الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

-مع كارل بروكلمان، في كتاب تاريخ الأدب العربي .

Share

١ - تناقض

تحدث كتاب " تاريخ الأدب العربي " عن الشاعرين : لبيد والاعشى ، وقرنهما ببعض فى البحث ، وقال عنهما : ) ابرز الشعراء المخضرمين الذين ادركوا الجاهلية والاسلام شاعران اثنان كانا قبل ظهور محمد ) صلى الله عليه وسلم ( يشتغلان بالمسائل السياسية ودخل احدهما فى الاسلام (

ثم بدا فى ذكر ترجمتهما بادئا بابي عقيل لبيد بن ربيعة الذي دخل دين الاسلام وقال انه : " ولد في بيت من بيوتات بني جعفر وهم بطن من بني كلاب . احد افخاذ

بني عامر ، من هوازن قيس . وعطف على ذلك قوله والظاهر انه ولد حوالى سنة ٥٦٠ م . فقد كان معمرا ، وتحدث هو عن ذلك في بعض شعره ، وتوفى سنة ٤٠ ه ٦٦٠ م ) ١ (

ومعنى هذا انه توفى وله نحو ثمانين عاما . . ويستخرج ذلك بعملية حسابيه بسيطة عن تاريخ مولده ووفاته المذكورين .

ثم عاد بروكلمان بعد سبعة اسطر من نفس الصفحة ليقول ما نصه :

" وبقي لبيد بالمدينة حتى هاجر في خلافة عمر إلى الكوفة ، ومات بها ليلة نزول معاوية بالنخيلة لمصالحة الحسن بن على . وهو ابن مائة سنة ) ٢ (

فقد جعل عمره هنا على وجه التحقيق " مائة سنة " بعد ما جعله قبيل هذا باسطر ، ثمانين عاما . فهذا من تناقضاته .

٢ - دسيسة ملثمة

ونمضى مع الكتاب في ترجمة الشاعرين : لبيد والأعشى ، فنجده في الصفحة ١٤٨

من نفس الجزء يتحدث عن الأعشى النصراني فيقول عنه : " اما القصيدة الدالية المنسوبه اليه فى مدح محمد ) صلى الله عليه وسلم ( فلم تعد أن تكون مزاولة للتكسب بالشعر ولا يحتمل ان تكون لها اذن علاقة بقصيدته ، على ان طه حسين قد ساق في الأدب الجاهلى ادلة راجحة تثبت انتحالها عليه ، وأيده فى ذلك فؤاد افرام البستاني ، ولم ترد هذه القصيدة في رواية ديوانه ، ولا شك انها متحولة " ) ٣ (

والقصيدة " الدالية " التى يشير اليها بروكلمان هنا هي التي مطلعها :

ألم تغتمض عيناك ليلة ارمدا

وعادك ما عاد السليم المسهدا

وأول ما نناقش فيه بروكلمان حيال هذه القصيدة قوله لم تعد ان تكون مزاولة للتكسب بالشعر "

والمعروف ان خاصية شعر الاعشى هى التكسب بشعره . وهذا ديوانه ) ٤ ( بين ايدينا طافح بقصائد التكسب بالشعر .

ها هوذا يقول من قصيدته النونية المطولة التى يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندى :

ونبئت قيسا ولم ابله

كما زعموا خير اهل اليمن

رفيع الوساد طويل النجا

د ضخم الدسيعة رحب العطن

يشق الاهور ويجتابها

كشق القراري ثوب الردن

فجئتك مرتاد ما خبروا

ولولا الذي خبروا لم ترن

فلا تحرمني نداك الجز

يل فاني امرؤ قبلكم لم اهن

وفي قصيدته ) الميمية ( التى امتدح بها ايضا ، قيس بن معد يكرب يتكففه فيقول له

وابيض كالسيف يعطي الجز

بل يجود ويغزو إذا ما عدم

تضيفت يوما على ناره

من الجود في ماله احتكم

ويعود فى نفس القصيدة فيصفة " فيصور كرم ممدوحه . . بمثل ما فعل في القصيدتين السابقتين - فليس الفرات إذا أزبد وتلاطمت أمواجه - ليس هذا النهر الفياض بأجود من ممدوح الاعشى : قيس - فى وقت الجدب " ) ٥ (

وما مزبد من خليج الفرا

ت جون غواربه تلتطم

يكب الخلية ) ٦ ( ذات القلا

ع قد كاد جؤجؤها ينحطم

بأجود منه بماعونه

إذا ما سماؤهم لم تغم

وقد أعاد نفس هذا القول " التكسبي " فى قصيدته ) الرائية ( التى امتدح بها قيسا أيضا : ) ٧ (

وما رائح روحته الجنوب

يروى الزروع ويعلو الديارا

يكب السفين لأذقانه

ويصرع بالعبر اثلا وزارا

بأجود منه بادم العشا

رلط العلوق بهن احمرارا

هو الواهب المائة المصطفا

ة اما مخاضا واما عشارا

وفي مديحه لهوذة الحنفي نراه يذم الحارث بن وعلة الرقاشي لانه لم يكرمه كما اكرمه هوذة ، فهو حانق عليه أشد الحنق . للؤمة وبخله ، وهو شاكر أعمق الشكر ومثن اعظم الثناء على هوذة . يقول الحارث :

لعمرك ما اشبهت ) وعلة ( في الندى

شمائله ولا اباه المجالدا

إذا زاره يوما صديق كانما

يرى اسدا فى بيته واساودا

وان امرئا قد زرته قبل هذه

بجو ، لخير منك نفسا ووالدا ) ٨ (

تضيفته يوما ، فقرب مقعدى

واصعدني على الزمانة قائدا

وامتعني على العشا بوليدة ) ٩ (

فابت بخير منك يا هوذ حامدا

وما كان فيها من ثناء ومدحة

فاعني بها ابا قدامة عامدا

الى ان يقول عنه :

يرى البخل مرا والعطاء كانما .

يلذ به عذبا من الماء باردا

ويمعن فى " التكسب بالشعر " بكل صراحة فى مديحيه لهوذة بن على الحنفي في قصيدته الحادية عشرة في ديوانه فها هوذا يصارحه :

الى " هوذة " الوهاب اهديت مدحتى

أزجي نوالا فاضلا من عطائكا

تجانف عن جل اليمامة ناقتي

وما قصدت من اهلها لسوائكا

الى ان يقول له :

ولم يسع في الاقوام سعيك واحد

وليس انا للندى كانانكا

سمعت بسمع الباع والجود والندى

فأدليت دلوى فاستقت برشائكا

وانت الذى عودتني ان تريشني

وانت الذى آويتني في ظلالكا

ويعود الى هوذة فى ) راثيته ( فيقدم له مديحا تكسبيا صريحا لا غبار عليه فيقول له :

أهوذ : وانت امرؤ ماجد

وبحرك في الناس يعلو البحورا

مننت على ، العطاء الجزيل

وقد قصر الضن في ، كثيرا

فأهلى فداؤك عند النزا

ل اذا كان دعوى الرجال الكريرا

ويعود الى تصوير كرمه فيقول : انه اكثر

فيضانا من خليج الفرات اذ فاض فيضانا هائلا :

وما مزبد من خليج الفرا

ت يغشى الاكام ويعلو الجسورا

يكب السفين لأذقانه

ويصرع بالعبر اثلا ودورا

باجود منه بما عنده

فيعطى المئين ويعطي البدورا

ويعود فيقدم مديح التكسب جزافا لهوذة فى " عينيته " :

يا هوذ : يا خير من يمشي على قدم

بحر المواهب للوراد والشرعا

ويكرر أن فيضان جوده اكبر من فيضان الفرات . .

ان ما أوردناه آنفا من المدح الذي قاله الاعشى مزاولة للتكسب بالشعر " وما لم نورده مما يعج به ديوانه الضخم يجعلنا بحق نرى ان الرأى الذى ابداه بروكلمان من الطعن فى قصيدة الاعشى التى مدح بها محمدا صلى الله عليه وسلم - وحدها بزعم انها " مزاولة للتكسب بالشعر " هو رأي فيه ما فيه ، ويدل على ضعف أمانة العلم او على الاقل على دراسة مخدجة لشاعرية الشاعر . المعروف في الاوساط الادبية من قديم بظاهرة التكسب بالشعر ، فليس في قصيدته في النبي صلى الله عليه وسلم عيب او نقص او نقد من هذه الناحية لا يلحق غباره غيرها من عديد قصائده حتى تفرد القصيدة الدالية بالنقد المرير الصارخ ، ولم يزد فيها مطلقا

عما قاله في هوذة وقيس وغيرهما من ممدوحيه الذين كان يقرع أسماعهم بصرخات الاستجداء المدوية . . . بل انه فى قصيدته فى الرسول ) ص ( كان اقل بكثير تكسبا بشعره عما قاله فى غيره ولغيره . . مما يدلنا - اذا تعمقنا - على تأثره الحق برسالة النبي ) ص ( وتغلغلها فى شفافه لسموها ووضوحها ، والشاعر دائما مرهف الاحساس لا سيما إذا كان كالاعشى قد خبر عمليا سوء حالة المجتمعات خلقيا في عصره الملىء بعفن الفساد والالحاد .

ذلك أن كل ما يومئ اليه الأعشى فى هذه القصيدة هو : طلب الصلة من المصطفى ، فى بيت واحد وحيد يخاطب فيه ناقته ويقول لها فيه :

متى ما تناخي عند باب ابن هاشم

تراحي وتلقى من فواضله ندى

أو ) يدا ( على ما في بعض نسخ الديوان . اما قول بروكلمان عن القصيدة المشار إليها : " ولا يحتمل ان تكون لها اذن علاقة بعقيدته فهو من باب القاء الكلام على عواهنه . . ذلك ان الاعشى شاعر خمر ومجون ، وزير نساء . عاش في الجاهلية العربية الأخيرة وتقلد تقاليدها كلها . . وكان جل همه جمع المال لأجل التنعم بالملذات ، ومسالة اعتقاده عقيدة النصرانية ، امر يفتقر الى البراهين القاطعة . وقد نسف هذه الدعوى من اساسها محقق ديوانه : الدكتور م . محمد حسين فقال فى ترجمته للاعشى :

" وجدت آثار النصرانية واضحة فى بعض صوره من اثر اتصاله بالعباديين فى الحيرة وآل جفنة في الشام ، حتى زعم بعض الذين ترجموا له من القدماء والمحدثين انه كان -

نصرانيا ، وان العباديين هم الذين لقنوه هذا الذين حين كان يفد عليهم لشراء الخمر

" والواقع ان كل ما نجده من آثار النصرانية في اخبار الأعشى هو ان راويته كان نصرانيا اسمه يحيى بن متى . وانه كان يزور بعض اشراف النصارى وسادتهم مثل بنى الحارث بن كعب في نجران فيمدحهم وينال عطاءهم ، ويقيم عندهم يسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي ثم لا نجد بعد هذا فى شعره الابعض الصور والتشبيهات ، مثل تشبيهه قيس بن معد يكرب بالرهبان ، فى عدله وتقواه ، ومثل حلقة بوهبان دير هند ، واشارته الى عيد الفصح ، والى طوفان نوح . . ومثل هذا التفكير الذي حمل بعض القدماء على ان يقولوا : انه كان قدريا ، ولكن كل ذلك لا ينهض دليلا على نصرانيته ، فهو لا يدل على اكثر من ان الشاعر قد أفاد بعض مبادئ الثقافة الدينية الضحلة من اثر تنقله بين البيئات النصرانية في الجاهلية ، ولئن حلف برهبان دير هند ، فقد حلف في مواضع اخرى بالكعبة ، ولئن زار بعض اشراف النصارى فقد رحل الى النبي حين ظهر الاسلام ) ١٠ (

ولا عبرة مطلقا بكتاب شعراء النصرانية " الذي حشر الأعشى بين صفوف شعراء العرب النصارى المزعومين ، فقد زج الكتاب المذكور في هذا الميدان شعراء لا يعرفون لاى دين

غير الوثنية طريقا ، كامري القيس وحاتم الطائى وغيرهما . . ولا ندري عن اين جاءت الديانة النصرانية وغيرها للمهلهل اخي كليب ؟ ان هذا الكتاب الضخم على نفاسة ما جمعه من الشعر كان مقودا بزمام العصبية العقدية .

هذا ولنا رأى حيال ايراد الاعشى لبعض كلمات الدين المسيحي وذكره للرهبان . . وذلك انه لم يجد في عصره بالجزيرة - وهو الشاعر الرحالة الحساس - ما يشبع نهمه الى الابداع والامتاع ، كشاعر متفتح الوعى - سوى المسيحية التى كان يدين بها بعض اطراف بلاد العرب في الجاهلية الإخيرة . . أما اليهودية فهي منكمشة على نفسها لا تبوح باسرارها لغير اليهود . والاسلام لم يدخل بعد ، ولذلك اضطر الشاعر الى ان يورد في شعره بعض تعبيرات مسيحية لمجرد الحكاية لا على انها تمثل عقيدته النصرانية . فهو لا عقيدة له سوى الوثنية المنحلة عقيدة قبيلته . . وقد ترجم كتاب ) الاعلام ( للزركلي - للأعشى فما عرج على نصرانيته ، وذلك دليل عدم ايمانه بنصرانيته ولو كان يدريها ، لذكرها كما ذكرها لزميله الاخطل " غيات بن غوت " الذي قال عنه : ) نشأ على المسيحية في اطراف الحيرة بالعراق ( ) ١١ (

والذي نجزم به ان الاعشى فى قصيدته المكية الدالية انما سلك المسلك الذى اعتاد سلوكه مع سائر ممدوحيه ، ولكنه لم يرخ فيها العنان لسجيته فقصر في المديح

التكسبي على بيت واحد مقتضب الكلام ، لان تعاليم النبي ) ص ( السائدة شهرتها في الجزيرة هي - فى نظره الحساس ، اعلي من اموال ممدوحيه الآخرين الذين ملأهم بمديح التكسب الصريح الملح . .

أما البيت الوحيد في الدالية فهو كما سبق لنا :

متى ما تناخي عند باب ابن هاشم

تراحي وتلقى من فواضله ندى

والمبادئ الاسلامية التى صاغها فى قصيدتة معروفة للجميع فليس هنا وجه استفرا ولا ما يدل على ) انها منحولة ( كما جرم به بروكلمان . . والقصيدة قوية السبك ، هادفة ، تتفق مع شاعريته ولو عملنا مقارنة ادبية بينها وبين زميلاتها لاثبتنا اثباتا لا ريبة فيه انها من غرر شعره الصحيح وصحة نسبتها اليه .

اما استدلاله براي طه حسين فى كتابه : ) في الادب الجاهلى ، وفؤاد افرام ، فهو استدلال لا يخلو من شبهة وتحيز ، وهو على كل حال رأى غير علمي ، ذلك لان طه حسين في كتابه المذكور كان(ببغاء) لاصوات المستشرقين الحاقدين الذين كل همهم منصب على ان ينقضوا تعاليم الاسلام الخيرة النيرة من اسسها ، وافرام لا يؤمل منه الا ذلك .

وقول بروكلمان عن (الدالية)" ولم ترد هذه القصيدة في رواية ديوانه " ) ١٣( هو مردود علميا ، اذ ثبت بما لا يحتمل النقض

ورودها فى رواية ديوانه المسجلة فى ديوانه المخطوط القديم الذي هو من صنعة الامام ثعلب ( والذي حققه المستشرق(جاير) وتلاه فى تحقيقه ونشره الدكتور م . محمد حسين ودليلنا الذي لا يقبل النقض على ورود القصيدة في رواية ديوان الاعشى هو ما نص عليه محقق الديوان الدكتور م . محمد حسين استاذ الادب العربى المساعد بجامعة فاروق . . فانه قال عن " المخطوطة " القديمة التى نقل منها ومن غيرها الديوان ، وطبعه ونشره . قال ما نصه :

ويحتوى المجلد على ٧٣ قصيدة بالخط الكبير من القصيدة رقم ١ الى ٤٢ ، ومن ٤٧ الى ٧٦ ثم القصيدة ٧٧ إلى البيت ٢٦ ، ) ١٤ (

ووجه الاستدلال هنا هو ان القصيدة الممدوح بها النبي ) ص ( رقمها في الديوان المطبوع ) ١٧ ( فهي داخلة فى المخطوطة العتيقة بطبيعة الحال . . وهكذا ثبت ورودها فى رواية ديوانه بدون مرية . .

ومما يؤكد لنا من جهة اخرى نسبة القصيدة ذاتها الى الاعشى ان كتاب " معجم الشعراء " للمرزبانى قد أورد القصيدة ) الدالية ( في ترجمة الاعشى . . وقد قال عن الاعشى انه يلقب " بصناجة العرب " .

وانه ولد بقرية باليمامة تسمى منفوحة وفيها داره وقبره ، أما قوله : ) ويقال انه كان نصرانيا ( . . فصيغة : ) يقال ( هنا تؤكد عدم قناعة المرزبانى بنصرانيته المزعومة وقال عنه : ) وهو أول من سأل بشعره ( . . وهذا يؤكد ان تكسبه بشعره

كان امرا معروفا عنه من قدم ، وأن التكسب بالشعر كان ديدنا له ودربا مسلوكا . . وعليه فلا يغض من قصيدته فى الرسول ما ورد فيها من عبارة واحدة مقتضبة يومئ بها كعادته الى التكسب بالشعر وهي قوله لناقته : ) وتلقى من فواضله ندى او ) يدا ( وضمير ) من فواضله ( يعود للرسول عليه الصلاة والسلام . . فقد قال فى غيره ما هو أوسع وأعمق وأطول بكثير من هذا كما أوضحنا بعضه فيما مضى وأعرضنا عن اكثره ، تجنبا للتطويل الممل . فيما هو مشهور ومعروف .

وقد اثبت المرزباني . وقد عاش فى القرن الهجرى الثالث ، أثبت القصيدة فى كتابه : معجم الشعراء ( وقال عن الاعشى : ) ووفد الى مكة يريد النبى صلى الله عليه وسلم ، ومدحه بقصيدته التى أولها :

الى تغض عيناك ليلة ارمدا

وبت كما بات السليم مسهدا

وقال : ) يقول فيها :

أجدك لم تسمع وصاة محمد

نبي الاله حين أوصى واشهدا

اذا انت لم ترحل بزاد من التقى

ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت على ان لا تكون كمثله

وانك لم ترصد بما كان ارصدا

فلقيه ابو سفيان بن حرب فجمع له مائة من الابل ورده ( الخ القصة المعروفة . .

ليت شعري : هل كان بروكلمان حينما سطر الجمل السابقة مقودا بعاطفنه ،

العقدية لا بعلمه وادبه الجم ؟ اكبر الظن ان يكون الامر كذلك . .

٣ - دسيسة اخرى مكشوفة :

يقول كارل بروكلمان عن شعر الاعشى ، ما نصه :

) ولا يغض من ذوقه الشعرى الا ولوعه بالكلمات الاجنبية ، وخصوصا الفارسية ، وربما كان غموضها هو الذي حبب اليه المباهاة ببريقها أحيانا ، كما فعل محمد ( ) صلى الله عليه وسلم ( .

فأولا : اننا نخالف على طول الخط نظرية بروكلمان هذه التي لا ظل ولا سند لها من الحقيقة ، فهى خيال محض اجوف مطلى ببريق البحث العلمى وظاهره النقد العلمي وباطنه الغرض النفسي ، استخدامها لمظهر العلم في مخبر الغرض الخاص . ونحن لا نعتقد ان الاعشى مولع بالكلمات الاجنبية على اساس استهواء بريقها الغامض له . . وانما نعتقد ان اتساع مداركه بالنسبة لسواه من شعراء الجاهلية المعاصرين له ، بسبب اختلاطه بالعجم في ديار فارس وغيرها : ومجالسته لهم في مجالس لهوهم المفعمة بالاشياء التى لا يعرفها عرب الجزيرة وتفتح بشاعريته . . هذا كله هو الذي جعله يدمج بعض كلماتهم في بعض قصائده لا فى كلها ، خاصة قصائد اللهو والمجون والغزل والنساء :

ها هوذا يذكر ) الباطية ( فيقول :

من زقاق التجر قني " باطية

جونة حارية ذات روح

فالباطية كما فسرها الشارح هي ) اناء

واسع أسود من آنية الحيرة ( والكلمة أعجمية معربة . .

وقد نقلها فى شعره ، لانه مارس استعمالها مع من يستعملونها ولا بد ان بعض العرب ولا سيما عرب الحيرة يعرفونها . . وليس فى صيغة الباطية أى بريق وانما الذي حمل الاعشى على ذكرها هو اعطاء الصيغة نفس المعنى المنشود فحسب دون زيادة أو نقص أو تبجح . . وهو هنا يحكى عن ممارساته ومشاهداته ليس غير . .

ونحن اليوم نرى كثيرا ممن ثقفوا بعض اللغات الاجنبية من الشعراء يذكرون بعض الكلمات الاجنبية فى اشعارهم العربية ، لا من باب استهواء تلك الكلمات لمداركهم ، وانما لاسباب من اهمها ان لها مدلولاتها الخاصة ولما تعرب .

ومن هذا القبيل قوله :

لنا جلسان عندها وبنفسج

وسيسنبر والمرز جوش منمنما

وآس وخيري ومرو وسوسن

إذا كان هنزمن ورحت مخشما

وشاهسفرم والياسمين ونرجس

يصبحنا في كل دجن تغيما

وفستق سينين وون وبربط

يجاوبه صنج اذا ما ترنما

وهو هنا ينقل بالمسطرة صورا لمشاهداته وممارساته فى مجالس الانس ، فى بلاد العجم ، وقد يكون له عذر واضح في نقل هذه الكلمات الاعجمية كما هى ، لانه لا يعرف اسماء لها فى لغته العربية وهو كشاعر حساس ومسجل لا بد له من ان ينقل لقرائه الكثر

فى جزيرة العرب مشاهداته فى مجالس الانس والطرب فى بلاد العجم مما لا يعرفه العرب في بلادهم ولا يألفونه وربما لم يطرق من قبل مسامع الكثيرين منهم

ومن هذا ندرك تماما ان دعوى بروكلمان بان بريق الكلمات الاجنبية قد استهوى غموضها الأعشى . . ولو كانت معاني هذه الكلمات غامضة لديه لما نقلها . . واما من ناحية قرائه وزملائه من الشعراء فلا يعقل يكون غموضها وبريقها مستهويين لهم ، بالنظر الى انهم كانوا يستهجنونها ، فى شعره العربى الفصيح ورأوها مشوهة لهذا الشعر الجميل . لا مجملة ولا مستهويه .

وآية صحة هذه النظرية ما اورد ، محقق الديوان وشارحه للأبيات المتقدمة : الدكتور م . محمد حسين . . فقد اعطانا تفسيرا فلسفيا لها فقال : ) وصف مجلس الخمر وما يحيطه من ازهار ورياحين وغناء . فيجلو لنا صورة من بيئات الخمر الفارسية المترفة في العراق ، ويعدد الوان الرياحين وآلات الطرب التى لم يعرفها العرب ، باسمائها الفارسية من جلسان - بضم الجيم وفتح اللام المشددة ، بعدهاسين مهملة ، فألف فنون - وبنفسج ، وسيسنبر - بكسر السينين الاولى والثانية ، وسكون النون بعدها ياء مفتوحة فراء . ومرزنجوش - الى آخر هذه الاسماء التى يعددها الاعشى مزهوا مباهيا بمعرفتها دون زملائه الذين لم يختلطوا اختلاطه بعلية القوم وغيرهم في العراق . كما يعدد القروى الساذج الوان الطعام وادوات اللهو والترف في العواصم

ليرينا انه قد عرفها وخبرها ( ) ١٥ ( . وليس معنى ذلك مطلقا ان الذي دفعه الى ذكرها هو بريقها وغموضها . . حاش وكلا ! بل ان الذي دفعه لذكرها هو خبرته بها ووضوحها لديه ، وازدهاؤه بمعرفة مسمياتها دون سواه وممارسته لها فى بلاد فارس .

فلتنفصم اذن عرى شبهة بروكلمان في هذه القضية ، التى جعل منها " سلما " مباشرا للطعن في رسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه حينما قال مشبها الرسول - صلوات الله وسلامه عليه بالاعشى المنحل خلقيا في استهواء بريق الكلمات الأجنبية وغموضها له ، حينما قال ما نصه : كما فع ل محمد ( " صلى الله عليه وسلم . . بمعنى ان محمدا عليه الصلاة والسلام حببت اليه الكلمات الاجنبية في القرآن المجيد لسبب بريقها وغموضها . . ومعنى هذا ان رسالة محمد ليست من عند الله جل وعلا ولا اساس لها من الصحة فالقرآن كلام محمد وليس كلام الله وهو ليس نبيا بل شاعر يحبب اليه الكلمات الاجنبية بريقها وغموضها فلذا اتى بها في القرآن الحكيم . . فهو والاعشى الشاعر النصراني في زعم بروكلمان ولويس شيخو - سيان . . .

الاما اعمق هذه الدسيسة ، وما اغمضها وادقها

وعجيب ان مترجم كتاب بروكلمان الى اللغة العربية لم يتعرض لتفنيدها مع عمقها وخبثها ومحاولتها لنسف الدين

الاسلامي من قواعده . .

وبعد فنقول لبروكمان : ان القرآن كلام الله وليس بكلام محمد عليه الصلاة والسلام وما ورد فيه من الكلمات عربي اما اصلا واما معربا عن قديم معروفا فى اصل معناه الدنيوى ، لدى العرب الذين خاطبهم القران بلسان عربي مبين ( وليس الامر كما فعل الاعشى فى بعض قصائده اذ نقل فيه بالمسطرة كلمات اجنبية مستهجنة متنافرة مستثقلة فى اللغة العربية ايما استثقال ، نقلها رأسا الى شعره مما أوجب طعن معاصر به عليه وعدهم ذلك انحطاطا في شاعريته . . وشتان ما بين الشعر والقرآن ، فالقرآن كما اعترف فطاحل فصحاء العرب ابان نزوله هو في الذروة من الكلام وهو معجز لأفصح الفصحاء ولقد تحدي افصح فصحاء العرب تحديا بالغا ان يقولوا مثل آية من آياته فاعلنوا عجزهم مما يدل على سقوط النظرية القائلة بتشبيه القرآن بالاعشى فى استهواء بريق الكلمات الاجنبية وغموضها للرسول المنزل عليه القران من رب العزة جل وعلا ، لان هذه الدعوى منهارة من اساسها اذ ان القران ليس من كلام البشر وانما هو كلام رب البشر جل وعلا انزله على عبده ومصطفاه ) محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام . ولا مناسبة بين القرآن وبين ما كان محل نقد ازدراء للاعشى المخدوشة سمعته وبلاغته الشعرية من هذه الناحية لدى العرب من معاصريه ولدى غيرهم ، بسلوكه وباراده كلمات اجنبية متنافرة ، لم تجر على لسان شاعر من قبله ولا في عصره .

) جدة (

اشترك في نشرتنا البريدية