1 - استنادا الى قانون السببية التاريخية ( 1) ، تكون نزعة التجديد فى الشعر التونسى الحديث ، على اختلاف الادوار التى مرت بها ، منذ تباشير نشأتها المبكرة ، حتى مستقرها الراهن ، فما يمكن ان ينالها من اطوار تكون ، كسائر النزعات التجديدية الاخرى : وليدة خلجات شعورية خفية انتابت الثاقبين من رواد الاصالة الاوائل ، فى المراحل الحاسمة من حياتهم الثقافية النشيطة ، او التى ترد هذه فى اثرها مباشرة ، بما تتمخض عنه حياتهم الخصبة من احساس غامض ، او بصير ، بهبوط مستوى التجارب المتبعة فى مقوم او اكثر من مقومات تحققها ، او انحدار ما يستعمل اداة تفكير وتعبير عن الحياة الداخلية الجياشة بالرؤى ، واغراقها فى الاسفاف ، فالافلاس مما هو أساسى فى طرفى التجربة الفنية :
أ - الشعر كفن جميل ، منبعه الفطرة ، وعصبه : الحدس البازغ ، وروحه العاطفة المتأججة وسماده : الزاد المنعش ، وحياته : الابتكار والخلق ، فان لم بتفرأ فلا اقل من القصد والمحاولة . .
ب - الشاعر كفني موهوب ، ومثقف عميق ، وحساس ذكي . .
ثم لا يبعد ان تستيقظ هذه القلة وسط المستنقع الآسن ، وقد غمرها بأوحاله ، وهي فى مرحلة التمرس والمتابعة ، ولما تكشفت بعد ذواتها ، ولا ما نهدف اليه من تطلع للاستقلال والوعى ، ولا ادركت المزالق التى جرت السواد الاعظم من شعراء عصرها فى قرض الشعر : موضوعات ، ومعانى ، صيغا وطرق عرض ، اساليب تأدية ، وصنوف تناول وتبليغ
فاذا الاداة المستظرففة تسفر للفئة الصاحية عن : حطام استعمالات مندالة ، فقدت قدرتها على التكيف مع الفيض الزاخر فيما تدعو اليه حاجة الملهم الاصيل ، من : متنفس غصن ، يتحرك نشيطا بحركة الوجدان الحساس فى غيبوي التنزل ، وغمرات الفيض ، او حين ينعطف على مقدراته للتأمل والانصات حال انكفاء الخواطر والمدارك فى هداة التجميع والتخزين
2 - وتاخذ هاتيك الخلجات العابرة الغامضة بالتزايد والتكثف ، فاذا هي أزمات وجدانية مثيرة ، او شبه ازمات ، تتجدد كلما ارتبطت التجارب الشعورية بمواقف ترد الشاعر الى ذاته للاستمداد من شجونها مباشرة ، وغير مباشرة وصرف الهدير المهتزم فى اسلاك من الصيغ الفنية الموصلة للتيار المكهرب كى يكون لهاحظ من لون الخويصة الخاصة بما نفذ اليها من جوابى المحيط القريب والبعيد اثناء عمليات : غوص ، وانعكاس ، واستمداد ، وتحويل نمد الانتاج الادبى بعنصرى الابتكار والطرافة ما تنعقد به هيولى الشعر : عطاء نابضا بالحياة ، دافقا بالصدق ، حريا بالعدوى المغرية ، والذيوع الواسع
3- ومع الزمن تشتد ازمات التأفف ، وتتعدد ، وقد تتنوع ، لتصبح نساؤلات ملحة ، ثم مزمنة ، تشد النابغ الى انتاج عصره يستنطقه سر تحفظه هو ازاء ما يتهافت عليه مجايلوه ، او كثرتهم ، بشكل او بآخر
وحتى يجتاز التساؤل مرحلة الاعتلاج الوجدانى المبهم ، فالبين ، ليصبح قضية مطروحة على محك الدرس تتطلب الحل الناجع ، يكون منزع الانحسار عن طريقة العصر البالية قد استبد بشتى القوى الذهنية والشعورية فى نطلعها المستمر لوجهة جديدة ، او ملامح وجهة قبل ان تستبين حدودها ، وفي نشدانها الملح نهجا جديدا ، او بعض نهج ، الى ان يتم اشتقاقهما : نهجا ووجهة جديدين يرويان ضمأ الفتيل من الزيت الشفيف
4 - ورتضاعف هذا الاحساس من العزوف المتراكم عن الوتيرةالمتهالكة ، بقدر ما ينكشف لبصيرة الاديب من قبح الاجترار الغبى الى ان تغدو القطيعة بين المثقف اليقظ ، وبضاعة الضياع : كراهية مستحكمة .
وعندئذ يكون المجدد قد قطع الشوط الذى يمتحن فيه النبوغ ، ومدى قدرته على تخطى الاوعار للمضى من مرحلة الهدم الى مرحلة بناء راسخ تنشط لانجازها الشخصية الواضحة من منطلق حى يتفق مع مؤهلاتها الضليعة ، ان لم يقف بها الحد في منتصف الرحلة لاهثة قبل الظفر بالضالة المثلى
يحدث التحول الجذرى حين يكون الداعية نفسه فى عداد من ينعكس عليه الشعاع الكاشف بقدرة من يصيب من المهارة فى قرض الشعر نصيبا موفورا .
فان كان مجرد متذوق خبير غدا تبشيره بالتجديد ضربا من الهز الهادف للتبصير السادرين فى الغفلة والتقليد كى يضطلعوا بالدور الفعال فى تخليص
التجارب ، كلا ، او بعضا - من اثقال الجمود ، فالانطلاق فى اثر الاثارة الخافة للقبض على تلابب ايحاءاتها السابحة وردها الي منتج من منتجات الحياة الفاضة ، او الى عمق من اغوار الوجود الغزيرة
ويحسب اقتدار الشخصية الجامحة عن التبعية ، وتمكنها من تلقى الشعاع المتوهج بلا عشارة ، ومواجهة الغيض بدون وسائط رهبنة زائفة للتملى من جمال الكون ، وجلال الحق فيما تفور به الذات المطمئنة من بث دافق ، ويزخر بة الوجود من تجل مشرق ، تكون - هذه الشخصية - فى اعتصامها بعنصر الثبات الذاتي ، اكسير الديمومة ، تتحدى الججعة الرحوية الملول ، حيث تجمد الحياة حول القطب الشائخ ، او يتحرك الجامد حركة الظل الابله ، وتثبت كالطود فى وجه النسيان ما يكسب الشعر رهان شوط خطير للانطلاق فى افق ارحب من عالمي الغيب والشهادة .
هكذا تنتقل المحاولة بين مظاهر شتى فى الخروج على المألوف ، وتتحقق - فى البدء - تحققا جزئيا لا يكاد يبين ، ثم تزداد النسب بتفاوت المؤهلات ، وتتمايز الخطى بين التؤدة والارقال على قدر الطوق . . الى ان تستوفى نضوجها المحتوم في مواهب انصارها . . ثم يكون لها من جهود روادها ومريديها : كيان ممهور
على شبه تلك الوتيرة ، قامت حركة التجديد فى الشعر التونسي الحديث ، فكان لها من موطنها الخصب ، فى تونس الخضراء ، التربة المبكار ، ما انبت البذرة الصالحة في الربوع المتجلية بالجمال : أزاهير متفتحة من محاولات التحديد ، لا ندعي انها بلغت - فى طورها الراهن - قمة الكمال ، بقدر ما خلصت من ارتباك المحاولة ، وتخطت ضعف الطفولة ، فاستوت سوقها على مكين من الحذور الضاربة فى عمق : قرون ثلاثة ، قطعتها الغرسة فى نشدان الاصالة ، والكرع من نمير العيون
في اعقاب المحنة الكبرى التى منيت بها السيادة التونسية ، بعيد الغزو الاسباني الذي اجتاح تونس - افيما بين سنتى : 942 ه ( 1535 م )و 981 ه (1573 م )انحدرت الثقافة فيها الى طور الغروب
اذ كانت وطأة هذا الاحتلال عنيفة على مصير الثقافة ، عنفها على الحياتين السياسية والاجتماعية ، وجاء غلو الغزاة فى العبث بالمعالم الثقافية ، وكنوزها ، كغلوهم فى العبث بالارزاق والارواح ، وبمثل ما نهبوا المدن ، والاسواق والدور ، واستباحوا الرقاب والمحارم ، انتهكوا بيوت العلم ، وداسوا هياكل المعرفة ، وانتهى بهم الجهل ، والجهالة الى اهدار آلاف المجلدات فى الطرق العامة ، ترفسها سنابك الخيل ، وتفريها نعال المشاة ، ولم يكن بوسع اى مواطن فى حكم مستبدل ، اتخذ من الجهل قاعدتى حياة وحكم طيلة القرون المظلمة التى مرت بها اوروبا - لم يكن بوسعه انذاك - ان يتجنب في طريقه
الحرف المقدس فى شرعة المجتمع المكبوت من كثرة ما القى من الاسفار ، ولا فى اقتداره ان ينقذ الكلمة الحرام ، لان عدو المعرفة كان وراء كل بادرة انقاذ يرصد صاحبها بالموت العاجل .
ولم تكن هذه الماساة الفكرية اقل وحشية من مأساة الفكر العربى فى المشرق على عهد التتر ، اواسط القرن السابع الهجرى : القرن الثالث عشر الميلادى . ولئن سلم المغرب العربى اذ ذاك من امتداد الزحف المغولى ، مما وفى المعرفة فى بلدانه ، فظلت فى اوج تألقها بتونس على ايام خيرة العهد الحفصى ، فان ما اصابها من ضراوة الحضور الاسبانى يصح ان يكون فى قبالة : عصر الانحطاط الادبى فى الشرق العربى الذى اصطلح على اعتبار سقوط بغداد - فى يد (( هلاكو )) سنة 656 ه : 1258 م - بداية له .
وحرى بى ان اشير هنا الى : ان مؤرخى الادب العربى يطلقون على الدور المغولى : عصر الانحطاط الادبى اطلاقا معمما ، بينما الفترة نفسها فى تاريخ الادب العربى فى تونس تعد من المع فترات ازدهاره ، وهى لم تاخذ بالتراجع الا بانهزام الدولة التونسية سياسيا وعسكريا .
ومن ثم تأكد التنصيص على ان اطلاقهم السالف : مخصوص بادب المشرق ، تنصيصا لا يصح اغفاله .
امتدت جراثيم النكبة السياسية الى شريان المعرفة ، تستنزف انباضه ، الى ان هزم فيلق العلم عن آخره ، وطغا الجهل حتى امسبت البلاد لاول عهد الاتراك - سنة 981 ه : 1573 - خالية من ارباب العلم والادب .
(( وعلى اهمية الدور الذى اضطلع به العثمانيون تاريخئذ فى تخليص السيادة الوطنية ، وما بذلوا من جهود مثمرة لاستصلاح الاوضاع السياسية والعمرانية ، فانه لم يخطر على بالهم ان يتوجهوا ببعض الجهد لانقاذ الثقافة المندثرة ، وقد فنى رجالها . . )) ( 2 )
وما ذلك الا (( . . لان الذين قدموا من الاتراك لافريقية - يعنى تونس ، كما كانت تسمى - غير منتظمى التصرف الا القليل منهم ، فلم يقع منهم التفاف لتدارك العلم الذى كاد ان يضمحل فى ذلك العهد . . )) ( 3 )
بل انتهى الامر كما قال المؤرخ الكبير حمودة بن عبد العزيز : (( . . وانقرض منها العلم جملة بعدما كانت مناخ الركاب ، ومحط الرحال ،
وموضع النجعة لطلب جميع العلوم المدونة . ودرس منها الادب فلا تسمع الشاعر كلمة بليغة ، ولا تحفظ لكاتب فقرة بديعة . . )) ( 4 )
(( . . وظل العلم مرتفعا منها بالمرة - كما قدمنا - حتى ورد عليها المولى احمد افندى من ارض الروم لاول المائة الحادية عشرة - ق . 16 م - على عهد عثمان داى ( 5 ) , وكان متفننا فى العلوم فاخذ عنه جماعة من اهلها . .)) ( 6 ) باهتمام بالغ نتوقف عند هذه الحقبة الحاسمة من تاريخ تونس ، وخاصة : تاريخ المعرفة فيها ، كما تتوقف - بنفس العناية - عند اولئك الاوائل من رواد المعرفة الذين جندوا انفسهم لخدمة الثقافة فى بلادهم تلقيا ، ثم بثا . نهتم بتلك الفترة : لانها سبقت بمرحلة اسميها :
مرحلة التحسس الثقافى :
فى هذه المرحلة تبلور الشعور الفردى والجماعى بحاجتيهما الى سد الفراغ الذى خلفه الجهل المطبق ، وعلاج العقم المهيمن على الادمغة والقرائح . ولم تكن الحالة المرضية التى استبدت بضمائر المخلصين الا ضربا من الانسياق الواعى مع الضجر الاجتماعى من كابوس الجدب الفكرى والروحى بما هيأ العطاش للمعرفة ، واضرم اشواقهم حتى كانوا على اهبة النهل عند اول فرصة ، استوعبوا فيها جوانب شتى من فروع الثقافة الاسلامية ، متوسلين لهضمها بعلوم العربية وآدابها .
وهذا يعنى : ان الشعور بالحاجة الى ما يقيم اود الدين من العلماء المتفقهين كان العامل الرئيسى لانبعاث : حركة الاحياء العلمى ، وحركة الاحياء الادبى , تبعا لها .
وواضح ان الثقافتين الدينية والادبية فى المجتمعات الاسلامية التى تتكلم العربية ، تتداخلان تداخلا وثيقا . ومن ثم كان لركود العلم - فيما سبق - ركود مماثل فى الادب ، على ان آذن الازدهار العلمى بضرب من الازدهار الادبى . وبذا نعلل اجتماع العلم الغزير ، والادب العربى ، والادب الرفيع فى شخصية واحدة ، تعددت امثلتها فى تاريخ الفكر الاسلامى ، والادب العربى ، من فقهاء ، ومحدثين ، ومتصوفة ، ومتكلمين . . كانوا الى جانب اختصاصهم فى علوم الشريعة ، او بعض فروعها ، خطباء ، او شعراء ، او نقادا ، او كتابا . . وقد تجمع كل ذلك فى مفرد علم .
