أسباب نظمه لمعلقته :
كان طرفة قد انفق جميع ما يملكه في اللهو فسخطت عليه عشيرته ونفرت منه وابتعدت عنه فولى عنهم غاضبا فذهب يتنقل بين احياء العرب حتى سئم هذا التشرد وهل هذا النمط من الحياة حيث ذاق مرارة الحرمان والشقاء فرجع نادما الى اهله فعهد اله أخوه معبد القيام برعاية أبله فكان يهملها . ولا يهتم بأمرها وازداد تفريطا بذلك حتى اخذها قوم من مضر فالتجا الى ابن عمه مالك يرجوه ان يساعده في طلبها فزجره وانتهره وقال له : ( فرطت فيها ثم جئت تريد ان تتعبنى فى طلبها ) . .
فتأثر . طرفة من قوله وهاجت شاعريته وتوقدت نفسه فقال معلقته يترجم فيها مشاعره ويعكس احساساته ويرسل خطراته ويبث لواعجه ومطلعها :
لخولة اطلال ، ببرقة ثهمد
تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد
وقوفا بها صحبى على مطيهم
يقولون لا تهلك اسى وتجلد
وهذا البيت الاخير اعتبر من نوارد الخواطر مع امرئ القيس فى قوله :
وقوفا بها صحبى على مطيهم
يقولون لا تهلك اسى وتجمل
وفى محاولة للبحث عن أيهما اقتبس من الآخر لم أتمكن من مقارنة ذلك وبالبحث عن تاريخ حياة ووفاة كل منهما وجدت ان الاستاذ عبد القادر المغربى عضو المجمع اللغوى فى دمشق يشير الى وفاته في محاضرة له ويقول ان وفاة طرفة كانت سنة ٥٥٠ للميلاد وفى دائرة المعارف الفرنسوية سنة ٥٧٠ اما امرؤ القيس فكانت وفاته سنة ٥٦٠ . وشعر طرفة عندما نتأمله ونمعن النظر فيه نجد أنه لا يقبل أن يستعير من غير . ويدلل على ذلك بقوله :
ولا اغير على الاشعار اسرقها
عنها غنت وشر الناس من سرقا
ولعل من احسن ما جاء فى معلقته ابياته فى معاتبة ابن عمه مالك ، حيث يقول :
فما لى ارانى وابن عمى مالكا
متى أدن منه ينأ عنى ويبعد
يلوم وما ادرى علام يلومنى
كما لامنى فى لحى قرط بن معبد
وأيأسنى من كل خير طلبته
كأنا وضعناه الى رمس ملحد
على غير ذنب قلته غير اننى
نشدت فلم اغفل حمولة مفيد
ولقد أتى فى معلقته على كثير من الاحوال والأوصاف فقد وصف أطلال محبوبته خولة بايجاز بعكس غيره من الشعراء الجاهليين ممن كان يسهب فى ذلك ولا يكتفى بإوقوف والتحسر بل يطنب فى ذلك ثم انتقل بعد ذلك الى وصف نياق الظعائن ، حيث يقول فى تشبيه بديع رائع :
كأن حدوج المالكية عدوة .
خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية او من سفين ابن يامن
يجور بها الملاح طورا ويهتدى
يشق حباب الماء حيزومها بها
كما قسم الترب المفايل باليد
ولم ينس ناقته التى ساعدته على نيل مقاصده وتحقيق مآربه فقد أسهب فى وصفها وسرعة سيرها وخفة حركتها بحسه وعقله
اذ وصفها بثلاثين بيتا ، منها على سبيل المثال :
واني لأمضى الهم عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدى
أمون كالواح الاران نصاتها
على لاحب كانه ظهر برجد
جمالية وجناء تردى كأنها
وظيفا وظيفا فوق مود معبد
كما وصف نفسه بالجود والسخاء الى جانب وصفه لمجلس لهوه مع ندمائه وكذا معاتبة ابن عمه مالك ، ويمضى متدفقا فى معلقته ويجئ فيها على توضيح رأيه فى الحياة ثم ينتهى الى نهاية كل حى وهو الموت فيقف بعد ذلك ويعلم ابنة أخيه معبد ، كيف ترثيه وتندبه بما هو لائق به من القول حيث يقول :
إذا مت فانعينى بما انا أهله .
وشقى على ، الجيب يا ابنة معبد .
ولا تجعلينى كامرئ ليس همه .
كهمى ولا يغنى غنائى ومشهدى
بطئ عن الجلى سريع الى الخنا
ذلول باجماع الرجال ملهد
ويختتم معلقته بابيات تنطوى على الحكمة
لا تزال مضرب الامثال وتزخر بالحكمة
والقول السديد . .
(الرياض)
- الحديث موصول -

