( الحلقة الثانية )
كانت الجولة التفتيشية الاولى التى أقوم بها على مدارس منطقتى النائية ، أول تجربة لى . ومحك اختبار فى الحياة العملية ، لا سيما والمجال مجال توجيه تربوى ، قدر لى أن أحمل أعباءه الجسام ، وانا راضي النفس سعيد بذلك . بل أرفع رأسى عالية وانتفخ عندما يشير الى ، احد المغفلين من مرؤوسى ، (( بسيادة المفتش ! ))
كان اليوم الاول من ايام هذه الجولة قاسيا ومرا . حتى لكأن الله ، عظمت قدرته ، اراد ان يضعنى فى اختبار عسير . ليرينى فيه وبه قيمة المناصب ، وما يتبجح به المغفلون من القاب ورتب حين يواجهون صراع الطبيعة التى خلقها الله جل وعلا .
فما ان خلفنا المدينة وراءنا ونحن نمتطى سيارة (( اللاندروفر )) ، فى بدء هذه الجولة ، حتى تكاثفت الغيوم ، وأسود اديمها . وابرقت وارعدت ، فشعرت حينها انها القدرة الالهية أرادت أن تنتقم منى ، وتعلمني درسا لا يمكن تناسيه ، وانا لا زلت في بداية الطريق .
هطلت الامطار بغزارة نادرة ، وتحول وجه اليابسة الى بحيرة ، وراحت السيارة وكأنها ابن نوح التائه ، لا يعرف الطريق الى النجاة ، فاخذنا نسترشد ببعض علامات الطريق كالجذوع التى تقف على جانبى الطريق . والاكواخ وابواب المزارع المتناثرة على جانبي
الطريق ايضا ، والتفت السائق نحوى وقال :
- سيدى لا استطيع الوصول الى قرية (( غ )) هذا اليوم فان بيننا وبينها واديا يصعب اجتيازه ما دامت الحال كما ترى .
لم يكن بالامكان الرجوع من حيث اتينا ، ومواصلة السفر خير من الرجوع ، فقلت وقد بدأ الغضب يظهر على ملامح وجهى :
- وأين سنقضى سحابة هذا النهار وهذه الليلة ، لا بد من مواصلة السفر جهد المستطاع . فارتفاع منسوب الماء قليل بحيث لا يعلو كثيرا عن سطح الارض ، ولا يعوق السيارة عن مواصلة الطريق .
صمت السائق المسكين واندفع بسرعة نحو الشمال ، وهو يصر على أسنانه ، وبعد قليل انقطع سيل انسكاب المطر . الا أن الامر لم يتغير على وجه الارض .
وأشرفنا على الوادى . وأخذت أمعن النظر في تيار الماء ، الذى تكاد الحشائش وطحالب الماء تغير من لونه وهو يندفع بقوة نحو الغرب ، وقال السائق دون الالتفات الى :
- هل ترى الماء يا سيدى ؟ وخطرت على بالى فكرة فقلت له باهتمام :
- أوقف السيارة . وانزل فقس عمق الماء فى اسفل الوادى ، وبعدها نقرر ما سنفعله .
أذهن المسكنين ونزل إلى الوادي . ثم رجع وهو يقول :
مستوى الماء يصل حتى الركبة يا سيدى .....
- اذن لا بأس ، لنسر على بركة الله !
وتقدمت السيارة داخل الماء ، وصوت محركاتها يهدر بشدة ، وما عتمت أن توقفت عند متتصف التيار ، ونزل السائق وأشار إلى بالنزول ، فرفضته ، الحلة الجديدة التى أعددتها لمثل هذا ستتلوث بالماء . . بهذا الماء الذي يحمل مع تياره المندفع الاعشاب الآسنة والبعوض الذي عجز عن الانفلات من التيار ، والحذاء ، والجوارب . . ماذا أفعل بكل ذلك . لا لن انزل ، وليتدبر أمره .
وأخيرا قال ، وهو يلوى بشفتيه :
- كما تريد . . على راحتك . . ابق فى السيارة إلى أن ينخفض منسوب الماء ، وأستطيع قيادة السيارة ، وسأذهب الى أكواخ هنالك - وأشار بيده - تبعد عن الوادى نحو كيلو مترين ، وأقضى الليلة عندهم ، لان الماء لن ينخفض قبل مرور هذا اليوم بكامله ، وسار نحو الضفة الاخرى . ثم توقف واستدار نحوى وهو يهتف :
- عندى حل وحيد ، هو أن تنزل من السيارة ، ونحاول نحن الاثنين دفع السيارة لعلنا نستطيع اخراجها الى هذه الضفة ، أما اذا خفت على ثيابك فما عليك الا أن تخلعها وتتركها فى السيارة . . والا فالسلام عليكم .
ماذا يقول هذا الزنيم اللئيم ، أيريدني أن انزل من السيارة بملابسى الداخلية ، أنا الذي ما كنت لأقبل أن أجل فى أشد أيام الصيف حرارة ، بها فى بيتى ، وهنا مرت بمخيلتى القاعدة المشهورة : (( الضرورات تبيح المحظورات )) وهل يستطيع وحده أن يدفع السيارة وانا أتربع فى داخلها ، ثم ليس بالمكان أحد ، فناديت السائق وبدأت اطرح ثيابي وحذائى ، وانتهيت من ذلك
وأنا اقهقه بصوت مرتفع : أحقا انا صاحب السيادة والسعادة مفتش القسم ؟ . .
ونزلت الى الماء ، فاذا بالسائق ينفجر فى عاصفة مدوية من الضحك عند رؤيتى بالملابس الداخلية ، ويقول - وهو يهز رأسه - والشماتة بادية على ملامح وجهه :
- سبحان الله القادر على كل شئ . .
لقد وددت أن أصفع ذلك الصقيع على وجهه ، وأن ألقى به فى هذا التيار ، الا اننى شعرت بعجزى عن ذلك لحاجتى اليه . .
وأخذنا نضغط بكل قوة على مؤخرة السيارة محاولين دفعها الى الامام ، وقد أخذ الجد منا مأخذا كبيرا ، وأخذنا نرد بصوت مرتفع : يا رب . . يا رب . . يا رب . .
ونجحت محاولتنا ، لقد استطعنا دفع السيارة الى المياه الضحلة ، فظهر الاعياء والارتياح علينا ، ونظرت الى ساقى لقد كانتا أشبه بساق شجرة زيتون خرجت من خلال تضاعيف لحائه براعم خضراء ، وأزلت هذه البقع الخضراء ببعض ماء المطر .
وامتطي السائق جواده وأخذ يحثه بكل وسيلة على التقدم ، وسمعت دوى المحركات فصعدت الى السيارة . . وأخذت أرتدى ملابسى ، وانا اشتم هذه الطرق ، وأشتم المسؤولين فى وزارة الاشغال عن تعبيد الطرق ، لماذا لم يعبدوا هذه الطريق ؟ . . وهنا التفت السائق وقال لى :
- الحمد لله على السلامة . .
اقتربنا من القرية (( غ )) ، وأخذت أمعن ولأول مرة فى بيوت هذه القرية الريفية . . . لقد شعرت بأنني غريب عن هذا الريف ، لا تربطني به أية رابطة سابقة أو لاحقة ، واخذت أتساءل : أهكذا يكون بهذه القسوة
والخشونة ؟ أهذا هو الريف الذي تغنى بجماله الشعراء ؟ أهذا الريف الذي دارت فيه وحوله الروايات والمسرحيات ، واختارته مسرحا لاحداثها ؟
ووصلنا القرية . فاذا بالناس رجالاون نساء وصبيانا وأطفالا قد اصطفوا على جانبى الطريق الموحل . ما هذا الاستقبال الحافل وأخذنى - والحق يقال - شىء ليس بالقليل من الخيلاء ، وجعلت أتحسس أطراف الحلة والعقال وأصحح من وضعه ، وصفق الصبية والاطفال ، وأشار احد الرجال الى السائق ليتجه فى طريق المدرسة .
لقد انقلبت المقاييس في آونة قصيرة فى نظرى . هذا هو الريف بأهله ، بوداعتهم وبشاشتهم وبساطتهم في سلوكهم ، انهم ولا شك يفعلون هذا مع كل قادم الى قريتهم .
وصلنا المدرسة وترجلت من السيارة ، ووقفت بقامة مديدة كانها المارد المنتفض من سبات طويل ، وبيدى حقيبتى السوداء اللامعة ، انقلها بين أصابع يدى ، وكأنها سبحة شيخ يصحب تهليله وتعويذاته حركات هذه المسبحة .
وقلت لنفسى : ألم يسمع المدرسون والطلاب صوت السيارة وضجيج الاطفال ؟ لقد هبت القرية جميعا لدى سماع صوت السيارة ، أين مديرها ومدرسوها وفراشوها لم يهب أحد لاستقبالى ، ولكن ساعطي كلا منهم حقه .
وتجمع حولى أهل القرية ، ورفعت قدمي ببطء لأخطو عبر باب المدرسة الواسع المفتوح ، حيث كان عدد من التلاميذ يتقاذفون الكرة الطائرة فى هذا الوحل المقيت ، فتبرع أحد الواقفين قائلا :
- يا سيدى ، لقد انتهى الدوام الرسمى قبل ساعتين تقريبا . .
ولقد ذهلت من قوله ، لماذا لم اتذكر هذا بنفسي ؟ لم اعرفه دون أن يذكرني به هذا الرجل ؟ اين ساعتى ؟ وتحسستها بدون وعى ، ونظرت اليها ، فاستدركت قائلا :
- أنا اعرف ذلك ، ولكن احب ان ارى غرف المدرسة ومبناها وساحتها . .
وتقدمت فى فناء المدرسة واخذت أسير امام الغرف المهلهلة . وانا اظهر الاهتمام بالنظر هنا وهناك ، وأهل القرية يسيرون بجانبي وورائى ، وبين الفينة والأخرى يعلق أحدهم على بعض ما نمر عنه ، يا للسعادة الغامرة ، أكل هؤلاء يسيرون فى ركابى ، ما هذه الابهة ؟ انها لتفوق فى بساطتها وروعتها المعبرة بصمت كبير كل ابهة اخرى .
وبينما انا فى هذه الخيالات اللذيذة . . واذا برجل يظهر على سيماه الوقار والهيبة والرفعة بين اهل قريته ، يتقدم نحونا ، وصافحنى بحرارة وقد جعلني اشعر بالطمأنينة ، وكاننى بين اهلى ومعارفى ، وزايلنى شعور الكبر والخيلاء ، وهنا قال احد الحاضرين :
- شيخ القرية وعمدتها يا سيدى .
فرحبت به ، وبعد قليل حضر مدير المدرسة تتبعه ثلاثة من المدرسين ، وصافحتهم باكتراث قليل ، مما جعل احدهم يرشقنى بنظرة ذات معنى .
وقضيت الليل فى بيت شيخ القرية ، وظهر الكرم العربى الاصيل على صورته الحقيقية . وفي صباح اليوم الثاني طلبت من الشيخ كمية من الماء الساخن . وأخذت
حماما ساخنا انعشني ، ثم توجهت الى المدرسة بصحبة الشيخ .
وفي طريقي الى المدرسة ، كان الناس كما رأيتهم بالامس يقفون أمام بيوتهم والاطفال على جانبى الطريق ، وهم يحيونى باحترام وسرور ، دخلت المدرسة ورأيت النشاط المفتعل الذي تعيشه المدرسة هذا اليوم ، والنظام الدقيق الذي يحاول مدير المدرسة أخذ الكل به .
وكالعادة - وكما كان يفعل المفتشون عند زيارتهم لمدرستى السابقة - طلبت السجلات المدرسية بأنواعها ، وأخذت أدقق غاية ما استطيع ، ووجدت أن سجل المعهدة غير منظم ، كما أننى لم أجد سجلا لمصروفات المدرسة ، يبين النواحي التى صرفت فيها ، أما عن سجل زيارة الطبيب فلا أثر له بالمدرسة ، ذلك بأنه لم يحدث مرة أن زارها طبيب أو أحد أفراد الوحدة الصحية .
وطلبت من مدير المدرسة أن يدعو المدرسين الى اجتماع عاجل ، وكان الاجتماع فى غرفة المدرسين التى كانت عبارة عن عريش بأربع قوائم فقط ، مجلل بقطع من الخيش البالى .
حزمت أمرى ووقفت أمام المجتمعين ، وأخذت جهد المستطاع ابين الاهداف التى وجدت من أجلها المدرسة ، كمؤسسة لانتاج لبنات صالحة ، لبناء مجتمع صالح ، وعرجت على كيفية الاستعانة بوسائل الايضاح ، خاصة فى السنة الاولى ، وكيف أن على المدرسين أن يحاولوا ايجاد هذه الوسائل ، من الواقع الذى يعيشون فيه ومن الاشياء التى تقع تحت أيديهم ، فهى مهما تكن بسيطة فلا بد أن . تؤدى الغرض المنشود .
أخذت أوضح طبيعة مهنة المدرس - التى نحملها فوق طاقتها - وعمله الشريف كبانى أمة ومربى جيل . وحارس مقدرات مجتمع ، وهنا طلب أحد المدرسين الكلمة . وجعلت من نفسى ديمقراطيا فأذنت له .
وقف المدرس وأخذ يتساءل عن مكانة المدرس بين بقية موظفى الدولة من ناحية الرواتب والعلاوات والدرجات ، فالمدرس اذا لم يطالب وبالحاح بعلاوة أو درجة قد فات أوانها فقد كفى الوزارة الجليلة شره ثم المماطلة فى اعطائه حقوقه ، فما كان منى الا أن بينت بأن الوزارة حريصة على كل شئ وان لها قوانين وأنظمة معروفة تسير عليها ، وانها تحاول جهدها الايفاء بحقوق الجميع . فقال :
- ان لى فى هذه المهنة خمس عشرة سنة وراتبي لم يزد الا قليلا ، فراتبى كان كذا وهو الآن كذا ، فلم ذلك ؟ وجميع التقارير التى أخذت عنى تفيد بأننى أسير فى أداء مهمتى على الوجه الاكمل . فقلت على الفور وقد عجزت عن اجابته :
- لا بد ان هنالك ما يبرر ذلك . فلوى شفتيه وجلس :
وتناولت سجل زيارات المفتشين ، وأخذت أسجل ملاحظاتى وتوجيهاتى ، خاصة والجولة أشبه بما يسمونها اليوم توجيهية ، وكانت صياغة الزيارة على الوجه الاكمل صعبة على ، ذلك لانني لاول مرة أفعل ذلك . وأخذت أقلب الصفحات السابقة لأطلع على كيفية البدء بصياغة الزيارة ، ولم يعجبني أى واحدة منها ، ولكنى كنت عاجزا عن التجديد ، فاتبعتها بنفس الطريقة والاسلوب .
الدمام

