافة الشاملة من جهة . ومن جهة أخرى يحتاج فى توازنه الذاتى وتذوقه للأشياء إلى الشعر والخيال والحماس والعواطف المبرأة من التفسخ والتذلل . فهذا هو الانسان الذي نريد ونسعى إلى خلقه .
لذلك نجد النظام الجمهورى يحيى الشعر ويعطى الشعراء منزلة ممتازة ويعتبر أن له وظيفة قومية اجتماعية خطيرة ، زد على ذلك ان الشعر واكب في تونس الحركة القومية ، وتغنى بملاحم هذا الشعب ، وخلد بطولاته سواء في الشعر الملحون ام الشعر الفصيح ، وكثير من الشعراء الموجودين الآن أو الذين ماتوا كانوا اضطلعوا بوظائف وبمهمات فى هذا الوطن ولم يعيشوا طفيليين بل كانوا مترشدين ، واعين ، انسجموا مع واقعهم ، واستوحوا منه وتجاوبوا مع شعبهم ومع إنسانيتهم بصفة عامة .
ثم ان الشعر فى تونس بخير والحمد لله ، بل انه يمكن لناقد الادب المعاصر ان ينتهى الى نتيجة وهى ان الشعر فى تونس اغزر فنون الادب واكثرهم رواجا وابعدهم تاثيراً حتى ان معالم النهضة الادبية المتمثلة اليوم فى النشر وحركه النشر برزت أكثر ما برزت فى الدواوين الشعرية ثم اننا لا نؤمن فى هذه البلاد بان الشعر يمثل مرحلة من مراحل نمو المجتمعات أو بعبارة أخرى
أن الشعر طفولة الشعوب وأن الشعب إذا ترشد وإرتفع مستواه ونضج فان الشعر يتضاءل وينقرض بل الشعر يستجيب الى حاجة فى النفس وهو ضرورى لتكامل الذات البشرية وتوازنها فيحسن حينئذ ان ناخذ بيد الشعر وبالخصوص أن ننمى الشاعرية والذوق الشعرى فى الشباب المتعلم .
لهذا كله تنظم ولاية القيروان ، بتعاون المسؤولين فى الدولة وفى الحزب مثل هذا المهرجان وأعتقد سلفاً بعد أن إطلعت على قائمة الشعراء الذين تفضلوا يقبول المشاركة فى هذا المهرجان ان مستوى هذا المهرجان سوف يكون مرضياً ، والذى نامله هو ان يصبح هذا المهرجان دوريا مثلما وعد بذلك الاخ المنجى الفقيه وان يرجع بذلك للقيروان سالف مجدها فى ميدان الأدب والفكر وبذلك تتم وتكمل معالم النهضة التى تتحقق يوماً بعد يوم فى هذه المدينة وبذلك يصبح للقيروان دور فى ميدان الادب والثقافة ، ويقع انسجام وتوازن بين ادبائها وبين البشر الذين يعيشون على اديمها ، ويرتفع مستوى الجميع مادياً وأدبياً وروحانياً .
ولقد أنجبت مدينة القيروان شعراء أفذاذاً الاحياء منهم كثيرون وهم موجودون فى هاته القاعة وهم ممن تعتز بهم تونس وممن يستحقون كما قال الاخ المنجى الفقيه ، أن ندرس شعرهم ، ونقدرهم حق قدرهم ونعرف بانتاجهم وهم أحياء وهي ظاهرة جديدة إمتاز بها هذا العهد البورقيبى اذ اصبح الشعب التونسى يحتفل برجالاته وبافذاذه وبابنائه البررة وبالخصوص فى هذا المقام بادبائه وبشعرائه وهم احياء ، لا ينتظر ان يموتوا وان يبعدوا عنه فى الزمن لاحياء ذكراهم. وهو واجب نقوم به اعترافا بالجميل وتشجيعاً للادباء الناشئين أما الذين صمدوا من شعراء هذا الجيل وظلوا يؤمنون بالشعر ، وبقداسة الحرف ، بالرغم عن كثير من المثبطات وازدراء بيئاتهم ولا مبالاة معاصريهم في عهود قبل الاستقلال ، ففضلهم عظيم وهذا مما يضاعف ثقتهم بأنفسهم أولاً ويرجع الثقة الى الجيل الجديد الى الشباب من الشعراء وهم كثر وإن من يتتبع الحركة الادبية فى تونس ويتصل بالشبان الشعراء وحتى بانتاج تلاميذ المدارس ويقرأ ما يحاولونه يزداد تفاؤله ويطمئن على مستقبل هذه البلاد الادبى .
ومن واجبنا اخوانى اخواتى أن نعطى الشعر بصفة خاصة والأدب بصفة عامة أهمية كبرى فى بلادنا لان هذا يتماشى مع تراثنا ومع تقاليدنا وهو وجه من وجوه أشعاع تونس وإبراز شخصيتها فى حوض البحر المتوسط وفي العالم العربي بصفة خاصة وفي العالم بصفة عامة . وهذه البلاد التى قاست فى القديم الامرين ، اضطهدها الطغاة وسيطر عليها الطامعون والغزاة ، وكان تاريخها مضطربا الى حد بعيد ، استطاعت اليوم ان تستقر وان تفرض وجودها فى ميدان السياسة وفي ميدان استنباط المذهب الموصل الى الخلاص في ميدان
الاجتماع والتعليم ويمكن أن نفرض وجودها بمستوى تفكير ابنائها ، بشخصية رجالها الادبية والثقافية وبمستوى اطاراتها وباشعاع فنانيها وأدبائها وشعرائها ، وهكذا ترجع للشعر وظيفته الاجتماعية التى عرفها فى العصور الاسلامية الاولى وحتى قبلها اذ يصبح الشاعر ، كالجندى كالفارس ، رجلامن رجالات الامة تعتمد عليه ، وتطمئن اليه ، وتحمله مسؤولية مناعة البيئة والشعب .
وأعتقد أن خير طريقة لبلوغ هذه الغاية هو ان يكون شعراؤنا غيورين على شخصيتهم على نحو ما نرى تونس غيورة على شخصيتها ، ان يكون الشعراء معتزين بانفسهم ، بقومهم ، بتربتهم ، أن يكونوا متحدين مع امتهم فى مصيرها ، فى كفاحها ، حلوه ومره ، فى احلامها ، فى افراحها ، فى احزانها . وانى اتوجه بالخصوص إلى الشبان من هذه الامة لان اخشى ما نخشاه هو أن نتأثر بتيارات أجنبية وننتسب الى مدارس دخيلة ، ونقطع عن اصلنا ، ولا نقوم بالمجهود الكافي للتاصل والارتباط العضوي بوسطنا ، وتقاليدنا ، وبالخصوص بمستقبلنا وبالخطوط العامة التى ترتئيها لهذا المستقبل .
ونحمد الله على ان اكثر شعرائنا ، واخص بالذكر شعراء افذاذا فحولا ، امتازوا بهذا الذى نسميه الصدق فى التجربة والاستيحاء والتعبير والصدق فى الموقف ازاء الحياة وازاء الوجود والمصير فنحن نقول للشاعر كن كما شئت ، وعبر كما تشاء ولكن كن صادقا فى تجربتك ، كن صادقا فى تعبيرك . إذ الصدق هو الاصالة وهو ما يميز الشاعر عن غيره ممن يحاولون الشعر .
ومن سوء حظى لست شاعرا حتى أستوحى من القيروان ومن نضال القيروان ، ومن خصال القيروان ، ومن كفاح القيروان ، وكفاح تونس بصفة عامة ابياتا لا شك انها تؤثر فيكم اكثر من هذا الكلام المرتجل ، ولكن لست شاعرا . واحمد الله على انى استطيع على الاقل ان ابلغكم نثراً ، ولو كان مرتجلا ، عبرت فيه عما اكنه للقيروان ولكم من محبة وتقدير وعبرت فيه عن تحيات المجاهد الاكبر وتحيات الاخ الشاذلى القليبى وأخيراً وليس آخراً اتمنى لكم نجاحاً باهراً واعتقادى هو أن هذا المهرجان سوف يكون له صدى بعيد وسوف يفتح بهذه الديار عهداً زاهراً مشرقاً فى الأدب والله فى عونكم والسلام عليكم .

