الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, ديوان "نجوم على الطريق "

Share

عرفت جعفر ماجد منذ عدة سنوات وتتبعت التطورات والمراحل التى مر بها انتاجه وسلطت غير ما مرة الاضواء على الكثير من قصائده سواء فى نطاق برنامج " شعراء تونسيون " او برنامج مقارنات او برنامج " اضواء على قصيد " وكان بيني وبينه بل كان بيني وبين انتاجه بصفة اخص ما يكفى من العطف والود للنفاذ الى اسرار خلقه الفنى وملامسة نبضه الخفى ، وهل يستطيع الناقد ان يفهم الكاتب اذا انعدمت صلات هذا العطف واستحال بينهما الحوار ؟

عرفت اذن جعفر ماجد لا بالقدر الذى يعرف به الناقد المنتج فقط بل وبالقدر الذي يعرف به الشاعر الشاعر . وبالرغم من ذلك فقد استفدت كثيرا بقراءة المقدمة الكاشفة القيمة التى كتبها الاستاذ محمد مزالى لتصدير ديوان " نجوم على الطريق " الذى ظهر مؤخرا للشاعر فقد استخلص المقدم بفكره الفاحص وبوضوحه البيداغوجى ابرز الخصال الادبية التى يتحلى بها جعفر ماجد ، وبالتالى ابرز الخصال التى ينبغى ان يتحلى بها الشاعر الحق من ثقافة واسعة وتفتح للاحداث القريبة والبعيدة

يقول الاستاذ محمد مزالى فى مقدمته " وابرز مظاهر شاعريته سرعة انفعاله مع الكون المحيط به وعفوية تعاطفه مع الطبيعة والانسان وعمق تاثره بالاشياء والاحداث ، هذا التفاعل التلقائى بين الشاعر وبين الكون شرط اساسى لضمان اصالة الشاعر بل هو اقوى شاهد على تلك الاصالة ، وهو بالتالي الفارق الجوهرى بين الشاعر المطبوع المتاثر المؤثر وبين النظام المتكلف ، واحترام هذه الاصالة هو الالتزام الحقيقي في نظر الاستاذ محمد مزالى :

احيا على حلم لكم يغفو به ضوء القمر الليل واحته واهداب الكواكب والسهر لكنه ابدا يطير مهفهفا فى اللامقر ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ شي بعيد كالقريب وحاضر مثل البعيد

أحيا له كالطفل يحيا للدمى فى ليل عيد وعلى فمى هذا السؤال اعيده : ماذا اريد ؟

بهذه الانغام يفتتح جعفر ماجد سمفونية " نجوم على الطريق " ولقد احسن الاستهلال فقصيد " ماذا اريد ؟ " بمثابة الطعم الاول لما ينتظرنا فى هذه المجموعة الشعرية من متع جمالية وهو بمثابة قوس قزح يعطينا فكرة مما يتموج فى القصائد من زاهى الالوان وبديع الصور ، وهو كذلك وبالخصوص الظل الاول من هذه الحيرة الوجودية التى تتجول اطيافها فى معابر كل قصيد وهى حيرة نجد فيها بعضا من انفسنا وصدى عميقا لما يتجاوب في قلوبنا من مختلف النداءات

" صفحات قيراونية " صفحات بيضاء " مذكرات فى السياسية والمجتمع" صفحات باريسية " ورود ذابلة " تلك هى فصول الديوان . واختلاف الموضوعات ينبئنا بمدى ثراء قريحة الشاعر وبتعدد العيون التى ينهل منها الهامه وبشمول رؤياه الكونية مما يفند مزاعم من لا يريدون ان يروا فى جعفر ماجد سوى " شاعر النهود "

لقد ظلت القيروان زمانا طويلا عاصمة الادب بالبلاد التونسية ولم يزل ابناؤها يتناقلون المشعل على مر الاجيال مواصلين امجادها القديمة ورسائلها المتجددة ، فلا غرو ان يخصها الشاعر وهو احد ابنائها بمجموعة من اناشيده تتغنى بتاريخها الحافل تنويها بجمالها وعزتها واعترافا بفضل ما غذته به من لبان الفكر وتقاليد الكتابة ، وتبلغ النجوى حدا ينسجم فيه الشاعر وينصهر فى القيروان التى سكن الادب بيوتها وحوانيتها ومقاهيها

ارانى على كل وجه كانى        بفيه اغنى وعينيه ابصر

رضعت البيان الزلال المصفي     وثقفت شعري فلم يتكسر

بتلك المقاهى اقتنصت القوافى      بهذى الحوانيت مازلت احضر

لنا مجلس حيث كنا وانا              لاحفاد من كان حلو التندر

على جنة القيروان ائتمنا              وفى ( زهر ادابها ) نحن نخطر

" الصفحات البيضاء " مجموعة من الخواطر المجنحة ارست هنا فشكلت اضمومة ملونة منوعة تكفى وحدها لتقييم هذه الشاعرية الثرة الفياضة وضبط ابعادها الشاسعة .

النفوس التواقه الى الجمال ، الى الحب ، الى الحلم ، الى الخيال ، الى العوالم التى لا تستطيع ان تبنيها الا الكلمة الشعرية ، اوصيها بان تقرا هذه الصفحات ، بان تقرأ قصيد " فى صلامبو "

ضاع لى عقل وقلب                 فى صلامبو يا صلامبو

زرقة فى الماء تغرى                 باندفاع من يراها

فوقها الامواج تجرى                  ثم تفنى فى مداها

ليتنى قضيت عمرى                  ضائعا فى منتهاها

فوقها كالنور يسرى                    دونما ادرى اتجاها

جامعا مدا لجزر                        مازجا نفسي بماها

أوصيها بأن تقرأ قصيد " الاسود الاحمر " ولاغرائكم جميعا اسوق اليكم ابياتا من قصيد " بنت الشاطىء " الذى يفيض رقة وعذوبة والذى تمتزح فيه الصور الخارجية مع الصور الباطنية لتشكل عالما جديدا من الشوق والحنين :

يا دارها بالظل تلتحف              تعس الذي فى الصيف ينصرف

قد كنت اذ آتيك مندفعا               فى قلبي الاشواق تنجرف

يا ليتنى فى الموج اغنية             ينساب فيها الحب والشغف

يا نجمة فى النفس مسرحها          يا خمرة يا . . فوق ما اصف

قد كان قبل الباب يجمعنا            فاليوم يدعونى ولا اقف

اما تفاعل جعفر ماجد مع احداث عصره سواء فى النطاق القومى او فى النطاق الانسانى الشامل فلنا منه عينات ونماذج فى القصائد المدرجة ضمن ما اسماه " مذكرات فى السياسية والمجتمع " ، ونلمس مدى ما يختلج فى صدره من عاطفة جماعية بوجه خاص فى القصيد الذي يحيى فيه ذكرى الشهيد الافريقى لوممبا وفى " تحية بنزرت " التى يغازلها مغازلة عاشق اشتد به الشوق واضناه الوجد كان ذلك بعد سنة من المعركة وقبل سنة من الجلاء . كما نجد ضمن هذه المجموعة القصيد المشهور " فى صقلية" وقد استوحاه الشاعر من زيارة قام بها لهذه الجزيرة التى خلف فيها العرب مئاثر تشهد بعظمة الفاتحين الاوائل ، وفي القصيد استعراض مرير للاحداث واستخلاص لا يقل مرارة للعبر التى يتحتم استخلاصها من انهيار الحضارات اذ ربط مصير صقلية بما آلت اليه الاندلس وبما تعانيه البلاد العربية فى الوقت الراهن تحت اقدام الدخلاء والغاصبين ، وفى قصيد اخر يتغنى جعفر ماجد بجيل الثورة وما تتعلق به من امال وفى قصيد " هيروشيما" بذكر ويشهر الشاعر بالفاجعة الكبرى التى ادمت ضمير الانسانية

كل هذه القصائد مثيرة تنم عن اصالة وحرية فى الراى وصدق فى التعبير والتجربة ولكنني لست اجد مبررا واضحا لوجود قصيدى " الشتاء" و " أنا والشابى" ضمن هذه " المذكرات " ذات الصبغة الملتزمة .

وفي الجزء الموالى من الديوان يتجول بنا جعفر ماجد على مركب الذكريات وفى اجواء باريس حيث يستجيب الطالب الذى كان الى تلويح الحب وايماءات الهوى ويستسلم حينا الى دغدغات العاطفة البكر ، فينقل لنا صورا موحية مغرية تثير حتى الذين تجاوزوا سن المراهقة

وفى خاتمة الديوان يهدى الينا الشاعر باقة من الورود ولكنها " ورود ذابلة " حسب تعبيره فى هذه القصائد شئ من المرارة وشئ من القلق وشئ من الاكتئاب ، ولكن هذه الاوجاع دقيقة تحوم حول القصائد باجنحة تكاد تكون نورانية ، وليس من شأنها ان تذبل أو أن تجر الشحوب فلنجعلها اذن باقة ورود بدون نعت ، ويستوقفنى في هذه المجموعة الاخيرة قصائد مثل " شعرها حرير " الذي يروقنى منه هدوء النفس وسلاسة النغم وتداعى الصور ، او قصيد " الملاح " الذي يلقى باتراحه فى مرفا عينيها واحدا فيهما من الاصداف ما لم يحصل عليه اى ملاح جاب البحار هاتان العينان تتحولان حسب مشيئة الشاعر من مرفا الى محيط يبحر فيه نحو المجهول ونحو المطلق عساه يجد ما يهدئ من هياج عاصفة تثور براسه ، وعساه يهتدى الى طريق الحقيقة التى تراوغه فى قرارة ذاته

هوة العالم السحيق السحيق       دوختنى فما عرفت طريقى

فى ضباب الوجود شاهدت نفسى     فاعترانى الدوار من تحديقى

اين روحى ؟ واين عنصر ذاتى      اين امسى ؟ واين وجهى الحقيقى ؟

تحية للجمال والحب ، تمتين العلاقة مع اخصب التقاليد القومية ، تعاطف مع الانسان فى عذابه وجهاده ، التحام مع الطبيعة يتولد عنه الفن قلق وجودى ينام ويستفيق ، تلك هى الالوان النفسية التى تنطبع بها لوحات " نجوم على الطريق "

واذا كان لابد ان نتحدث عن الناحية الشكلية التى انبنت عليها هذه القصائد فلنذكر ان الشكل والمضمون ينسجمان في زواج مثالى . ذلك ان جعفر ماجد ينقاد الى حسه الفنى فينظم هنا قصيدا تقليديا موحد القافية وياتى هناك بقصيد حر فى ضرب عجيب من التلقائية لا يجد لها التكلف سبيلا .

اشترك في نشرتنا البريدية