الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، 10 ايام بين موسكو وطشقند،

Share

من الاغراض المعروفة فى الادب العربى فن الرحلة او وصف الاسفار . وهو فن يمكن ان يصل به الكاتب الى درجة لا بأس بها الفن الاتقان والابداع وان يجمع فيه طرفا من متفرقات العلوم المختلفة من جغرافيا وتاريخ وأدب واقتصاد وغير ذلك . فتكون الرحلة من أحسن الشواهد على حالة البلاد الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

وهذا النوع من الكتابة لا يزال موجودا قائما الى اليوم ، وان زالت مقومات الغرابة وأسباب العجب والمغامرة التى كانت تحيط بالاسفار فى القديم فكتب الرحلات اليوم أصبحت تكتسى صورة تحقيقات صحفية يحاول الكاتب فيها ان ينقل الى قراء معينين - يعرف اذواقهم وشواغلهم وميولهم - ما يمكن ان يجلب اهتمامهم من بين الامور التى يراها ويدركها فى البلاد التى يزورها ويتحدث عنها  

وهذا ما حاول ان يقوم به الدكتور عبد المجيد رزق الله وهو يتحدث الينا فى كتابه " عشرة ايام بين موسكو وطشقند " عما شاهده ، اثناء زيارته للاتحاد السوفياتى ، من أمور مختلفة يمكن ان تهمنا كتونسيين وان تلفت انظارنا .

وهل يمكن ان يوجد بالاتحاد السوفياتى شىء يهم المواطن التونسى اكثر من العمل الاشتراكى من جهة ومن حالة المسلمين السوفياتيين من جهة اخرى ؟ فالتونسى ، الذى يعيش هذا المجهود الجبار في بلاده لبناء الاشتراكيه والخروج بالبلاد من التخلف ، متطلع بالطبع الى التعرف على كل اسلوب من اساليب البناء الاشتراكى ، وبصفة خاصة إذا كان هذا المجهود قد اتى أكله وأعطى ثماره ، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها .

ثم ان التونسى من جهة اخرى ، باعتباره مسلما مؤمنا او غير مؤمن يشعر بوثوق الصلة الروحية التى كانت ومازالت تربط بين المسلمين

فى جميع انحاء الدنيا . فهو متشوق بالطبع كذلك الى معرفة احوال المسلمين السوفياتيين وما طرا على الاسلام عند اتصاله او اصطدامه بالنظريات  الماركسية والفلسفات الاقتصادية المادية

لنترك المجال للمؤلف يعرف لنا بكتابه وبغرضه من تاليفه اذ يقول فى مقدمته " اما قصدى من الكتابة فليس ان اضيف شيئا جديدا الى ما كتبه الكتاب حتى اليوم في مختلف البلدان وفي مختلف اللغات ولمختلف الغايات حول البلاد التى انتهجت لنفسها ولحياتها نهجا جديدا وغريبا فى الارض . فان ما اقصده هو تدوين بعض المشاهدات والانطباعات والافكار التى حصلت لى من زيارتي رغم قصر مدتها وعدم التعمق فيما شهدته من المناظر وسمعته من المعلومات . وسأحاول ان اكون منصفا قدر المستطاع ناظرا للأشياء نظرة الذى لا يريد ان يقارن بين الشيوعية وبين الرأسمالية أيهما افضل ، بل نظرة المؤمن بالانسان ويقدرته على التقدم والرقي لا في ظل هذا النظام ولا في ظل ذاك بل في كنف الحرية والكرامة وفي ظل مجتمع يمكنه من تفتح ذاته ومن المعادلة بين حقوقه وواجباته لخيره ولخير البشرية جمعاء . . " ثم يبدأ الكاتب حديث ( الذي يكتسي في كثير من الاحيان شيئا من الطرافة والتشويق ) بامتطائه الطائرة من مطار " لوبورجى " بباريس ، فى طريقه الى موسكو . وقد بدأ بشعر وسط الركب المسافر الى موسكو بتغير الجو وبالدخول فى عالم جديد يسمية الجو الروسى أو السوفياتى . فالمسافرون يتميزون بقلة أناقتهم والنساء تبدو عليهن القوة وقلة الجمال او التجمل - بما فيهم المضيفة نفسها وداخل الطائرة يختص بالبساطة والطعام يقتصر على ماء معدنى وعصير غلال

والملاحظ ان المؤلف كان احيانا يخلق الجو السوفياتى خلقا اعتمادا على ذكريات قراءاته ومطالعاته فاسمعه يقول مثلا : " اقتربت من النافذة والقيت بصرى نحو الارض وبى شوق لرؤية الارض السوفياتية الغربية . . فاذا بي اشاهد مدى ابيض فسيحا لم يكن سوى بساط من سحاب تشفه من حين لآخر فوهة تطل على واد او جدول او حقل او طريق او مسكن او قرية لا تختلف في الظاهر كثيرا عن المناظر التى شاهدتها اثناء اسفارى المتعددة الى أوروبا . ولكنى كنت اسال نفسي ما هو نوع الحياة التى تجرى فيها ؟ فلعلها حياة فلاحين مجتمعين فى ضيعة دولية ( سوفخوز ) او ضيعة جماعية ( كولخوز ) وما هو حظ هؤلاء الفلاحين من الحياة ؟ هل هم سعداء ام تعساء ؟ "

لكن الكاتب سرعان ما يغادر تخيلاته وينغمس فى الجو الحقيقى عند وصوله الى العاصمة السوفياتية .

ثم اذا ما نظرنا فى الملاحظات والانطباعات التى يثيرها التأمل فى العمل الاشتراكى السوفياتى فانه يمكن ان نلخص تأثر الكاتب فى موقفين اساسيين : الاول موقف اعجاب ودهشة من فخامة المجهودات والوسائل يقابلة موقف فيه شىء خفيف من التحرز والانتقاد

فمرور الكاتب بين الحضائر العظمى الموجودة فى ضواحى موسكو لبناء عمارات السكنى ، وزيارته لادارة التخطيط وحضوره حفلات تكريم بعض رواد الفضاء وزيارته للواحات التى حولت اليها مناطق صحاوية بالجنوب : كلها امور تستدعى الدهشة والاعجاب . لكنها لا تمنع الكاتب من التساؤل ومن مساءلة الروسيين انفسهم عن منزلة الكرامة الانسانية الفردية من هذه الجهود وعن التناقض الذى يظهر أحيانا بين مظاهر التقشف الاشتراكى مثلا ومظاهر البذخ والزخرف في بناءات (الميترو ) بموسكو ، وهو لا يقل قيمة عن التناقض الموجود بين دعوة الشيوعية  الى الشمول البشرى وازالة الحدود بين الناس من جهة وبين ما يتميز بة الروسى من شعور وطنى واعتزاز بانتصارات بلاده كانتصارات روسية قبل ان تكون انتصارات بشرية .

ويتمكن الكاتب بفضل جولاته واتصالاته من ادراك قيمة مدينة موسكو بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية ويستعين على توضيح ذلك بفقرات من كتب ميخائيل نعيمة " ابعد من موسكو ومن واشنطن " تبين ان موسكو هى "كعبة الشيوعية "

ومن اهم ما يدخل فى وصف العمل الاشتراكى فى كتاب " عشرة ايام بين موسكو وطشقند "عبدالمجيد رزق الله ، حديثه عن ادارة ( القوسبلان ) وهي المؤسسة المركزية للتخطيط فى الاتحاد السوفياتى ، غير ان الحديث عن هذه المؤسسة ، الذى كنا نتوقع منه تدقيقات مفيدة فيما يخص طرق عملها ، قد اصبح فى الحقيقة حديثا عاما عن فكرة التخطيط ونشاتها وتطبيقها فى العالم .

ومن ناحية اخرى فان الصدف المؤاتية مكنت الكاتب من حضور الحفل الكبير الذى اقيم بالساحة الحمراء لتكريم رائدين من رواد الفضاء كانا قاما برحلة مزدوجة حول الارض . لكن الكاتب اكتفي في قسم كبير من وصفه بنقل بيان نشرته وكالة " تاس " السوفياتية واثباته بحذافيره ، فى حين ان المجال كان واسعا لاثبات الانطباعات الشخصية

كما يتحدث الكاتب عن الانجازات والنتائج التى وصل اليها الاتحاد السوفياتى فى ميادين مختلفة من الحياة الاقتصادية والصحية والعلمية والثقافية - ويبدو أن الغرض من هذه الفصول هو استخلاص العبرة ومحاولة الاستعانة بتجارب قام الدليل على نجاحها (والسعيد من اتعظ بغيره كما يقولون )

واذا ما تركنا الحديث عن البناء الاشتراكى وانتقلنا الى العنصر الثانى الاساسي من هذا الكتاب فانا نجد الكاتب يتحدث عن المسلمين بالاتحاد السوفياتى ويقول فى اول الفصل السادس : " حرصنا على ان نزور احدى الجمهوريات السوفياتية بآسيا الوسطى لسببين :

- الاول اقتصادى : وهو الاطلاع عن كثب على كيفية مقاومة السوفياتيين للتخلف في منطقة كانت قاحلة الى عهد غير بعيد  .

- والثاني عاطفي : وهو الاطلاع على العين على مسلمي تلك المنطقة "

ويبدأ الكاتب بحديث تاريخي طويل حول مراحل الحقاق المقاطعات الاسلامية الآسيوية بامبراطورية القياصرة ثم بالاتحاد السوفياتى . ثم ندخل مع الكاتب مدينة طشقند ، أخت بخارثى وسمرةند ، فننتقل معه بين الارقام والاحصائيات الى درس علاقات الحزب بالحكومة ، وعلاقات الحكومة الاقليمية بالحكومة المركزية ونخرج بفكرة سيطرة الحزب على الدولة وعلى اقتصاد البلاد كلها .

ثم يزور الكاتب المسجد الجامع بطشقند ويلتقى فيه بمفتى المدينة ورئيس الادارة الروحية بجة ازبكستان - وهو الشيخ ( زياد الدين بن بابا خان ) المعروف ببابا خانوف - وكانه يجد لذة فى الاتصال  بالشرق الاصيل فى اطعمته وبناءاته وكتبه ومصاحفه

ومن المسجد الجامع ننتقل الى معهد العلوم مع استاذ مختص فى الفيزيا النووية . وهذا الازدواج هو اكبر ميزة لهذا الشرق المتطور ، ازدواج الروحبات بالماديات وازدواج الفن بموضوع احياء الاراضى والرى . فلقد كانت الرواية الموسبقية التى شاهدها الكاتب عند حلوله بطشقند تمهيدا لزيارته لمناطق الاحياء ومشاهدته تلك المجهودات الجبارة التى حولت ( صحراء الجوع ) الى واحة غناء كما يقول . ويختتم الكاتب هذا الحديث الذى هو عبارة عن تصوير اللقاء بين الغرب والشرق الروسيين ، بفصل عن الخلاف العقائدى بين الشيوعية الاوروبية الروسية والشيوعية الاسيوية الصينية .

وفي الختام نحن ناسف للعدد الضخم من الاخطاء المطبعية التى لا يمكن الا ان تحط من قيمة الكتاب

ورابنا في الكتاب هو رأى الكاتب نفسه عندما يقول : " ان ما اقصده . . المعلومات " .

اشترك في نشرتنا البريدية