هذه المذكرات لا تجمعها وحدة موضوعية ، ولا يربطها حدث واحد ، بل هي عبر مرت بي فعلمتني أشياء كنت أجهلها ، واطلعتني على كثير من خبايا الأمور وطلاسم الحياة ومنحتنى وعيا بالهدف الذى تسعى اليه ، وايمانا راسخا بأنها وسيلة لا غاية ، فاذا انقلبت لتصبح هى الغاية ، فقد انعدم الوعي بحقيقتها ، وغاب عن الضمير كنهها .
حقيقة يعرفها الجميع اليوم ، ان كل جيل يحمل من الثقافة الدينية ، والشريعة الاسلامية اكثر من الجيل الذي يليه ، وكلما كان الجيل أقرب الى العصر الحديث ، فان الدين ينعدم في نفسه ، ليصبح ثقافة لا رابط لأهميتها في ميدان العمل ، فما هو السبب فى ذلك ؟ ومن الذى خلق هذه السطحية ؟ . . ومن الذى أوهي رباط العمل بالدين بين شبابنا ؟ . .
وانطلاقا من وحي هذه المذكرات ، والسبب الذى أوجدها فى كوني أحد العاملين فى التربية والتعليم لفترة من الزمن ، فسأقصر حديثي على العبء الذى طرحته عوامل كثيرة على كاهل المدرسة
لافساد هذا الجيل ، وكيف أوصلت هذه العوامل المتشابكة شبابنا إلى هذه الحالة . وكيف أن الخطط والدسائس حيكت بكل دقة ، فخفيت على الناس زمنا ، ولكن بالتدرج بالأحداث وتسلسلها ، واندياح الزمن وتسارعه ، كل ذلك كشف كثيرا من كل هذه الخطط والمكايد ، فبانت لمن رزق السمع والبصر الحاد
ان الواقع الذى عاش فيه وطننا منذ مطلع هذا القرن وحتى أواخر العقد الخامس منه ، كان واقعا مرا في تفاصيل كثيرة ، وأمور لا حصر لها ، لقد كانت المعركة التى حمى أوارها ، وتعددت جوانبها ، وتشعبت اتجاهاتها ، موجهة ضد الدين في ذاته وفي المجتمع الذي يعتقده . . فالاستعمار ، والصليبية ، والحضارة المادية الجديدة والثقافة المعاصرة ، والنظم المعاصرة التى عاشت بمختلف أنواعها في بلادنا ، كل هذا لعب الدور الكبير فى خلق هذه السطحية الدينية التى بدأ يعيش فيها جيلنا ، ويعيش فيها الآن بكل تفاصيلها جيل النصف الثانى من هذا القرن .
وسأبدأ بهذه العوامل واحدا واحدا ،
وسيكون حديثي عنها نابعا من كوني عايشت الكثير منها بعمرى القصير وخبراتى الكثيرة ، ولا أظن أن هناك عاملا منها ليس له ذكرى مرة في نفسى ، كذا سيكون الحديث فى اطار بلدى الذى رزئ كغيره بكل هذه المصائب والنكبات .
جاء الاستعمار على الكيفية التى يعرفها الناس الى بلدى وسائر بلاد العرب و الاسلام ، ووضع سياسة كان على رأسها الخطة الماكرة للقضاء على الاسلام
تبين له أن محاربة الدين في نفوس الرجال البالغين ضرب من محاربة طواحين الهواء ، فالعقيدة ان رسخت ، وخاصة الاسلامية ، كان لها من القوة والعزيمة والثبات فى نفس صاحبها ، ما تدرا به أعنف الهجمات وأعقد المخططات ، لذا فقد وجه همه الى النشء الجديد ، الى اللبنات الخام في المجتمع ، فأنشأ مدارس الطفولة الداخلية ليدربهم منذ الصغر على حياة خطط لها ، وبدأت هذه المدارس باستقبال الاطفال من كافة مستويات المجتمع ، ولكنهم خصوا بالرعاية والعناية والاهتمام أبناء الطبقات التى يرجى منها العمل معهم على ما يريدون . وغطوا هذه المدارس بمسحة العلمية والعصرية ، فبينما كانت الكتاتيب التى كانت تنتشر في المدن والقرى تعانى المشاكل من تدني المستوى العلمى لاقتصارها على علوم الدين واللغة ، كانت هذه المدارس تأخذ بجميع فروع المعرفة لاقبال الناس وتحبيبهم بها ، تمهيدا للشرك الذي نصبته هذه المدارس ومروجوها لهم
وأوجب المستعمر تدريس لغته ، منذ البداية ، وفي المناطق التى كان يخشى منها
الثورة على أسلوبه هذا ، كان يقرر كلغة ثانوية اللغة العربية على صورة هزيلة مرة في مدارسه ، وعزلها عن الدين الذى يشكل القاعدة الكبرى لها وللعادات والتقاليد والنظم في مجتمعنا
بحكم كونى ابن مدينة - كما يقول الناس - وبحكم كون والدى متفهما للعلم : حيث كان يعمل آنذاك في دائرة الصحة فقد أراد لى أن أتلقى علوما عصرية ، لأصبح كما كان يحلو له أن يدعونى في صغرى يا حمدى بيه ! ولم يكن آنذاك مدرسة عصرية غير مدرسة المستعمر ، وكان الآباء - على جهلهم بحيل المستعمر - يظنون كل الظن أن المستعمر أفضل منهم في أمور كثيرة ، لأنه أرقى حضارة وعلما ، لذا فان دخول أبنائهم في مدارسه يعتبر على جانب كبير من التقدم والرقي
ادخلني والدى احدى هذه المدارس ، ومن اليوم الاول بدأ الاستاذ يلقننى وسائر الاطفال الكلمات الانكليزية ، وكان ما بين المرة والاخرى يزور المدرسة رجل انكليزى ، يحمل معه فى سيارته الهدايا والالعاب التى يوزعها على الاطفال الذين حفظوا كلمات أكثر من غيرهم من هذه اللغة
بعد مرور سنة تقريبا ، وفي احدى المرات كنت جالسا بجانب والدى في ( ديوان ) العائلة ، أراد والدى أن يفتخر بى أمام جلسائه فطلب منى أن ألقى على سمعتهم الكلمات الانكليزية التى تعلمتها ، ورحت كالهزار أسردها بفرح ، فصفق الحاضرون . ثم طلب منى أن أتلو سورة الفاتحة التى تعلمتها ، فسكت ، وألح على ، فقلت له : لا أعرفها ، فالاستاذ لم يدرسنا
اياها ، فطالبني بغيرها ، ولكن من أين لي بغيرها ؟ وأنا لم أر شيئا من كل ذلك .
وهاج الجالسون ، ولم أدر يومها ما قالوه ، الا اننى سمعت أبي بعد ذلك يقسم يمينا بأنى لن أعود الى تلك المدرسة ولو أصبحت حراثا أو راعيا .
بعد أن يتقدم الاطفال في مدارسهم هذه على منوال الخطة المرسومة ، ينشأ المستعمر المدارس الابتدائية والثانوية ، وفيها يزول سلطان العربية الهزيل رويدا رويدا ، حتى ذا دخل الطالب المدرسة الثانوية انعدمت هذه الدروس تماما وألغيت الحصص المخصصة لها ، وبدأت اللغات الدخيلة تسيطر على كافة مناهج التدريس ، وبدأوا يدرسون للطلاب آداب هذه اللغات وعلومها ويزرعون في عقولهم عصرية هذه اللغات ومسايرتها للتطور ، بحكم كونها لغة أناس متحضرين ، بلغوا نصيبا كبيرا من العلوم والثقافة والمعرفة التى هى من ألزم الامور لصاحبها اذا ما أراد العزة والحياة الرغدة السعيدة
وبعد التخرج يوزعونهم على كافة المصالح والدوائر الرسمية في البلد ، ويضعون في ايديهم مقاليد الامور ، ويسيرونهم من وراء ستار .
لقد جعل الاستعمار من هؤلاء الخبراء والمستشارين لغيرهم ممن لم يتلق تعليمه على أيدى مدارسه ، وممن لم يصطبغ بصبغته ، وأوحوا لهم وضع المناهج والخطط الاقتصادية والاجتماعية والدساتير والقوانين ، وحرصوا على ان يسلموهم البلاد بعد خروجهم منها ، ويربطوهم
بعجلتهم الجهنمية ، كما جعلوا منهم الحزبيين والصحفيين ، واوعزوا لهم بما يريدون ، فترفع الاحزاب والصحف من هذا اذا رأوا فيه خيرا لهم ، وتخفض من ذاك اذا رأوا فيه خطرا عليهم وعلى مصالحهم .
فكنت ترى في البلد عشرات الاحزاب والجماعات ، وعشرات الصحف المأجورة التى يخدم كل منها حزبا او جماعة ، وأوقعوا البلاد في لجة الخلافات الحزبية ، التى الهت الناس عن الواقع المر الذي يعيش فيه البلد ، والهاوية التى يتدلى اليها ، فلا ترى مجلسا أو ناديا الا ومشغول أهله بأخبار الاحزاب والصحف وخلافاتهم
وجلسوا هم من وراء ذلك يديرونه على هواهم ، واثقين من سلامة خططهم وأعمالهم ، فاذا ما رأوا يدا تريد الاصلاح ، ومعولا يريد البناء وهدم الفساد ، أوعزوا الى نتاج مصانعهم من حزبيين وسياسيين وصحفيين ليشنوا عليه حربا لا ترحم ، ولا يتركون وصمة الا وجعلوها من صفاته ، فهورجعي ، يريد السير بالبلاد الى الوراء ، متخاذل يثبط العزائم والهمم ، ولا يكتفى المستعمر بذلك ، فالسجن والتعذيب والنفى والاعدام من أبرز وسائله للقضاء على من يريد ان لم تنفع في اخماده الوسائل السابقة
وهكذا ضاع الدين من نفوس الناس في خضم هذا كله ، وزاغت بصيرة الناس ، فليس لديهم وقت لمثل أموره ، فالحياة الحاضرة تتطلب أشياء جديدة ، وسلوكا جديدا ، ويجب أن يركزوا جهودهم من احل ذلك .

