الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مجلة "الفكر" وأثرها في الادب التونسي، والفكر العربي

Share

إن مجلة "الفكر" هى المرآة التى عكست بصدق الصورة الحقيقية للفكر والادب فى تونس طوال ثلاثين عاما .. وهذا الفكر التونسى الاصيل يدور حول ثلاثة محاور هى : الوطن واللغة العربية والدين ، أى أنه فكر عربى اسلامى استطاع أن يبلوره الاستاذ محمد مزالى فى كتاباته بهذه المجلة والتى كانت نواة لمؤلفاته كما عبر عنه أيضا الاستاذ البشير بن سلامه ...

وهكذا كانت وما زالت مجلة " الفكر " تجسيدا للفكر التونسى المخلص الذى يبغى تقدم تونس والعالم العربى واقامة حضارة عربية اسلامية جديدة لا أن نظل مجرد كم مهمل نكتفة بالاستهلاك المادى والحضارى ونكتفى باستيراد أجهزة الغرب وأفكاره وسلعه واهمين أننا بذلك نبنى حضارة وفة الحقيقة أن ذلك الاستيراد والاستهلاك هو مجرد تكديس لمنتجات حضارة أخرى وليس بناء حضاريا لان البناء الحضارى يستلزم البدء ببناء الانسان حضاريا من الداخل بواسطة الدين والثقافة . وذلك على حد تعبير المفكر الجزائرى " مالك بن نبى " .. وليس معنى ذلك ألا نستفيد من الغرب الذى يملك العلم ولكن ليس بالعلم فقط نبنى حضارتنا والا وقعنا فى الطريق المسدود الذى انتهى بالغرب الى شبح الحرب الذرية وهذا ما أكده الاستاذ البشير بن سلامه فى مقالاته بمجلة " الفكر " وهنا يطرح الاستاذ محمد مزالى الحل الحضارى لأزمة تونس وبلاد العرب والمسلمين بل وأزمة العالم الغربى الذى وقع فى هوة المادية وذلك من خلال شرحه لفكرة التونسة وفكرة حوار الحضارات .. أما فكرة التونسة التى طرحها بمجلة " الفكر " وفى كل مؤلفاته فيعنى بها مناهضة الفرنسية التى أرادت خلع الشعب التونسى من أصوله وجذوره ، وبذلك فان التونسة تعنى تثبيت هذه الاصول والجذور 49                                                                      401

العربية الاسلامية ، ومن هنا جاء تشجيع مجلة " الفكر " لنشر الانتاج الادبى التونسى كوسيلة للنهوض باللغة العربية التى عانت الكثير بين ابناء تونس والمغرب العربى بوجه عام أما .. فكرة حوار الحضارات فقد نادى بها الاستا محمد مزالى قبل المفكر " جارودى " بسنوات طويلة لان جارودى كتب كتابا بهذا العنوان عام 1977 بينما يدعو مفكرنا الى حوار الحضارات منذ مقالاته الاولى بمجلة الفكر " ومنذ مؤلفاته الاولى بداية من " الديمقراطية " عام 1955 ثم من " وحي الفكر " عام 1968 ثم " وجهات نظر " عام 1975 حتى " دروب الفكر " عام 1979 .. ولكننا قد تعودنا أن لا نصفق للفكرة الا ادا جاءتنا من الغرب والا اذا كانت مكتوبة بلغة أوربية ... وإن خلاصه ما ردده فى مجلة " الفكر " الاستاذ محمد مزالى ، عن حوار الحضارات هو أنه اذا كانت أوربا تملك العلم فنحن نملك الدين ويمكن بهما معا اقامة حضارة عربية اسلامية جديدة ، العالم فى أشد الحاحة اليها الآن . . ولذلك يجب أن لا نظل عالة على الغرب نجتر فتات المائدة الفكرية الاوربية ونكتفى بالحلول الجاهزة المستوردة وانما نعطى للعالم مثلما نأخذ ، ولذلك حرص الاستاذ محمد مزالى على تشجيع وابراز الادب التونسى على صفحات مجلة " الفكر " لانه بمثابة العطاء الحضارى لتونس ...

كما يرى مفكرنا أيضا أن إحياء الحضارة الاسلامية وقيمها الروحية هو الحل ليس فقط لمشكلاتنا فى تونس أو العالم العربى الاسلامى وانما للعالم ككل بما فيه الغرب الذى تنهار حضارته الآن تحت وطأة الماديه والعلم الذى انتهى إلى تهديد العالم بالفناء الذرى ، ولذلك يشبه "جارودى" هذا العلم وهذه التكنولوجيا الضخمة بأنها مثل عملاق فى يد قوم ، ونحن نقول إنه علم بلا دين أى علم بلا أخلاقيات وهذا هو ما حدث تماما فى الحضارات القديمة التى انهارت أيام ثمود وعاد وفرعون ذى الاوتاد الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد كما تحدثنا بذلك سورة الفجر فى القرآن الكريم لانها كلها كانت حضارات بلا اخلاقيات او ضمير وما عرفت غير الفن فقط فبرعوا فى بناء الاهرامات والمعابد والقصور المنحوتة فى الجبال ، تماما مثل الحضارة الغربية الآن التى لا تعرف الا العلم فقط بلا ضمير أو أخلاقيات اللهم الا أخلاق "المنفعة"  عند "نبتام" وأخلاق "الفائدة العملية" عند براجماتية "وليم جيمس" .. حتى أن الشاعر "ن. س. إليوت" وصف أوربا بأنها "الأرض الخراب" ووصف أهلها بأنهم "الرجال المجوفون" واتخذ من هاتين العبارتين عنوانا لأشهر قصيدتين له .. كما يقول " سارتر " أيضا فى كتابه                                                  50                                        402

" ما الأدب " : " إن أوربا هي الرجل المريض " بل إنب " شبنجلر " قد ألف كتابا كاملا عنوانه " سقوط الغرب " كما نجد " أرنولد توينبى " فى كتابه " دراسة التاريخ " يقول : " إن حال العالم الغربى الآن يشبه حال الدولة الرومانية فى إبان نهايتها كما وصفها " جيبون " فى كتابه " سقوط الامبراطورية الرومانية " .. ويقول " أرنولد توينبى " : إن التاريخ يسير فى شكل لولبي أى على هيئة قفزات لا على شكل دائرة بحيث يكرر نفسه وإنما يسير حتى نقطة معينة عندها تحدث قفزة حضارية وإن العالم الآن بحاجة الى ديانة تنقذه مثلما فعلت المسيحية فى نهاية الدولة الرومانية .. وهنا يضيف "كولن ويلسون" فى كتابه "اللامنتمى" وفى كتابه " الجنس والشبات المثقف " : ان المسيحية لم تعد قادرة على أداء هذا الدور وإن العالم الآن بحاجة الى ديانة أخرى . ونحن نقول هنا تظهر أهمية الاسلام الآن ليكون الدين هو الضمير الذى يوجه العلم الى الخير وهذا هو دور العالم العربى والاسلامى لبناء حضارة جديدة يدعو لها ويخطط أسسها الاستاذ محمد مزالى حين يقول : إن التنمية الاقتصادية وحدها لا تكفى بل لا بد من التنمية الروحية أى لا بد من بناء الانسان قبل بناء المصانع ، وذلك على عكس ما هو شائع فى دولنا النامية لانه " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ..

فالدين والفكر والثقافة تنمى فى الانسان مشاعر الجمال والخير وبدونهما يتحول الانسان الى حيوان مدمر ، وهذا الحيوان المدمر هو الذي دمر مبنى منظمة التحرير الفلسطينية فى تونس بأحدث أساليب العلم والتكنلوجيا الغريبة لانه علم بلا ضمير وتكنلوجيا بلا أخلاق .. ومن الامثلة الدالة على ذلك أيضا ما سمعناه عن انهيار بعض العمارات الحديثة فى احدى العواصم العربية فالعمارة بناء مادى والمهندس الذي يغش فى بنائها انما يطبق العلم فى غيبة من الضمير إنه إنسان منهار من الداخل ليس لديه مشاعر الجمال والخير ولذلك فان العمارة تنهار وكذلك كل ما نشيده من بناءات مادية يمكن أن ينهار اذا لم يسانده بناء روحى وفكرى داخل الانسان العربى يجعله يشعر بالانتماء ويشعر بأحاسيس الخبر والجمال .. وهنا تظهر أهمية الدين والادب والثقافة ، وهذا كله ما أوضحه الاستاذ محمد مزالى والاستاذ البشير بن سلامه فى كتبهما وقبل ذلك في مقالاتهما بمجلة " الفكر " فهما يشتركان معا فى النظرة التكاملية لقضايانا واعنى بالتكاملية نقيض الاحادية والفقطية التى يعانى منها الفكر الاسلامى منذ الخلافات القديمة لعلماء الكلام وفرق الشيعة والخوارج والاشاعرة والمعتزلة واعتقاد كل فريق انه هو فقط الصحيح مما جر على عالمنا 51                                                             403

العربى والاسلامى الويلات حتى الآن .. ومن هنا جاءت النظرة التكاملية كحل لهذه التناقضات زز ففكرة التونسة مثلا تعنى الأصالة والمعاصرة معا من أجل خلق فكر تونسى جديد وهنا تتضح التكاملية التى نراها تتضح أيضا فى فكرة حوار الحضارات لانها تجمع العلم والدين معا من أجل خلق حضارة عربية اسلامية جديدة .. فنحن اذا كنا نعانى فى العالم العربى من أزمة فكر فان العالم الغربي يعانى من فكر الازمة وفرق كبير بين هذا وذاك .. أما فكر الأزمة فهو الانتاج الفكرى الذى يعكس الاحساس بالأزمه الحضارية لانهيار الغرب والذى تجلى بعد الحرب العالمية الاولى وما تبعها من انهيار فى القيم وبالتالى قيم الشكل الفنى فظهرت موجات اللامعقول فى المسرح والسيريالية فى الرسم واللارواية فى الادب والوجودية فى الفلسفة فكل هذا هو ما اسميه بفكلا الأزمة لانه يعكس اليأس والتشاؤم والاحباط والعبث أى يكس أزمة الحضارة الغربية التى أفلست والتى تنهار على حد تعبير جارودى ..

أما في بلادنا العربية فنحن نعانى من أزمة فكر أى نعانى من الحيرة والتخبط وعدم وجود فكر واضح ، أى فقدان الفكر وفقدان الهدف وفقدان الحل باستثناء بعض المحاولات الفردية التى قام بها بعض المفكرين فى بلادنا مثل الافغانى وخير الدين التونسى ومحمد عبده والكواكبى وشكيب أرسلان وغيرهم منذ نهاية القرن التاسع عشر ثم أخيرا الاستاذ محمد مزالى والاستاد البشير بن سلامه فى محاولتها تخطى ما نعانيه من أزمة فكر باحياء الفكر العربى الاسلامى والبحث عن حل والبحث عن هدف أى التخطيط لمشروع حضارى جديد من أجل مستقبل تونس والامة العربية الاسلامية فى ظل وحدة لها مفهوم  تكاملى جديد لا المفهوم الاحادى القديم الذى تفرض فيه دوله واحدة أو زعيم واحد سيطرته على الكل وانما على حد تعبير الاستاذ البشير بن سلامة نكون " أممها فى أمة لا أمة فى أمم " وهذا المفهوم الجديد للوحدة وللحضارة قد تردد من خلال مجلة " الفكر " التى اهتمت أيضا بنشر الادب والانتاج الفكرى فى تونس حتى أنها قد أبرزت وشجعت جيلا كاملا من الشعراء والقصاصين والنقاد الذين لا يححبهم عن العالمية سوى حاجز اللغة ، فاللغة العربيه للاسف ليست لغة "عالمية" لانها لغة المغلوب على حد تعبير " ابن خلدون " بينما يخبرنا ابن حزم أن اللغة العربية فى أيامه كان يسعى شباب الاندلس لتعلمها كدليل على التحضير والرقى لانها كانت آنذاك تمثل حضارة الغالب .. ولذلك فان مجلة "الفكر" تحاول بتشجيعها للانتاج الادبى العربى استعادة مجد اللغة العربية باستعادة حضارة العرب ولن يكون ذلك الا بتخطى التحديات التى

تواجه امتنا مثل وجود الفقر والجهل والمرض واسرائيل والعقد الفكرية المترسبة منذ عصور التخلف التركى المملوكى والاحتلال الغربى .. وهذه التحديات الاقتصادية والسياسية والفكرية قد حللها لنا مؤسس مجلة "الفكر" على صفحاتها ثم فى مؤلفاته ..

ومما يذكر لمجلة " الفكر " انها لم تحجر على فكر دون آخر ولم تفرض على القراء فكرا معينا وانما آمنت بالانفتاح الفكرى وشجعت كل الآراء وكل انتاج أدبى بشرط الجودة وهذا ما أعلنه وطبقه بالفعل الاستاذ محمد مزالى لان فكره وسلوكه وحدة متناسقة لا يسب بعضها بعضا ولا يتعارك أو يتناقض أحدهما مع الآخر .. وربما كان سبب ذلك أيضا هو أن تونس بطبيعتها هى بلد التسامح والانفتاح الفكرى والحضارى ففيها تلاقت الحضارات الفينيقية والرومانية والاسلامية ...

واذا كانت الدعامة الاستقطابية التى تجمع حولها الطاقات الخلاقة فتبلورها وتبرزها الى القراء هي المجلات فان الاستاذ البشير بن سلامه يشرح لنا ذلك فى كتابه " قضايا " ويبين لنا أنه فى الثلاثينات ظهر الشابى وسعيد أبو بكر والحليوى وكانت الدعامة الاستقطابية آنذاك هى مجلة " العالم الادبى " أما الاربعينات فظهر فيها أدب الدوعاجى والمسعدى وكانت مجلة " المباحث " هى الدعامة لهما أما في الخمسينات وحتى الآن فان مجلة " الفكر " هى الدعامة لكل الادباء التونسيين المعاصرين مثل : البشير خريف ومصطفى خريف والميدانى بن صالح والدكتور نور الدين صمود والصادق شرف ويوسف ورزوفه ورشيد الذوادى والطاهر فيفه والعروسى المطوى ومحمد المرزوقى وعبد العزيز قاسم وأحمد المختار جنات وأبو القاسم كرو وأحمد خالد وصالح الجابرى وجعفر ماجد وعز الدين المدنى وغيرهم كثير وكثير ممن يفخر بهم الادب العربي وكان لمجلة " الفكر " أثر كبير فى تعريف العالم العربي بانتاجهم واتجاهاتهم ..

كانت هذه لمحة سريعة عن أثر مجلة " الفكر " فى الادب التونسى والفكر العربى الحديث وذلك بتنشيطها لحركة أدبية كاملة وبايجادها لفكر عربى جديد يبلور مشروع حضارة جديدة يتخطى بها عالمنا العربى والاسلامى ما يعانيه من أزمة فكر ...

اشترك في نشرتنا البريدية