لا مراجع مكتوبة لتاريخ قرطاجنة سوى كتب اعدائها كما هو معلوم ثم اننا تلقينا ذلك عن اساتذة وعلماء هم ورثة اعدائها ، فاستقر فى العلم ان القرطجنيين قوم اشرار ، قساة القلوب ، يتقربون لآلهتهم بقرابين بشرية ، معاملتهم غدر وبهتان ، وذوقهم سماجة وبشاعة ، انظر الى تلك الاقنعة ، عيون محملقة ، افواه فاغرة ، نظرة بلهاء فزعة .
ومن أولئك المؤرخين من يلح فى ذكر هزيمتها ، كأن لم تلق من دهرها الا ذاك ، فيتبسطون فى وصف هلاكها باطناب ولذة ، كان لم تهلك الا هى وهم فى ذلك كمن يروى تاريخ نابليون فيبتدئ بواترلو ، معرجا على ترافلغار وينتهى بحياة الانبراطور فى جزيرة القديسة هيلانة ، ضاربا صفحا عن استرليتز وفغرام وغيرهن ، كمن اقتصر من قراءة كتاب ضخم على صحائفه الاخيرة .
والآخر ؟
أيجمل بنا ، ونحن ورثتهم ، ان نتركه ! ؟
مهما اختلطت الاجناس وتعاقبت الامم ، فلا مناص من الانتساب اليهم ، فزيادة على اننا نعيش فى ارض سبقونا اليها ، آتين من حيث اتى معظمنا ، فمن الالفاظ القليلة التى تسربت الينا من لغتهم نجد نسبة وطيدة بلغتنا العربية ، اذ اللغتان من اصل واحد .
اوتكةي : عتيقة قرطجنة : كريا هداتا : قرية حديثة
السوفات : شوفتيم : سبط زرع بعلى نسبة الى بعل حمون ..
نحن الآن ، نحمد الله ، فى حل من الاستعمار وتوجيهاته التعسفية ، قد امسكنا ازمتنا بايدينا فما بال غالب اساتذتنا ، ما يزالون يعتمدون اعمال الاجانب بما فيها من تشويه ؟ وما ذلك الا اقتصارا عن السعى ، والقليلون منهم الذين ازالوا الاستعمار من نفوسهم فاستقلت عقولهم وتحررت واستقامت للابداع قد بحثوا بانفسهم وصفنوا عن اذرعتهم وباشروا التراب بأيديهم فاكتشفوا معطيات جديدة واتوا بمعلومات بكر .
ولا ضير انهم اطلعوا على اعمال سابقيهم ، مهما كانوا فاثروا واتبعوا طريقتهم المثلى فى الامعان والتقصى فالفضيلة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها .
فأزالوا الغطاء عن بقية الكتاب واستقرأوا الحوادث واستنطقوا الحجارة
قيل : إن حلول الفينيقيين بافريقيا كان حوالى سنة 1200 ق م وتدمير البلاد وقع سنة 146 ق م فقد عمرت اذن ما يقرب من 1054 .
وعمرت دولة المصريين 3600 سنة من الالف الرابعة الى حلول اسكندر المقدونى فى القرن الرابع ق م .
وعمرت دولة العبريين 1070 سنة من القرن العاشر ق م الى 70 بعده ودولة اليونان 600 سنة من الثالث ق م الى الثالث بعده . ودولة الرومان 1000 سنة من الخامس ق م الى الخامس بعده على يد جنسريق البربرى .
وهذه التواريخ هى طبعا تقريبا حسبما جاء فى كتب التاريخ وعلى كل فمكانة قرطجنة بين هؤلاء مكانة محترمة وهى بحكم سبقها استاذة اليونان ومثل لها فى الحضارة .
ان دوام دولة بهذا المقدار يدل على استقرار ونظام سياسى محكم فقد أعجب أرسطو فى كتابه " السياسة " بدستورها وأولويتها فى طريقة الانتخاب اذ بلغ تحرييهم فى الجدية ان الخمر كان محجرا عمن بلغ مقام السبط .
قالوا اشرار ، لو كان كذلك لما استقامت معاملتهم مع اقوام مختلفى الارومة ، فقد أحاطوا بافريقية احاطة وبلغوا سكاندنافيا فى التجارة وتبادل البضاعة .
جاء فى تاريخ هيرودوت اليونانى تهكما ببلاهة الفينقيين ان بحارا لهم رغم انه راى فى بعض رحلاته البحرية الشمس تغرب عن يمينه ثم تشرق عن يمينه ، وضحك اليونانى حتى انه لا بد استلقى على قفاه كما هو الشأن عند القدامى وفاته ان ذلك كان عند الانعطاف على راس الرجاء ، فيا ترى ايهما الابله ؟ .
قالوا غدارون أولو بهتان وثبت ان قوام هذه الدولة تأسس على التجارة جميع معاصريهم من الامم وقد جاء الاسلام بالنهى عنه .
قالوا غدارون اولوا بهتان وثبت ان قوم هذه الدولة تاسس على التجارة والتجارة تقتضى الصدق والوفاء بالعهد وحسن الاخلاق .
قالوا ذوقهم بشاعة - لعلهم يقصدون كالفن التجريدى فى ايامنا هذه - لكن لولا انهم ، عوض ان يرونا تلك الاقنعة البشعة ارونا التمثال الوحيد - الى حد الآن - الذى نجا من الابادة ، وهو تمثال العقيله الش ، اذن لرأينا جمالا بارعا وفنا عريقا .
على ان شبابنا من المؤرخين قد عثروا فى هذه السنين ، فى حفرياتهم الموفقة على صنوج ويقايا آلات موسيقية وترية ودمى تنفخ فى الناى ، واما الزخارف والفسيفساء فهى نصب أعيننا فى المتاحف تدل على ظرف وحضارة وفرحة بالحياة .
وما ارضنا وسماؤنا وطبيعتنا بقادرة على غير ذلك .
اتمنى ان ارى كتابا فى تاريخ اسلافنا تكون فهرسته على النحو التالى :
1) تاسيس الدولة على نظام محكم . 2 ) استنباط الكتابة والحساب . 3 ) صناعة السفن وبناء المرافئ 4 ) علم الفلاحة . 5 ) المبادلات التجارية والحوار مع مختلف شعوب العالم المعروف 6 ) الادب والموسيقى والزخرف وطيب العيش . 7 ) نهايتها الشريفة التى آثرت الفناء على الخنوع لاعدائها .
نعم ، من مؤرخينا الشبان ، من صنف الدراسات والاطاريح والاعمال الجليلة ومنهم من ذهب الى ان تبرع بتدريس اللغة القرطاجنية ، فهى ولغتنا العربية من اصل واحد كما رايت ، غير اننا لم نر اثرا لدى طلبتنا ، فليصغى اولو الحل والعقد قليلا الى النخبة ليقرروا ذلك فى المدارس وليهتم ادباؤنا الآخرون بالموضوع فيحيوا عصر قرطجنة الزاهر وتعايشهم السلمى الرغيد فالخيال الخصب مع استناد على القرائن ، قد يعوض ما اهمل التاريخ ، وكذلك كان استاذنا المرحوم عثمان الكعاك ، فلا يتركون الفضل لفلوبير وحده ، عسى ان يزول ما حل بالاذهان مما سطر قاطون واحفاده .
وان تعجب فعجب بقاء نهج فى عاصمتنا يحمل اسم هذا العدو اللدود ، وانى لاعجب من تسمية بعض بناتنا اسم " دلندة " فهل من عارف يشفى عجبنا ؟

