الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

معركة احد

Share

ما لقى الرسول عليه السلام يوم احد

وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم ما يتضعضع دونه عزم الجبابرة الابطال ولكنه كان من الثبات بمكان لا يسامى . وبيان ما حصل له ، انه فى ساعة انكشاف المسلمين عنه خاص اليه العدو فرماه عتبة بن الى وقاص بالحجارة حتى وقع لشقه ، وجرح شفته السفلى ، وكسر رباعيته اليمني السفلي وشجه فى وجهه عبد الله بن شهاب الزهرى ، وجرحه فى أعلى خده عبد الله بن قمئة الليثي فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، أي أعلى خده ، فجاء أبو عبيدة بن الجراح فنزع احدى حلقيتى المغفر من وجه الرسول فسقطت ثنيته ( أى ثنية ابي عبيدة ) ثم نزع الاخرى فسقطت الثنيتان ( اي ثنيتا أبى عبيدة معا ) . ووقع الرسول فى احدى الحفر التى عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فاخذ على بن ابي طالب بيده الشريفة ، وكان ساعتئذ حامل لواء المسلمين ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما . ومص مالك بن سنان الخدرى المدفون بقرب سوق اصحاب العبى ، امام " حوش المرزوقي اليوم " - الدم عن وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فبشره بالجنة .

وهكذا نرى جملة آلام عنيفة تتجمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة فى ساعات قلائل من هذه المعركة الهائلة ، فها هم اصحابه قد انهزموا ، وها هو العدو

المعيظ يخلص اليه ، وها هم رجالاته يحتاطون به ، وكلهم يقصد قتله لا محلة ، وها هو يشج وتكسر رباعيته ويقع في حفرة وهو مرتد درعه ومغفره وكل هذا من شانه أن يضعف العزيمة ، ويدخل الروع الى الفؤاد ، ولكن عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديدية لا يفل غربها شئ ، وقلبه معمور بالإيمان والثقة بالله فلا يهزه حدث من الحدثان .

صلاته باصحابه جالسا ودعاؤه لربه

وقد بلغ من تأثره ( عليه السلام ) بجراحاته يوم أحد أن صلى الظهر يومئذ في هذا المسجد الصغير الملتصق باحد سفوح هضبات أحد جنوبي الغار المعروف وكان فى صلاته قاعدا ، وصلى خلفه المسلمون قعودا ، وبدهي انه لو كان باستطاعته ساعتئذ القيام لما ركن الى القعود خصوصا في موقعة عظيمة كموقعة احد التى يقتضي الحال التجلد فيها واظهار القوة والنشاط في سائر الحركات والسكنات . أما دعاؤه صلى الله عليه وسلم يومئذ فقد روى الامام احمد والنسائى انه " لما انكفا المشركون يوم احد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استووا حتى أثنى على ربي عز وجل " فصاروا خلفه صفونا فقال : " اللهم لك الحمد كله . اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ولا هادى لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطى لما منعت ، ولا مانع لما اعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مباعد لما قربت . اللهم ابسط علينا من بركانك ورحمتك وفضلك ورزقك . اللهم اني اسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول اللهم انى أسألك النعيم يوم العيلة ، والأمن يوم الخوف . اللهم انى عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا اللهم حبب الينا الايمان وزينه فى قلوبنا وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين . اللهم توفنا مسلمين واحينا مسلمين والحقنا بالصالحين ، غير خزايا ولا مفتونين . اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون

رسلك ، ويصدون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك . اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب آله الحق " ه

وفى رأينا أن هذا الدعاء انما حصل عقب صلاة الظهر ، وفي المسجد المذكور ثم أن قوله بان هذا الدعاء انما كان لما انكفأ المشركون يوم أحد ، يؤيد لنا وجهة نظرنا فى أن صلاة الظهر كانت عقب انتهاء القتال ، وان هذا الدعاء انما كان عقب الصلاة مباشرة فى المسجد نفسه .

إرتقاء النبي صخرة فى شعب أحد

وقد اعتلى الرسول صخرة فى الشعب بقرب المهراس . وقد تكون هذه الصخرة بقرب الغار المعروف اليوم ، فيما بينه وبين المسجد المأثور فى داخل الشعب . أما الغار نفسه فلم يبلغه ، بل ولم يبلغ الدرجة المبنية فى الشعب . وتنطبق هذه الدرجة على موضعين اليوم ، فان الطريق الصاعد الى الغار ذو درج كما هو مشاهد ، والمهراس الغربي الداخلى ذو درج أيضا . والامام احمد بن حنبل يصرح بان الرسول عليه السلام انما كان موقفه على الصخرة تحت المهراس . ومن هنا يمكن لنا أن نقول : ان الصخرة التى ارتقاها فى الشعب هى احدى هذه الصخور الكائنة دون المهراس الغربي . وقد تكون تزحزحت عن مكانها بفعل الاطار والرياح فوقعت في الوادي ، وبقيت به مدة مديدة ثم انفاقت واستحالت إلى حجة صغار من هذه الحجارة الكثر الملقاة في هذا الوادى

نهاية المعركة

أريت كيف وقف دوران الحرب يوم أحد حين الزوال ؟ ! ففي تلك الساعة انصرف كل فريق من المتحاربين إلى اصلاح شأنه . فأما المسلمون فالى عبادة

ربهم بالصلاة التى أقاموها فى صفح أحد يتقدمهم الرسول عليه السلام وكلهم جلوس ، ولا بد انهم انصرفوا بعد الصلاة الى تضميد جراحاتهم ، تناول ما يمكن تناوله من الغذاء وتبع ذلك شئ اخر مهم لم يتمكن المسلمون من انجازه تماما الا بعد أن أرخي الليل استاره ، وذلك الشئ المهم هو البحث عن قتلاهم وجرحاهم في ساحة احد واكنافه . وأما المشركون فقد انصرفوا كذلك الى معسكرهم النضميد جراحهم والاستعداد للرحيل الى ديارهم ، فقد اكتفوا من الانتصار بما وصلوا اليه فى أواسط النهار .

وجدير بالذكر أن نصرح بان هذا التفصيل الذى أسلفناه هو من نتائج تفكيرنا الخاص . ودليلنا عليه انه ما كان النبى ليصلي بالصحابة قاعدا وهم قعود بالسفح من أحد والحرب قائمة انما السبيل الى هذا الصنيع حينما تكون رحي الحرب قد وقفت تماما ، وحينما يكون المتقاتلون من الجانبين قد اغمدوا سيوفهم بعد أن أعملوها حتى كات سواعدهم ، فاستأنسوا الى الهدنة وجنحوا الى السلم ، فهم هناك قد نفضوا ايديهم من القتال نفضا ، وزايلوا الحرب مزايلة نهائية . واذا اعترض معترض بقول أبى سفيان :

فما زال مهرى مزجر الكلب منهم لدن غدوة حتى دنت للغروب

فنجيب بجوابين : أولهما ان قوله : حتى دنت الشمس للغروب ؛ هو من قبيل مبالغات الشعراء ، وان لم يقتنع المعترض بهذا الجواب قلنا له : لا ضير ولا تناقض فقد يكون أبو سفيان ابن حرب ( وهو القائد الاعلى لقريش ) بقى مرابطا بمهره الى حين قرب مغيب الشمس حراسة لنومه من جهة ، وابانة ليقظته أمامهم من جهة اخرى . ومعلوم - بحسب ما سقناه من المقدمات المنطفية ان هذا الوقت - وقت دنو الشمس من الغروب - هو الوقت الذي شدت قريش رحالها فيه منصرفة عن احد الى مكة .

ويقول المؤرخون : ان ابا سفيان قائد قريش الاعلى قد اشرف على الجبل (فى المساء) من يوم الموقعة ذاته حينما هم بالانصراف وصرخ باعلى صوته قائلا : " أنعمت فعال " (١) ان الحرب سجال ، يوم بيوم بدر . أعل هبل (٢) . فامر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر ان يجيبه بقوله : " الله اعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم فى النار " فانت ترى قول المؤرخين . (فى المساء) وتعلم مع ذلك ان المساء اسم يطلق على ما بعد الزوال الى الفجر . واذن فقد ثبت لنا من تضافر هذه الرواية مع الرواية الاخرى القائلة بصلاة النبي الظهر قاعدا فى المسجد الذي بسفح احد ، ان رحي القتال هدأت تماما عند الزوال ، فما جاء ما بعد الزوال الا وكل من المتحاربين منهمك في شأنه وهكذا انجلى غم الكفاح عن هذه الهدنة الضرورية التى تتقدم طلائع الانسحاب .

شهداء احد

وقد اكرم الله سبحانه وتعالى بالشهادة يوم احد سبعين صحابيا سرد ابن هشام فى سيرته اسماءهم وانسابهم . ومن اعظمهم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول واسد الله وأسد رسوله ، ومصعب بن عمير حامل رايته وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع رضي الله عنهم أجمعين للبحث صلة

اشترك في نشرتنا البريدية