الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

مع الكتب, - النكسة والخطا -، للدكتور اديب نصور، ( ١٧٦ صفحة )، دار الكاتب العربي - بيروت

Share

بالرغم من كوني لم اطلع من مؤلفات هذا الرجل الا على هذا الكتاب فقد ضهر لي : في كتابه هذا رجلا خبر الايديولوجيات التى زحفت على وطننا ، وذاق مرارة أنظمتها السيئة التى سادت في البلاد العربية ، فلا عجب ان كانت هذه النظم المستوردة هي سبب الجريمة التى وقعت في حزيران من عام ١٩٦٧ م .

فالدكتور نصور ، اذن ، يتكلم عن تجربة مرة اليمة عاشت فى واقعنا وبدل ان تكون تجربة تأخذ بالناس الى النجاح بعد الليل الطويل الذي مر على هذا الواقع ، فقد انقلبت لتكون منار ظلام يزيد من حلكة هذا الليل وظلامه .

لا غرو أن تكون هذه الايديولوجيات التي تعيش فى وطننا هي المسؤولة الاولى عن الفاجعة التى حلت بنا منذ أعوام ، ذلك بأن هذه الايديولوجيات لم تكن نابعة من صميم مجتمعنا وحاجته الى التطور ، لقد وجدت في مجتمعات عانت من ظروفها السيئة شتى النكبات ، فهى لا تلائمنا ، فلكل مجتمع ظروفه التى تضافرت على ايجاده

تختلف عن العوامل التى اوجدت ظروف مجتمع آخر .

وهو يرى ان هناك تخطيطا وضع لتنفيذ هذه الايديولوجيات ، فاصحابها عمدوا اولا الى تعطيل الفكر والعقل العربي بعد ان أوجدوا الحكم العسكري المطلق ، وقد استخدموا فى " تدشين " عملية التعطيل هذه ، العلم الحديث والتكنولوجيا فقد وفر العلم والتكنولوجيا وسائل للتوجيه وفرض الآراء منها الاذاعة والتلفزة والصحافة وادواتها ، كذلك استخدموا فى هذه العملية الارهاب الفكرى الذي ولد القحط والركود في الحياة العربية في العقدين الأخيرين ، وطرد هذا الارهاب اصحاب الرأى وأهل الثقافة ، ومن تركه في بلده فقد فرض عليه الصمت والموت البطئ ، وبذلك تم تحويل الشعب الى جمهور من الدهماء وقطيع من الغنم ، وفرق كبير بين كلمة " الشعب " وكلمة " الجمهور . . فالشعب سيد بنفسه يفكر ويعمل ويبدى رأيه ، أما الجمهور فلا وظيفة له الا ترديد الشعارات الموضوعة له دون أن يعلم مدلولها الحقيقي

بعد أن تمت هذه العملية ساق الايدولوجيون الناس بالشعارات بعد ان أوجدوها ، وهذه الشعارات هي خلاصة لآرائهم وتفكيرهم العشوائي ، وبالرغم من أن هذه الشعارات لم تنج من التناقض فانهم لم يكترثوا بذلك ، فقد اصبح أمر الشعب بعد أن حول الى " جمهور " من السهولة بحيث لا يحوجهم الى وضع شعارات متناسقة تثبت

أمام ابسط قواعد النقد . من هذه الشعارات ما يسميه الدكتور نصور : " الشعار المثلث " الذي قسم الامة الى طبقات وفئات ، وقد بين الدكتور تناقض هذا الشعار حتى انه ليخرج واضعه من نطاق مفهومه .

بعد ذلك بدأت عملية طرح هذه الايديولوجيات على اوسع نطاق وفي اوضح اطار ، ولم يصفوها مما لم تثبت صلاحيته حتى في بلاد الذين اوجدوها ، أى لم يختاروا ها يلائمنا ، ذلك لانهم في حقيقة امرهم عاجزون عن هذا الاختيار وهذه التنقية .

وكان من نتيجة بسيادة هذه الايديولوجيات على الارض التى دخلتها أن تحول جيشها الى منظمة عقدية سياسية ، وترك واجبه الاسياسي ، وتدخل في السياسة ، وعز عليه بعد أن أصبح عقديا أن يترك عقديته تلك ويدخل المعركة التى حمى وطيسها على أرضنا ، اذ ليس المهم هو الاحتفاظ بالارض والوطن فهذا " محدود الاعتبار بالقياس الى صيانة الثورة " ، فهذا المجد - في نظر هذا الجيش العقدى - هو مفهوم من مفاهيم الشرف عند البرجواز الذي يرون انه فارغ . وهكذا تمت الهزيمة ، وبسطت الجريمة أجنحتها الممتدة على الأرض والوطن

فالهزيمة سببها " النظم العسكرية التى صرفت الجيش عن اختصاصه وحرمته من مناصرة مدربه . . وجعلته قوة بوليسية تحكم بواسطتها البلاد .

وكان من نتيجة سيادة هذه الايديولوجيات ان قنع الناس " بان اسرائيل هي نتاج حركة قومية فحسب ، وابعد عن ظن الناس ، انها وليدة حركة دينية - قومية - استعمارية لحسابها ، وليس لحساب الاستعمار التقليدى كما يتصورون " . " الصهيونية حركة سياسية ناتجة عن اليهودية ، واليهودية هي واقع ديني قبل كل شئ

بل راح أصحاب ايديولوجيات الحضارة المادية يحاربون القيم الروحية بصورة غير مباشرة باسم الجدة والتقدم والتغيير

لا بد للانسان من قيم عليا يؤمن بها ويركن اليها فى تفكيره واحساسه ووجدانه ، لذا فقد وضع هؤلاء عقيدتهم مكان الوحى والتراث .

ونسي الناس في غمار عملية " الوضع " أن قضيتنا اليوم بحاجة الى الرجل المؤمن بالله الحافظ لشريعته ، يعرف حق الاسرة عليه ، وحق الجماعة وحق القوط . ان الانسان المؤمن هو اقوى وأقدر على النهوض بواجبات المواطن ، والرجل المؤمن " هو الذي يملك الفضائل التى تحتاج اليها الدولة وبدونها لا تستطيع أن تبقى " وهو كالصخرة الصامدة في وجه الاعداء ، لا يخون الامانة ، ولا يغريه مال الارض ومتاع الحياة الدنيا

هذا هو النوع الذي تحتاج له قضيتنا من الرجال ، وليس الذي تحتاجه هو " الانسان الاشتراكي العربي ، فهذا من اهم صفاته ان ماديته تطغي على روحانيته ، وهو طبقى ينظر الى نفسه على انه فرد من أفراد وطبقة اجتماعية لا عضو في جسم امة ، وهو حزبي ، الدولة في نظره اداة لسيطرة الطبقة الحاكمة ، وهو منسلخ عن الماضي لا يؤمن بالأخلاق التقليدية والصفات العربية ، بل هو مرتبط باخلاق الثورة التى ينتمي اليها ، والتي تبيح كل ها يبيح مكافيللى ، للأمير ، وهو سلبى متصف بالرفض لكل شئ بدون جديد نافع يؤمن به ، ودافعه ومحركه للعمل هو الحقد والسخط والانتقام .

وأخيرا جاءت لحظة الحقيقة وانهزم هذا الانسان الاشتراكى العربى السلبى المادي وكان يجب ان يسقط معه نظامه ، وتنتهي حياته ، لأنه غير صالح لنا ، ولكن الأنسان السلبى المادى لا يزال كما هو يرتع ويمرح ، حتى بعد أن رأى الناس والعالم اجمع سوء أعماله ، ونتيجها التى هى اسوأ .

هذه هي خلاصة الكتاب ولا حاجة للتعليق ، ومن اراد فهم الموضوع على حقيقته فعليه بالكتاب ، فعند جهينة الخبر اليقين .

الدمام )

اشترك في نشرتنا البريدية