ما لقى الرسول عليه السلام يوم احد
وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم ما يتضعضع دونه عزم الجبابرة الابطال ولكنه كان من الثبات بمكان لا يسامى . وبيان ما حصل له ، انه فى ساعة انكشاف المسلمين عنه خاص اليه العدو فرماه عتبة بن الى وقاص بالحجارة حتى وقع لشقه ، وجرح شفته السفلى ، وكسر رباعيته اليمني السفلي وشجه فى وجهه عبد الله بن شهاب الزهرى ، وجرحه فى أعلى خده عبد الله بن قمئة الليثي فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، أي أعلى خده ، فجاء أبو عبيدة بن الجراح فنزع احدى حلقيتى المغفر من وجه الرسول فسقطت ثنيته ( أى ثنية ابي عبيدة ) ثم نزع الاخرى فسقطت الثنيتان ( اي ثنيتا أبى عبيدة معا ) . ووقع الرسول فى احدى الحفر التى عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فاخذ على بن ابي طالب بيده الشريفة ، وكان ساعتئذ حامل لواء المسلمين ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما . ومص مالك بن سنان الخدرى المدفون بقرب سوق اصحاب العبى ، امام " حوش المرزوقي اليوم " - الدم عن وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فبشره بالجنة .
وهكذا نرى جملة آلام عنيفة تتجمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة فى ساعات قلائل من هذه المعركة الهائلة ، فها هم اصحابه قد انهزموا ، وها هو العدو
المعيظ يخلص اليه ، وها هم رجالاته يحتاطون به ، وكلهم يقصد قتله لا محلة ، وها هو يشج وتكسر رباعيته ويقع في حفرة وهو مرتد درعه ومغفره وكل هذا من شانه أن يضعف العزيمة ، ويدخل الروع الى الفؤاد ، ولكن عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديدية لا يفل غربها شئ ، وقلبه معمور بالإيمان والثقة بالله فلا يهزه حدث من الحدثان .
صلاته باصحابه جالسا ودعاؤه لربه
وقد بلغ من تأثره ( عليه السلام ) بجراحاته يوم أحد أن صلى الظهر يومئذ في هذا المسجد الصغير الملتصق باحد سفوح هضبات أحد جنوبي الغار المعروف وكان فى صلاته قاعدا ، وصلى خلفه المسلمون قعودا ، وبدهي انه لو كان باستطاعته ساعتئذ القيام لما ركن الى القعود خصوصا في موقعة عظيمة كموقعة احد التى يقتضي الحال التجلد فيها واظهار القوة والنشاط في سائر الحركات والسكنات . أما دعاؤه صلى الله عليه وسلم يومئذ فقد روى الامام احمد والنسائى انه " لما انكفا المشركون يوم احد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استووا حتى أثنى على ربي عز وجل " فصاروا خلفه صفونا فقال : " اللهم لك الحمد كله . اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ولا هادى لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطى لما منعت ، ولا مانع لما اعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مباعد لما قربت . اللهم ابسط علينا من بركانك ورحمتك وفضلك ورزقك . اللهم اني اسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول اللهم انى أسألك النعيم يوم العيلة ، والأمن يوم الخوف . اللهم انى عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا اللهم حبب الينا الايمان وزينه فى قلوبنا وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين . اللهم توفنا مسلمين واحينا مسلمين والحقنا بالصالحين ، غير خزايا ولا مفتونين . اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون
رسلك ، ويصدون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك . اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب آله الحق " ه
وفى رأينا أن هذا الدعاء انما حصل عقب صلاة الظهر ، وفي المسجد المذكور ثم أن قوله بان هذا الدعاء انما كان لما انكفأ المشركون يوم أحد ، يؤيد لنا وجهة نظرنا فى أن صلاة الظهر كانت عقب انتهاء القتال ، وان هذا الدعاء انما كان عقب الصلاة مباشرة فى المسجد نفسه .
إرتقاء النبي صخرة فى شعب أحد
وقد اعتلى الرسول صخرة فى الشعب بقرب المهراس . وقد تكون هذه الصخرة بقرب الغار المعروف اليوم ، فيما بينه وبين المسجد المأثور فى داخل الشعب . أما الغار نفسه فلم يبلغه ، بل ولم يبلغ الدرجة المبنية فى الشعب . وتنطبق هذه الدرجة على موضعين اليوم ، فان الطريق الصاعد الى الغار ذو درج كما هو مشاهد ، والمهراس الغربي الداخلى ذو درج أيضا . والامام احمد بن حنبل يصرح بان الرسول عليه السلام انما كان موقفه على الصخرة تحت المهراس . ومن هنا يمكن لنا أن نقول : ان الصخرة التى ارتقاها فى الشعب هى احدى هذه الصخور الكائنة دون المهراس الغربي . وقد تكون تزحزحت عن مكانها بفعل الاطار والرياح فوقعت في الوادي ، وبقيت به مدة مديدة ثم انفاقت واستحالت إلى حجة صغار من هذه الحجارة الكثر الملقاة في هذا الوادى
نهاية المعركة
أريت كيف وقف دوران الحرب يوم أحد حين الزوال ؟ ! ففي تلك الساعة انصرف كل فريق من المتحاربين إلى اصلاح شأنه . فأما المسلمون فالى عبادة
ربهم بالصلاة التى أقاموها فى صفح أحد يتقدمهم الرسول عليه السلام وكلهم جلوس ، ولا بد انهم انصرفوا بعد الصلاة الى تضميد جراحاتهم ، تناول ما يمكن تناوله من الغذاء وتبع ذلك شئ اخر مهم لم يتمكن المسلمون من انجازه تماما الا بعد أن أرخي الليل استاره ، وذلك الشئ المهم هو البحث عن قتلاهم وجرحاهم في ساحة احد واكنافه . وأما المشركون فقد انصرفوا كذلك الى معسكرهم النضميد جراحهم والاستعداد للرحيل الى ديارهم ، فقد اكتفوا من الانتصار بما وصلوا اليه فى أواسط النهار .
وجدير بالذكر أن نصرح بان هذا التفصيل الذى أسلفناه هو من نتائج تفكيرنا الخاص . ودليلنا عليه انه ما كان النبى ليصلي بالصحابة قاعدا وهم قعود بالسفح من أحد والحرب قائمة انما السبيل الى هذا الصنيع حينما تكون رحي الحرب قد وقفت تماما ، وحينما يكون المتقاتلون من الجانبين قد اغمدوا سيوفهم بعد أن أعملوها حتى كات سواعدهم ، فاستأنسوا الى الهدنة وجنحوا الى السلم ، فهم هناك قد نفضوا ايديهم من القتال نفضا ، وزايلوا الحرب مزايلة نهائية . واذا اعترض معترض بقول أبى سفيان :
فما زال مهرى مزجر الكلب منهم لدن غدوة حتى دنت للغروب
فنجيب بجوابين : أولهما ان قوله : حتى دنت الشمس للغروب ؛ هو من قبيل مبالغات الشعراء ، وان لم يقتنع المعترض بهذا الجواب قلنا له : لا ضير ولا تناقض فقد يكون أبو سفيان ابن حرب ( وهو القائد الاعلى لقريش ) بقى مرابطا بمهره الى حين قرب مغيب الشمس حراسة لنومه من جهة ، وابانة ليقظته أمامهم من جهة اخرى . ومعلوم - بحسب ما سقناه من المقدمات المنطفية ان هذا الوقت - وقت دنو الشمس من الغروب - هو الوقت الذي شدت قريش رحالها فيه منصرفة عن احد الى مكة .
ويقول المؤرخون : ان ابا سفيان قائد قريش الاعلى قد اشرف على الجبل (فى المساء) من يوم الموقعة ذاته حينما هم بالانصراف وصرخ باعلى صوته قائلا : " أنعمت فعال " (١) ان الحرب سجال ، يوم بيوم بدر . أعل هبل (٢) . فامر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر ان يجيبه بقوله : " الله اعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم فى النار " فانت ترى قول المؤرخين . (فى المساء) وتعلم مع ذلك ان المساء اسم يطلق على ما بعد الزوال الى الفجر . واذن فقد ثبت لنا من تضافر هذه الرواية مع الرواية الاخرى القائلة بصلاة النبي الظهر قاعدا فى المسجد الذي بسفح احد ، ان رحي القتال هدأت تماما عند الزوال ، فما جاء ما بعد الزوال الا وكل من المتحاربين منهمك في شأنه وهكذا انجلى غم الكفاح عن هذه الهدنة الضرورية التى تتقدم طلائع الانسحاب .
شهداء احد
وقد اكرم الله سبحانه وتعالى بالشهادة يوم احد سبعين صحابيا سرد ابن هشام فى سيرته اسماءهم وانسابهم . ومن اعظمهم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول واسد الله وأسد رسوله ، ومصعب بن عمير حامل رايته وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع رضي الله عنهم أجمعين للبحث صلة

