الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

محمد الحبيب رائدا

Share

- نشاطه الصحفى :

لقد كان لمحمد الحسب الى جانب هذا النشاط الثقافي والفني نشاط صحفى صلى كان بنشر في الكثير من الصحف والمجلات التونسية والشرقية تذكر منها على سبل المثال جرائد : لسان الشعب والنهضة والصباح والعمل

ومجلات : البدر ، والثريا ، والندوة ، والمسرح فى عهديها ، والمسرح والسنما وال القضاء والتشريع ، والحياة الثقافية ، والمعرفة ) سوريا ( . . . الخ ، أو بالاشراف والمشاركة في التحرير ، وهذا يهم خاصة صحيفة لسان الشعب ومحلة البدر ، وصحيفة النسناس ، ولسان العرب ، ومجلة المسرح التى اصدرتها جمعية قدماء مدرسة التمثيل العربى فى جانفى 1959 .

أما صحيفة لسان الشعب فقد باشر التحرير فيها بسعى من صاحبها البشير الخنفى ، وكان ذلك منذ صدورها سنة 2091 بعد اطلاق الحرية الصحفية بالبلاد . وقد ظلت هذه الجريدة الاخبارية الادبية تصدر كل يوم ثلاثاء أو اربعاء إلى سنة 1937 دون اعتبار فترات تعطلت فيها .

أما مجلة البدر فان اشرافه عليها جاء من انتمائه الى جمعية " الجامعة الزيتونية " التى مر ذكرها . ذلك ان مؤسسيها لم يكتفوا بالنشاط ضمن هذه الجمعية ، وانما أرادوا أن تكون لهم مجلة تعبر عن آرائهم ، وتبرز للعموم نشاطهم . و لما يئسوا من التحصيل على رخصة اصدار مجلة تسلموا فى مستهل سنة 1340 ه / 1921 م مجلة من صاحب امتيازها ) محمد العربى المشيرفى ( تسمى مجلة البدر وجعلوها مجلة جمعيتهم . فكان الشيخ مناشو المشرف عليها وتلمذه محمد الحبيب مديرها ، وسارت على منهج بحث علمى راق ، ودراسة تاريخية وأدبية عميقة تسودهما الروح الدينية والاسلوب العلمي " ) 24 ( . .

وظلت هذه المجلة الادبية تصدر عن مطبعة النهضة الى سنة 2391 أى انها عاشت في ظل الجامعة الزيتونية حوالى السنتين ، بينما أصدر منها صاحبها الاول عددا واحدا فى سنة 1919 اعتبر وحده المجلد الاول للمجلة كما جاء فى افتتاحية الجزء الاول من المجلد الثاني بتاريخ منتصف محرم من سنة 1340 ه وكان محمد الحبيب طوال فترتها الثانية يكتب فيها دون ان يذكر اسمه وان كان احيانا يتخذ اسما مستعارا . . . اما ذكر اسمه مديرا لها فلم يقع الا بالعدد الخامس من المجلد الثانى الصادر فى منتصف جمادى الاول من سنة 1340 ه ) 25 (

وكانت مساهمته الصحفية الثالثة فى صحيفة النسناس التى أصدرها محمد المختار سعادة فى 1936 . وهي جريدة فكاهية أدبية أسبوعية كان محمد الحبيب على ما ذكر الحبيب شيبوب فى حفل الاربعينية يحررها من الالف الى الياء أحيانا مخصصا قسما هاما منها للنشاط المسرحى ، وبخاصة نشاط جمعية الاتحاد المسرحى

اما عمله فى صحيفة لسان العرب التى صدرت في أواخر جانفى 1947 بامتياز عبد العزيز الشابى ومعاونة الطيب الميلادى المحامى فيتمثل فى رئاسة تحريرها . وكانت هذه الصحيفة تعتنى بشؤون الادب والاخبار السياسية الى سنة احتجابها فى 1948

وفي شهر جانفى من سنة 1959 صدرت مجلة المسرح عن جمعية قدماء مدرسية التمثيل العربى بادارة محمد الطاهر بن حميدة ورئاسة محمد الحبيب لتحريرها . وقد ظل على هذه الصفة الى حين توقفها فى سنة 1962 بالرغم من اسناد ادارتها الى محمد رشيد فارة بداية من العدد الرابع لسنة 1960 ، وكان محمد الحبيب الى جانب رئاسة التحرير يكتب للمجلة دراسات تتعلق بالموسيقى والمسرح ، ولا يكاد يخلو عدد منها لا يحتوى على دراسة بقلمه ، أو خبر عن نشاطه الفنى والثقافى

- محمد الحبيب رائدا قصصيا :

لا نزاع لدى الباحثين فى الادب القصصى بتونس ان محمد الحبيب يعتبر فى هذا الفن من رواده الاولين ، وبالرغم من أننا لا نملك اليوم كل ما انتج فيه فان ما وصلنا منه يعطينا صورة عن نوعية مساهمته . ذلك أن أبرز ما هو معروف لدينا من انتاجه القصصى روايتاه بسالة تركية ، ووطنية الاتراك

اللتين تندرجان فى الفن الحربى الملحمى ودوافع كتابة محمد الحبيب فى هذا الاتجاه تعود أصلا الى الظروف التى كانت تعيشها تركيا فى ذلك الزمان بسبب حروبها مع الشعوب التى كانت تسيطر عليها . ولا شك فى ان عواطف محمد الحبيب العثمانية باعتباره تركى الاصل ، أو باعتباره تونسيا مسلما لبلده تونس روابط مع الخلافة العثمانية هي التى كانت تحدو بمحمد الحبيب للكتابة فى هذا الموضوع . وللتدليل على ذلك نذكر ان سنة 1922 التى كتبت فيها بسالة تركية كانت هى نفس السنة التى كون فيها احمد توفيق المدنى لجنة الخلافة الاسلامية ) 26 ( بغاية الدفاع عن منصب الخلافة ضد التيار المناصر لالغائها ، كما تذكر ان محمد الحبيب كان قد زار قبل ذلك بقليل دار الخلافة الاسلامية الامر الذى سيمكنه من تصور الحياة التركية وافراغها فى روايتيه مما جعله يضفى على عمليه طابعا واقعيا أساسه المعاينة الدقيقة لا الخيال المحض

ورواية بسالة تركية تتركب من فصول خمسة تضمنها خمس عشرة صفحة من القطع المتوسط ) 27 ( صورت صفحة من وطنية الاتراك وحماستهم كما صورت عفة التركيات وبسالتهن

وخلاصتها ان فتاة تركية بارعة الحسن والجمال كما هو الشأن فى بطلة كل رواية - كان قد سباها اليونانيون فى حربهم مع تركيا ، وأخذوها الى معسكرها لتقوم فيه بتمريض جرحاهم ، لكنها قتلت جنديا يونانيا حاول اغتصابها فانتقم منها جنود آخرون بقتل والدها الشيخ الهرم وابنيها الصغيرين من أب كان قد مات شهيدا فى احدى الوقائع مع العدو . ثم حملها أولئك الجنود اثناء هجوم تركي على المعسكر الى جنرال يونانى ليتدبر أمرها باعتبارها هي مجلبة المصائب التى حلت بالمعسكر اليونانى ، فوقعت من نفسه موقعا حسنا ، وعندئذ كف بها ضابطا ليأخذها الى خيمته . وحينما حاول الضابط مغازلتها فى الخيمة قتلته هو أيضا . وفي ما كانت تفكر في طريقة للهرب دخل عليها جندى بلباس يونانى تبين لها بعد انه أخوها أرسله الغازى مصطفى كمال الى المعسكر لينسف ما به من ذخيرة . وبعد حوار فى الوطنية وحب التضحية والفداء بين الاخوين قر عزمهما على تنفيذ العملية معا . وكانت النهاية مصرع

الاخت الباسلة بينما أخذ أخوها الى الاعدام ، واذ يتحقق الغازى مصطفى من نجاح العملية يتقدم نحو المعسكر ، ولا يطول وقت حتى يتحقق النصر للاتراك

والقصة تحتوى على بعض الاصول الروائية كالانفعالات أحيانا ، والحوار والتشويق ، لكنها تقع فى السرد الجاف ، والمبالغات فى الاحداث التى تقترن عادة بالمعجزات الخوارق ، والصدف الممجوجة ، وان كان الكاتب حاول أن يضفى عليها طابع الواقعية كما قلنا وذلك بذكره لاسماء الاماكن والاشخاص . الخ أما اللغة فانها جاءت متعثرة وغير متوازنة فى الاداء الى جانب أخطاء كان من الممكن تلافيها بسهولة . ولعل هذا يدل على السرعة التى صاحبت التأليف والطبع كما يدل أيضا على ان محمد الحبيب كان ما يزال يبحث عن أسلوبه لاننا وجدناه فى كتاباته اللاحقة ناضج الاسلوب مكتمل الاداة حتى ليذكرنا فيه بأساليب المجيدين من الكتاب اتقانا وقوة وجزالة .

ومهما كان حكمنا اليوم فى رواية " بسالة تركية " فان معاصريها قد تقبلوها باعجاب شديد واقبال عظيم . وهو ما لم يكن متوقعا عند الكاتب نفسه حسب ما يبدو ، ذلك ان نسخها نفدت خلال سنة من طبعها الامر الذي شجع صاحبنا على كتابة رواية أخرى فى نفس السنة اى فى سنة 1922 بعنوان " وطنية الاتراك " ، بل على ان يعد القراء بأنه سيردف عمليه بأعمال أخرى لاعتقاده " بأن سبك الحوادث فى قالب قصصى ألذ وأشهى للمطالعين من غيره " ) 28 ( .

وموضوع " وطنية الاتراك " هو تصوير الحروب التى كانت للاتراك مع أعدائهم من الارمن الذين اندس بينهم جندى تركى اسمه فوزى بحكم اتقانه للغة الارمنية ، وغايته من ذلك الاستحواذ على خرائط للمعسكر ، هذه الخرائط التى ستكون سببا فى دحر الاتراك لعدوهم والانتصار عليه . ويتعلق الكاتب فى النهاية بأسلوب خطاب حماسى تردد فى ثنايا الرواية بقوله :

" وهذا مثل نضربه للناس . وما فوزى الا كل جندى ملى . وما صنيعه الا الصنيع الشائع بين أولئك البواسل الذين سجلوا بمداد أحمر استمدوه من دمائهم الفخر لتركيا الملية . فعاشت وطنية الاتراك . . عاشت . . " ) 29 (

والظاهر ان محمد الحبيب قد اقلع عن الكتابة فى هذا الموضوع بالرغم من

وعده بالكتابة فيه كما رأينا ، لان النجاح الذى تحقق فى بسالة تركية لم بتكرر في وطنية الاتراك بسبب " ما بدأ فى أسلوبها " ومضمونها من عجلة واضحة ، وضعف بناء " ) 30 ( ، او لطريقته التى كتب بها قصصه ، والتى نعتها فى روايته الثانية بأنه كان " متحاشيا الاسلوب المتبع فى كتابة القصص من الغرام والتشبيب وما شاكله لتكون قصتى ألذ ما يطالعة الرجل ، وألطف ما يؤانس ربات الحجال في خدورهن وأشهى كتيب يجمع بين الفكاهة والتربية لابناء اليوم ورجال المستقبل " ) 31 (

ولم يقتصر نشاط محمد الحبيب القصصى على التأليف والوضع ، فقد وجدناه يترجم أو يلخص عن الفرنسية أقصوصة أتته لسعادة على قدر ( 32 التى نشرها فى كتاب واحد مع بسالة تركية ناعتا اياها بالرواية . وهذا يدل على ان التفريق بين المصطلحات والخصائص الفنية للاشكال القصصية لم يجد طريقه بعد الى التونسيين فى تلك الفترة .

ويبدو ان هناك أعمالا قصصية اخرى لمحمد الحبيب سبقت هذه الآثار الثلاثة . ذلك ان محمد بن الاصفر ، وهو من زملائه ، نقل عنه ان له محاولات اخرى سابقة تاريخيا على قصة بسالة تركية ) 33 ( . واذا تحقق هذا الخبر فان الباحثين سيغيرون من نظرتهم لاوليات القصة التونسية اولا ، ولمحمد الحبيب الذي رأيناه فى ما سلف من قصصه بعيدا عن مجتمعه التونسي ثانيا وعندئذ يصح ما قيل فيه ان محمد الحبيب قد بذل جهدا فى سبيل الخروج بالقصة التونسية من الارشاد الى مجال الفعل ، ومن الوعظ الى البيئة الداخلية ومشاكلها فى تونس ايام العشرينات " ) 34 ( ، كما اننا سنكتشف دوافع اتجاهه الى هذا الفن : فهل هو الدافع التجارى كما يلمح الى ذلك محمد صالح الجابرى ، او هو الدافع الصحفى بحكم تحمله لمسؤوليات صحفية ، أو هو دافع القيام بشئ ما فى سبيل تركيز أدب تونسى ، أو هى كل تلك الدوافع مجتمعة

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية