الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

كلمة بونيقية

Share

لا مراجع مكتوبة لتاريخ قرطاجنة سوى كتب اعدائها كما هو معلوم ثم اننا تلقينا ذلك عن اساتذة وعلماء هم ورثة اعدائها ، فاستقر فى العلم ان القرطجنيين قوم اشرار ، قساة القلوب ، يتقربون لآلهتهم بقرابين بشرية ، معاملتهم غدر وبهتان ، وذوقهم سماجة وبشاعة ، انظر الى تلك الاقنعة ، عيون محملقة ، افواه فاغرة ، نظرة بلهاء فزعة .

ومن أولئك المؤرخين من يلح فى ذكر هزيمتها ، كأن لم تلق من دهرها الا ذاك ، فيتبسطون فى وصف هلاكها باطناب ولذة ، كان لم تهلك الا هى وهم فى ذلك كمن يروى تاريخ نابليون فيبتدئ بواترلو ، معرجا على ترافلغار وينتهى بحياة الانبراطور فى جزيرة القديسة هيلانة ، ضاربا صفحا عن استرليتز وفغرام وغيرهن ، كمن اقتصر من قراءة كتاب ضخم على صحائفه الاخيرة .

والآخر ؟

أيجمل بنا ، ونحن ورثتهم ، ان نتركه ! ؟

مهما اختلطت الاجناس وتعاقبت الامم ، فلا مناص من الانتساب اليهم ، فزيادة على اننا نعيش فى ارض سبقونا اليها ، آتين من حيث اتى معظمنا ، فمن الالفاظ القليلة التى تسربت الينا من لغتهم نجد نسبة وطيدة بلغتنا العربية ، اذ اللغتان من اصل واحد .

اوتكةي : عتيقة قرطجنة : كريا هداتا : قرية حديثة

السوفات : شوفتيم : سبط زرع بعلى نسبة الى بعل حمون ..

نحن الآن ، نحمد الله ، فى حل من الاستعمار وتوجيهاته التعسفية ، قد امسكنا ازمتنا بايدينا فما بال غالب اساتذتنا ، ما يزالون يعتمدون اعمال الاجانب بما فيها من تشويه ؟ وما ذلك الا اقتصارا عن السعى ، والقليلون منهم الذين ازالوا الاستعمار من نفوسهم فاستقلت عقولهم وتحررت واستقامت للابداع قد بحثوا بانفسهم وصفنوا عن اذرعتهم وباشروا التراب بأيديهم فاكتشفوا معطيات جديدة واتوا بمعلومات بكر .

ولا ضير انهم اطلعوا على اعمال سابقيهم ، مهما كانوا فاثروا واتبعوا طريقتهم المثلى فى الامعان والتقصى فالفضيلة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها .

فأزالوا الغطاء عن بقية الكتاب واستقرأوا الحوادث واستنطقوا الحجارة

قيل : إن حلول الفينيقيين بافريقيا كان حوالى سنة 1200 ق  م وتدمير البلاد وقع سنة 146 ق م فقد عمرت اذن ما يقرب من 1054 .

وعمرت دولة المصريين 3600 سنة من الالف الرابعة الى حلول اسكندر المقدونى فى القرن الرابع ق م .

وعمرت دولة العبريين 1070 سنة من القرن العاشر ق م الى 70 بعده ودولة اليونان 600 سنة من الثالث ق م الى الثالث بعده . ودولة الرومان 1000 سنة من الخامس ق م الى الخامس بعده على يد جنسريق البربرى .

وهذه التواريخ هى طبعا تقريبا حسبما جاء فى كتب التاريخ وعلى كل فمكانة قرطجنة بين هؤلاء مكانة محترمة وهى بحكم سبقها استاذة اليونان ومثل لها فى الحضارة .

ان دوام دولة بهذا المقدار يدل على استقرار ونظام سياسى محكم فقد أعجب أرسطو فى كتابه " السياسة " بدستورها وأولويتها فى طريقة الانتخاب اذ بلغ تحرييهم فى الجدية ان الخمر كان محجرا عمن بلغ مقام السبط .

قالوا اشرار  ، لو كان كذلك لما استقامت معاملتهم مع اقوام مختلفى الارومة ، فقد أحاطوا بافريقية احاطة وبلغوا سكاندنافيا فى التجارة وتبادل البضاعة .

جاء فى تاريخ هيرودوت اليونانى تهكما ببلاهة الفينقيين ان بحارا لهم رغم انه راى فى بعض رحلاته البحرية الشمس تغرب عن يمينه ثم تشرق عن يمينه ، وضحك اليونانى حتى انه لا بد استلقى على قفاه كما هو الشأن  عند القدامى وفاته ان ذلك كان عند الانعطاف على راس الرجاء ، فيا ترى ايهما الابله ؟ .

قالوا غدارون أولو بهتان وثبت ان قوام هذه الدولة تأسس على التجارة  جميع معاصريهم من الامم وقد جاء الاسلام بالنهى عنه .

قالوا غدارون اولوا بهتان وثبت ان قوم هذه الدولة تاسس على التجارة والتجارة تقتضى الصدق والوفاء بالعهد وحسن الاخلاق .

قالوا ذوقهم بشاعة - لعلهم يقصدون كالفن التجريدى فى ايامنا هذه - لكن لولا انهم ، عوض ان يرونا تلك الاقنعة البشعة ارونا التمثال الوحيد - الى حد الآن - الذى نجا من الابادة ، وهو تمثال العقيله الش ، اذن لرأينا جمالا بارعا وفنا عريقا .

على ان شبابنا من المؤرخين قد عثروا فى هذه السنين ، فى حفرياتهم الموفقة على صنوج ويقايا آلات موسيقية وترية ودمى تنفخ فى الناى ، واما الزخارف والفسيفساء فهى نصب أعيننا فى المتاحف تدل على ظرف وحضارة وفرحة بالحياة .

وما ارضنا وسماؤنا وطبيعتنا بقادرة على غير ذلك .

اتمنى ان ارى كتابا فى تاريخ اسلافنا تكون فهرسته على النحو التالى :

1) تاسيس الدولة على نظام محكم . 2 ) استنباط الكتابة والحساب . 3 ) صناعة السفن وبناء المرافئ 4 ) علم الفلاحة . 5 ) المبادلات التجارية والحوار مع مختلف شعوب العالم المعروف 6 ) الادب والموسيقى والزخرف وطيب العيش . 7 ) نهايتها الشريفة التى آثرت الفناء على الخنوع لاعدائها .

نعم ، من مؤرخينا الشبان ، من صنف الدراسات والاطاريح والاعمال الجليلة ومنهم من ذهب الى ان تبرع بتدريس اللغة القرطاجنية ، فهى ولغتنا العربية من اصل واحد كما رايت ، غير اننا لم نر اثرا لدى طلبتنا ، فليصغى اولو الحل والعقد قليلا الى النخبة ليقرروا ذلك فى المدارس وليهتم ادباؤنا الآخرون بالموضوع فيحيوا عصر قرطجنة الزاهر وتعايشهم السلمى الرغيد فالخيال الخصب مع استناد على القرائن ، قد يعوض ما اهمل التاريخ ، وكذلك كان استاذنا المرحوم عثمان الكعاك ، فلا يتركون الفضل لفلوبير وحده ، عسى ان يزول ما حل بالاذهان مما سطر قاطون واحفاده .

وان تعجب فعجب بقاء نهج فى عاصمتنا يحمل اسم هذا العدو اللدود ، وانى لاعجب من تسمية بعض بناتنا اسم " دلندة " فهل من عارف يشفى عجبنا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية