الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، على هامش تجربة مجلة "شعر"

Share

أزمة الشعر من حيث الموضوع تكاد تكون واحدة بالنسبة لجميع آداب العالم . واذا سلمنا بانه ما زال للشعر رسالة بامكانه ان يضطلع بها في عالم مصنع آلى تفوقت فيه القيم المادية ، فان المشكلة القائمة الآن تنحصر فى فحوى تلك الرسالة وفى طريقة ادائها . هل ينبغي للشعر ان يصبح شعبياً ويسلك سبيل الفلكور أم هل ينبغي له ان يحلق فى أجواء الفكر العليا متجها الى الخاصة ؟ وهل يبغى له ان يتغنى بانجازات الانسان فى جميع الميادين بلا استثناء ام بالعكس يجب عليه ان يقاوم قبح الاختراعات الحديثة وان يمثل صوت الضمير الذى يذكر الانسان بانسانيته ؟

هذه هي بعض الاسئلة التى يحاول أن يجيب عنها الشعر الحديث . والى جانب هذه المسائل الجوهرية يوجد مظهر آخر لهذه الازمة هو الشكل . والصعوبات التى يلاقيها الشعر العربى فى التعبير عن الانسان والوجود تختلف كثيراً عن التى يواجهها الشعر فى الغرب مثلا .

لقد تبين منذ القدم ، ان البحور العربية رغم ما تمتاز به من ايقاع محكم وموسيقى لا يشوبها نشاز ، فانها تضفى على القصيد التقليدى او العمودى الموحد القافية رتابة تدخل السام وتجلب النوم ، أضف الى ذلك ما يتسبب فيه البحث عن القافية من تكلف ومن تضحيات بالمضمون فكثيراً ما يحور الشاعر من معانيه حتى يتماشى مع القافية ، وفي ذلك مسخ للافكار وبعد عن الاصالة . ثم ان البيت التقليدى يضطر الشاعر اما الى بتر صورة تحتاج الى توسيع او الى حشو البيت بالنعوت الجوفاء والاطناب المسؤوم . وكثيراً ما يلجا حتى كبار الشعراء الى سندات وعكاكيز كي يستقيم البيت فيستعملون كلمات تكميلية لا مبرر لها فى الغالب مثل : اليوم ، الآن ، قد ، حتى اطلقنا عليها مصطلحا خاصا فنقول : أنه قصيد تكثر فيه " القدقدة " . وقد حاول الشعراء منذ عهد بعيد عن طريق الموشحات وغيرها من الاوزان المجددة ان يلونوا موسيقى قصائدهم وان يتخلصوا من الرتابة ، وآخر محاولة لتطوير الاوزان العربية هي تجربة الشعر الحر .

ان الشعر الحر الذي يعتمد التصرف فى عدد التفاعيل مدا وجزرا ويستعمل  القوافى بكثير من الحرية والمرونة يمكن الشاعر الاصيل من تجنب الحشو اذ يستطيع ان يعبر عن فكرته او يرسم صورته فى نطاق التفاعل الضرورية بدون نقص ولا زيادة كما يمكنه بالتالي من تجنب الرتابة بما توفره هذه الطريقة المرنه من ايقاع جديد متجدد . ولكن هذه الحرية لها حدودها وقيودها . فالشعر الحر يكاد لا يستعمل الا البحور التى يعتمد بناؤها تفاعيل من صنف واحد مثل تفاعيل الرمل والرجز والكامل والمتدارك والهزج . وعوائق الشعر العربي تكمن فى تركيب البيت بقدر ما تكمن فى التفعيلة ذاتها . ان الاوتاد والاسباب التي تتركب منها التفعيلة تجعل منها قالبا يضيق عن كثير من الكلمات فيلجأ الشاعر الى استعمال المرادفات والى تغيير الصيغ فاذا المخاطب يصبح غائبا والغائب مخاطبا والى غير ذلك من الالتواءات والتحيل .

أنه يستحيل علينا بالفعل ان نجد فى قصيد عربى كلمة تحوى خمسة أحرف متحركه متلاحقة مثل : عربتك . بل يتعذر علينا أن نجد كلمة تتركب من أربع أحرف متحرك متلاحقة مثل " عربة " فى البحور العربية باستثناء الرجز الذي تتحول تفعيلته " مستفعلن " عن طريق الزحافات الجائزة الى " متعلن " ولهذا السبب بدون شك سمى هذا البحر حمار الشعراء . واذا علمنا أن أقصى ما تسمح به تفعيلة الكامل أو الوافر أو المتدارك هي ثلاثة أحرف متحركة متتالية ادركنا جانبا هاماً من جوانب أزمة الشعر العربي من حيث الشكل ، وادركنا أيضاً أن تجربة الشعر الحر قد بلغت اوجها الآن بدون ان تحل المشكلة .

فهل ياتي الحل عن طريق الشعر المنثور وهو اجدر بان يسمى شعراً حراً . ليس من شك فى ان الشعر المنثور يخلصنا من جميع الحدود والمضايقات التي تفرضها التفعيلة ويسمح للشاعر بان يفرغ معانيه فى الشكل الذي يريد . ولكن هل الشعر المنثور شعر بالمعنى الشكلى للكلمة ؟ قد يوفق الشاعر الناثر الى رسم الصورة الحيه الاخاذة فى الكلمة الموسيقية العذبة ولكنه لن يجد لشعره إيقاعاً مضبوطاً . فهل تبرر الحرية وحدها التنكر لنظام كامل ولقواعد محكمة هى أخص خصائص شعرنا العربى ؟

يقول نيتشة : يركب الشاعر أفكاره عربة الايقاع لانها لا تستطيع أن تمشى راجلة . ولا يخلو تهكم نيتشة من الصواب والوجاهة . اذ لابد للشعر من ايقاع ووزن . فنحن نتذوق الشعر صورة وفكراً ونغماً ولحناً وتناسقاً وانسجاماً . وهكذا فان الشعر العربي لم يزل فى حاجة أكيدة الى بحور جديدة قد تستخرج من البحور الحالية وقد تبتكر ابتكاراً تضمن له الانعتاق والايقاع معا . إن العبقرية لا تتفتح ولا تكتمل الا بالحرية وبالثورة على التقاليد والاوضاع القائمة ولكن العبقرى بحق هو من يخلق قواعد جديدة يركز عليها بناءه .

على ضوء هذه الاعتبارات يمكن لنا النظر بعين فاحصة نافذة إلى التجربة الشعرية التى تفتح لها مجلة " شعر " اللبنانية صفحاتها . وتتمثل المحاولات

المنشورة فى جميع اعداد هذه المجلة فى قصائد من الشعر الحر ومن الشعر المنثور ومن المترجمات . وبالرغم مما تقوم به " شعر " من جهود تجديدية محمودة فانها تصطدم بالحدود والصعوبات التى بيناها آنفاً .

بين يدينا الآن العدد 35 من هذه المجلة وهو يحوى مجموعة من القصائد والبحوث والمقابلات تهم الادب والشعر والفن . ونقتصر فى هذه الكلمة على القاء نظرة عاجلة على ما جاء بها من قصائد .

أربع قصائد من الشعر الحر لشاعر فلسطيني هو محمود درويش الذى بعث بها من القطاع المحتل : تحيا العروبة ، أمل ، نحن الامنيات ، رسالة من المنفى . وكلها مستوحاة من النكسة العربية الاخيرة . يصور الشاعر في القصيد الأول منزلة العرب الحالية وقد هجمت على أمجادهم عصابات من أشباه الرجال وألقت بها " لمزبلة الزمان " فاذا بالتاريخ يطعن " فى شطآن دجلة والفرات " :

الموت للعمال إن قالوا : لنا ثمن العذاب

الموت للزراع إن قالوا : لنا ثمر التراب

الموت للاطفال إن قالوا : لنا نور الكتاب

ولكن مأساة العروبة ليست بدون أمل ، إذ لنا بقية من الامكانيات علينا أن نحافظ عليها وأن نحسن إستغلالها :

ما زال فى صحونكم بقية من العسل

ردوا الذباب عن صحونكم . .

ما زال فى بيوتكم حصيرة وباب

سدوا طريق الريح عن صغاركم

ليرقد الاطفال

الريح برد قارس فاغلقوا الابواب...

ويكمن هذا الأمل فى نفوسنا " فنحن الامنيات " :

لا تقل لى : ليتنى بائع خبز فى الجزائر

لأغني مع ثائر ...

لا تقل لى : ليتني عامل مقهى فى هفافا

لأغني لانتصارات الحزاني

لا تقل لى : ليتنى أعمل فى أسوان حمالا صغير

لأغني للصخور...

نعم ! دعنا من هذا التمنى السلبى فالثورة والتجاوب مع الثائرين والعمل الخلاق وتفجير طاقات الارض والطبيعة بامكان كل من له ارادة ودافع حقيقي فى كل مكان وفى كل زمان .

وفى " رسالة المنفي " يستهل نشيده بالحيرة وبالشعور بحدود الكلمات وبعجزها عن أرجاع الغريب الى الديار وعن اعادة الحياة للارض الموات ثم يتحدث عن منزلة الشاب الفلسطيني المشرد الذى يحمل عبء الحياة كالرجال وكالآخرين يدخن ويشاغب الفتيات ، أنه بخير - "بخير " : كلمة لم يعد لها مدلول ، ثم يسأل فى رسالته عن والده وعن حال أخوته :

هل أصبحوا موظفين ؟

سمعت يوماً والدى يقول

سيصبحون كلهم معلمين

سمعته يقول : أجوع حتى أشترى لهم كتاب

لا أحد فى قريتى

يفك حرفاً فى خطاب

وكيف حال أختنا

هل كبرت وجاءها خطاب...

تنم هذه القصائد عن احساس عميق بالمأساة التى يعيشها قوم الشاعر ونلمس فيها صدق العاطفة وواقعية الصور ، وليس من شك في أن استعمال الشعر الحر قد وفر للشاعر امكانية التعبير عن خواطره بسهولة . هذا الشعر بتجه إلى المنكوبين ليشعرهم بمنزلتهم ومحنتهم كما يتجه إلى ضمير الانسانية يوقظه من سباته ويحرك القيم الازلية . ولكن قيمة هذه القصائد من الناحية الفنية متفاوتة ولا تخلو من تعابير تفتقر الى المرونة والاناقة مثل قوله :

تصوروا كم مرة هى الحياة

بدونهن . . . مرة هى الحياة

أو قوله :وأحمل العبء كما الرجال يحملون . . .

أو قوله :كل نهر وله مجرى ونبع وحياة

فعلاوة على ما فى هذه الابيات من سطحية وابتذال نجد فى تراكيبها ضعفا وفى لغتها هلهلة : " كم مرة هى..." كما الرجال...."  "كل نهر وله ..." - لست ادرى من أين اتى بهذا الواو . وفي الجملة فان للشاعر محمود درويش نفساً شعرياً أصيلاً ولكننا لا نحس بالصناعة ومعاناة الخلق فى إنتاجه .

- " عشرين أيضاً فلنجلس على ضفاف العمر" هذا هو عنوان قصيد من الشعر المنثور ليوسف الخال وهو أحد أركان مجلة " شعر " ورائد من رواد الشعر المنثور فى العالم العربي :

لم يعد لنا الحزن

لم يعد لنا الفرح

لم تعد لنا الحريم والصور العارية والمقاصير

لم تعد لنا الرغبة

وفي القصيد سبعة أبيات أخرى تبدأ ب : لم تعد لنا . . . - وهذا تكرار يقصد به الشاعر التأكيد وتفصيل الاشياء المفقودة ولكنني أقول بصرراحة إن هذا التكرار يدخل السأم خاصة أن الابيات لا تحمل أية شحنة عاطفية ولا غنائية ولا فلسفية ، إنها كلام عادى ، وكأني بيوسف الخال قد تكهن بمثل هذا الاعتراض فيقول :

على أى بحر أنظم قصائدى

وعلى أية قافية

البلاغة أفسدت قواعد النحو

وعطلت لسان العرب

القمر غام ، والشمس كلها ، والنجوم

وشابت شقائق النعمان

حتى الغزل لم يعد بنجينا

ولا البكاء على تلكم الاطلال

" البلاغه " تورث التحدلق والتكلف والتعلق بالقشور وتضايق التعبير المؤدى المؤثر فى النفوس . ولكن لم أكن اعرف أنها تفسد قواعد النحو . ثم إن عيوب البلاغة ليست مبررا لالقاء الكلام على علاته .

ويتساءل الشاعر عن أبطال الحروب القدامى بما فيهم " على باب والاربعون " وهذا التساؤل ليس غريباً عن الشعر العربى ، نجد صداه فى جميع القصائد  التى تصور هزائم من لهم تاريخ حافل بالاحداث والانتصارات وفي جميع القصائد التى تصور عبثية الحياة وتفاهتها . نجد مثل هذه التساؤلات والهتافات والاستنجادات بالبطولات الغابرة فى ابيات موزونة وتعابير أكثر توفيقا . فأين ميزة هذا الشعر المنثور وأين الابتكار ؟

إن قصيد يوسف الخال يمتاز على القصائد الأولى التى تعرضنا لها باتساع الابعاد وبتصوير أشمل لليأس والحرمان والعذاب التى يتخبط فيها الانسان العربى بعد الهزيمة :

ليتني أرى رؤيا

ليتنى الحلاج أو أبن خلدون

ليتنى حي بن يقظان

لكنني محارب جريح

أضعت لسان الصمت

على مرتعفاتك يا سوريا

فى قدسك الشريف يا فلسطين

فى سينائك يا أرض الكنانة

نحن لا نعترض على مبدأ وجود الشعر المنثور ولكن من حقنا أن نشترط فيه من الصور المبتكرة ومن التعابير المختارة ما يعوض لنا فقدان الايقاع .

أما عصام محفوظ فهو ينشد في قصيد من الشعر الحر " وداع الايام السبعة " ويصور فيه الهزيمة والضعف والقهر والكبت :

نحن صغار حيوان الغاب

نحن بلا أنياب ...

نحن سكارى الكلمة المسموعة...

نحن اصطبار الرغبة المنموعة ...

ويبدع عصام محفوظ في رسم لوحة قاتمة للمصير العربى فيها سلبية ولكن فيها كثير من الواقعية . ماذا بقى لنا سوى الدعاء والابتهال ؟ وهل تجدى الصلاة ؟ فى عالم يسير بمقتضى قانون الغاب ؟

ما نفعل الليلة يا أمي

صلى لأجلنا

صلى لمن يموت فى الوهم

صلى لأجلنا

الواحد الصمد

ليس له شريك

يتركنا بلا سند

لا صوت لا أحد ...

ونقرأ في مجلة " شعر " بعد ذلك ضربا من الحوار الغريب " أين كنت يا سيدى فى الحرب " ويدور بين شوقى أبى شقرا وأنسى الحاج و " كم هو مر ولذيذ طعم الحرب فى فمى " ويدور بين ناديا تويني وأنسى الحاج .

هذا الحوار المثور لا يخلو من الابتكار إذ هو يترجم عما يدور بخلد الكثير من الناس فى محادثاتهم فيما وراء الكلام ولكن المبالغات فى الانغلاق وتعمد التشويش فى الافكار يجعل هذا الحوار قريباً من الهذيان ، ولعله هذيان ناتج عنف الصدمة وهول المصير . وبالرغم من أن هذا الكلام يبلغ بنا أحياناً إلى ما يشبه التأمل والاعجاب فاننا لا نتمالك من أن نتساءل هل هذا شعر ؟

يلى ذلك صفحة من النثر الفنى " لأجل الموت " بقلم صلاح ستيته كتبها بالفرنسية ونقلها إلى العربية . والملاحظ أن النص الفرنسى أحسن من العربى وذلك لضعف الترجمة أحياناً ولطبيعة اللغة العربية التى لا تنسجم مع قسوة بعض التعابير وتحجر بعض الصور الواردة فى مثل هذا الأدب المستوحى من السريالية .

إن وجود مجلة تفرد الشعر بالعناية يستحق فى ذاته أعمق التقدير ، ولكن مجلة " شعر " جديرة بمزيد من هذا التقدير لشعورها بضرورة بعث دم جديد فى شرايين الشعر العربى التى أخذت تتيبس وتجف . ولئن لم تخط بعد طريقاً واضحة تفتح أمام شعراء العربية أبواب المجهول وآفاق الخلق والعبقرية ، فان محاولاتها رد فعل سليم أمام وضع متأزم لا بد أن يسفر عن بعث جديد .

اشترك في نشرتنا البريدية