مقابلتى مع (( أنسى الحاج )) أثناء نزوله ضيفا مبجلا مع الوفد السينمائى اللبنانى بتونس ( وطنه الثانى ) أثناء المهرجان الدولى الثانى بقرطاج ، لم تكن مقابلة سطحية عابرة بل كانت لقاء تكميليا لصداقة فى (( الكلمة )) و (( الحرف )) متبادلة من الطرفين بواسطة ما قرأ لى وما قرأت له - ( فى مجلة (( الفكر )) من جانبه وفى مجلة (( شعر )) البيروتية من جهتى أنا . . )
لهذا لا مناص من الحديث عن مجلة ( شعر ) فى معرض الحديث عن (( أنسى الحاج )) أحد عناصرها البارزين بجانب نخبة من زملائه : يوسف الخال وأدونيس وجبرا وغيرهم . . أرى شخصيا أنه من الوفاء للحقيقة وللادب أن يعترف كل ذى ادراك صائب وحس سليم بأن دراسة الشعر العربى المعاصر لا يمكن أن تكون موضوعية وصادقة الا متى قرأت لمجلة (( شعر )) ألف حساب وحساب .
فبالرغم مما قيل ويقال حول هذه المجلة من طرف التقليديين والمغرضين و (( قائلى اللا شئ )) وبالرغم من جوانب الضعف والهنات والمحاولات والفشل الجزئى فى بعض مراحل مجلة (( شعر )) فالاكيد والثابت أنه بفضلها وللمرة الاولى فى تاريخ الادب العربى المعاصر , نرى قضية الشعر الجديد مبسوطة على مستوى النظر والبحث العلميين والفنيين - وذلك لان (( أنسى الحاج )) ورفاقه قد أوجدوا فى الحركة الشعرية العربية مناخا ووسطا للتفاعل بين الشعراء العرب والتعبير عن تجاربهم بحرية مطلقة . وقد أثاروا النقاش وكانوا هدفا لردود فعل نقدية تختلف درجة مستوياتها ونواياها ولكنها على كل حال (( ردود فعل )) لابد منها للفكر والفن وحسبها اى تلك الردود - أن أعانت أسرة مجلة (( شعر )) على جعل الشعر قضية لا مجرد انفعال أو حكمة . فالشعر مع (( أنسى الحاج )) وأدونيس وغيرهما
أصبح يطمح الى رؤيا أو رؤى الانسان والوجود ، تستشف العالم وترسم أبعاده . اذن - وكما جاء فى الافتتاحيات - ليس ثمة تشبث أو دعاية لايديولوجية شيوعية أو سياسية من أى نوع . فقضية الشعر هى قضية مشتركة (( وتحاضن فكرى )) نقى من كل اعتبار آخر غير اعتبار الفكر والحرية والانسان . .
والشاعر (( أنسى الحاج )) - الذى سأنقل ما دار بينى وبينه الى قراء - ( مجلة ) الفكر - هو من أبرز عناصر مجلة ( شعر ) وله ثلاثة (( دواوين )) شعرية او بالاحرى (( مجموعات شعرية )) - لان كلمة ( ديوان ) لا يستسيغها ( أنسى الحاج ) لما يشتم فيها من رائحه القدم الكلاسيكية . . له اذن (( لن )) و ( الرأس المقطوعة ) و ( ماضى الايام الآتية ) !
بحانب الشعر - يتحلى (( أنسى الحاج )) بميزتين أخريين هما ( النقد ) للشعر والترحمة والتعريف بالادب الغربى . وهذا النشاط المزدوج عند ( أنسى ) ورفاقه قد مكن مجلة ( شعر ) من خلق اتجاه نقدى جديد بلور حركة الشعر الحديث وأقام جسرا بينه وبين تجارب ومفاهيم الشعر الاجنبى . . . أما انتاج ( أنسى ) فى هذا المجال فهو مبثوث فى المحلة وفى ( الملحق الادبى ) لجريدة ( النهار ) البيروتية . ثم لانسى الحاج أيضا كتاب يحمل العنوان التالى (( ملامح من الادب الفرنسى )) .
حدثت (( أنسى الحاح )) عن أدبنا التونسى وصحفنا ومجلاتنا المختلفة فقال لى (( لم أعرف الى الآن الا النادر منها . قرأت بعض أعداد من مجلة (( الفكر )) فبالرغم من الصعوبات الكثيرة التى تواجهها من حيث انتشارها فى المشرق ، بامكانها ومن واجبها أن تلعب دورا رئيسيا فى حضن المواهب الجديدة والتعريف بالادب التونسى واقامة صلة الوصل بينه وبين أدب المغرب عامة والمشرق العربى كله . قد تكون ( تونس ) فى المغرب مثل ( لبنان ) فى المشرق . عليها وبامكانها أن تلعب دور (( الوسيط الثقافى والمنبر الحر )) - هذا كلام الشاعر المبدع (( أنسى الحاح )) الذي يلذ لى تقديمه لكل قارئ يؤمن بأن التجديد عملية تطورية يكون ارتباطها بالتراث القديم على أساس حرية الخلق لا على أساس المادة الفنية الموروثة بما يحيط بها ويخنقها من اعتبارات مصطنعة ومهترئة .
الاسئلة والاجوبة
( س ) قيل ان حضرتك - اى الشاعر - أنسى الحاج ( صاحب ديوان : (( لن )) ) لا تهدف الى بناء عالم جديد على انقاض هذا العالم المتاكل . فما هو اذن مفهوم الخلق عندك ؟
( ج ) لا اعترف لك على الفور بأنى صرت مبتعدا الى حد بعيد عن هذه الهموم ، وأرى سؤالك يرعبنى . لقد نسيت . ماذا قلت فى (( لن )) ؟ فى (( لن )) مقدمة طويلة ملأى بالاحتجاجات والادعاء . هل تصدقها كلها ؟ أحيانا ، فى ما بعد ، لا. . . المقدمات النظرية فى الشعر أشبه ما تكون بمرافقات النيابة العامة .
مفهوم الخلق عندى ؟ سأقول لك بكل بساطة : طبعا هناك أولا المعطيات الطبيعية ( ما يسمونه الموهبة او الخيال او الاحساس أو الحاجة الى قول الشئ ) ثم هناك الكيفية ( ما يسمونه الاسلوب او الشكل ) وطبقا لذلك الشكل والاحساس يصبحان جزأين فى كل ، يصبحان موقفا واحدا . لكن الاهم من كل ذلك ، فى النهاية هو العطاء . أى العاطى هو (( الشعر )) أى الشاعر . وسواء أكان هذا العالم متداعيا أم ناهضا ومتاكلا أم متضامنا ، ومهما يكن (( مفهوم الخلق )) تبعا لذلك ، ليس هذا هو المهم . المهم هو الخلق بذاته : يكون تخليدا للحياة أو لا يكون . يكون ضد الموت او لا يكون . يكون فى قلب الاحشاء او لا يكون . يكون مشعا ، شفافا ، محررا ، خدوما لسعادة البشر او لا يكون . لا يهمنى كيف يبدع الشاعر شعره او الرسام لوحته . لا يهمنى الا الشعر ، اى الشاعر ، الا اللوحة ، أى الرسام .
ثمة عطاء أو لا عطاء ، وثمة عطاء (( يصل )) ، (( ينتقل )) الى البشر أو يبقى مقطوع الصوت . انهم لا يتعلمون الخلق فى المدارس ، كما أنهم لن يستطيعوا قتل الخلق بالرصاص .
( س ) - تقول - يا استاذ أنسى الحاج متحدثا عن (( شعرك هذر والشعر قهر مشدود النواجذ يخنقه الحنين )) فالشعر بالنسبة لك هو (( الجنون )) . وتقول فى المقدمة لديوان (( لن )) : (( ان أمام هذه المحاولة امكانين : اما الاختناق او الجنون بالجنون ينتصر المتمرد ويفسح المجال لصوته كى يسمع )) . فما هو مفهومك اذن للشعر وللجنون ؟ - ثم تعريفك الخاص لقصيدة النثر ؟ ورأيك الخاص الموجز فى تجربة أدونيس ويوسف الخال فى هذا الاتجاه ؟
( ج ) الجنون ، كما استعملته فى مقدمة (( لن )) هو اللا عادى واللا مألوف والضد المتعارف عليه . هو عصيان القوانين . أى هو الحرية . عندما بدأت كتابة الشعر بالنثر كنت أواجه سدا منيفا من الرفض والمقاومة والسخرية . لم أكن وحدى لكنني كنت وحدى . غامرت بكل شئ . كان الاحتمال الطبيعى هو اما أن أتراجع أمام (( الفشل )) واختنق ، أو أمنح (( جنونى )) الشعرى فرصة أخرى للازدهار والتفتح وأمضى فى طريقى . لقد مضيت . أنا متمرد . اقول هذا من باب تقرير الامر الواقع . (( معى )) تمرد كأن تقول (( معك )) صداع ، أو ألف دينار .
دعنى أرجع الى قضية (( الجنون )) . لسنوات خلت كنت أحس أن العالم متوازن وعاقل وان الناس (( هم )) المجانين . كنت أظن أنى (( أنا )) مجنون . كنت أقف أمام ساحات بيروت المشعشة بالكهرباء وبناياتها الطويلة المزدحمة بالنشاط والدهاء ، وأتساءل : أيمكن أن يكون كل هذا مجنونا وأنا وحدى العاقل ؟ كنت أشعر بأنى مذنب ، وأن العالم سليم وبرئ . لو يمكنك أن تعرف كم كنت مخطئا حينذاك . لا تصدق لحظة واحدة انك " أنت المجنون . انه مجنون بالمعنى المنحط ، الاجرامى ، اللا انسانى . مجنون . لكنه ، هو الاكثرية ، يبدو كأنه (( هو )) العاقل . ذلك بأن الأكثرية هى التى تفرض النظام والقوانين . هى التى تستثمر الحياة . لذلك يبدو العقلاء ، وقد صاروا اقلية , بيدون (( جانين )) . أقسم لك أنى : لست مجنونا . لقد أصابنى هذا العالم وبعض عقده ومركباته وأمراضه لكنه لن يقنعنى ابدا بعد الآن بأنه هو المصاب وأنا الانحراف . هو الانحراف وأنا الصواب . لماذا ؟ لانه يريد خوف الانسان وأنا أريد فرحه . لانه يريد سحق الانسان وأنا أريد حريته - لانه يريد الشقاء وأنا لا أريد الا السعادة .
وما أبعدنا عن قصيدة النثر ! تريد تعريفى لقصيدة النثر ؟ بسيطة جدا : انها قصيدة ! قصيدة غير موزونة ولا مقفاة . (( قصيدة نثر )) . انها قطعة شعر نقرأها (( تغنيها ))وتحبها ، أو لا تحبها . بكل بساطة . الباقى اجتهاد .
رأيى الخاص الموجز بتجربة أدونيس ويوسف الحال الشعرية فى قصيدة النثر ؟
أدونيس عرج على قصيدة النثر من باب التجريب المختبرى ، من باب التنويع الشكلى ، وقد أفاد كثيرا . لكنه مطبوع على الوزن والاشكال الحديثة فى الوزن تعطيه معظم ما يشتهى .
يوسف الخال ؟ كل الاشكال بالنسبة الى يوسف الخال موضوعات (( اختبار )) .
ان أكثر ما يستهويه فى الشعر هو الوقوع فى تجربة (( التجديد )) . مسحور بالمبتكرات . الشعر العربى فى نظره لن ينطلق الا بعد دخوله فى كل التجارب . لذلك لا يهمه (( الشعر )) بقدر ما يهمه ، الآن ، الخلاص من القديم . يوسف الخال يعتمد الشكل الجديد - أى شكل كان - أحيانا ، حتى دون شغف عميق به ، ومن قبيل الهواية . من قبيل جس النبض .
( س ) - فى العدد ( 16 ) من مجلة (( شعر )) كتبت يا أنسى الحاج دراسة عن الشاعر الفرنسى أنتونان آرتو ، فقلت : (( أقدر أن أعطى عنه دراسة منسجمة . انه يربض على ولا استطيع )) فما هو وجه الشبه ؟ وما هى العلاقة بين مرض الشاعر آرتو بالسرطان واستعمالك المفرط لكلمة (( سرطان )) فى شعرك ؟ فالى أى شئ هى ترمز ؟
( ج ) وجه الشبه هو هاجس الجسد . جسد الجنس وجسد الموت . جسد اللذة وجسد المرض والعذاب . كان أرتو لا يزال شبه مجهول فى فرنسا نفسها ) ينظر الى جسده ويقول : كيف يمكن أن أصير حرا بالمعنى الكامل ما دمت عبدا لجهازى العصبى والهضمى ؟ ومات أرتو بالسرطان . أنا ، منذ ماتت أمى بالسرطان سنة 1945 ، رسخ فى اعتقاد بأنى سأموت بالسرطان . بأنه مرض وراثى . بأنه رمز لشئ رهيب هو تفكك الحياة وتعفنها وانهيار العالم , عندما اكتشفت انتونان أرتو قبل سنوات وكتبت ما كتبت . أحببته لحوادث حياته أكثر مما أحببته لشعره . وجدت فيه برهانا على هواجسى . السرطان فى شعرى هو المرض المعروف ، نعم . بكل بساطة . لكنه أيضا كل (( دورم )) : لماذا لا يكون سبب السرطان ، كما كتبت لى مرة قارئة مجهولة ، هو كبت الحب , هو منع التعبير عن حاجاتنا ، هو الحرمان ، هو الاستبعاد النفسى والجنسى ! قد يكون . وهذا يعيدنا الى الحرية . لا شئ يستحق الموت الا الحرية ، و لا شئ يستحق الحياة الا الحرية ، ولا شئ يستحق القيام من الموت الا الحرية .
( س ) - المرأة كشكل غائبة فى شعرك . فهل أنت - يا استاذ الحاج - قد (( صهرتها فى لهيب من الميتافيزياء الشعرية ، وذوبتها فى الرؤيا )) كما يقول ( أدونيس ) أم نفيتها عمدا من عالمك الشعرى ؟
( ج ) ليست غائبة تماما . فى البداية ، ربما . ولعل سبب هذا الغياب الشكلى للمرأة فى شعرى ( فى (( لن )) ) هو ما يسمونه (( التصعيد )) . كنت محروما . الحرمان يولد الصوفية . الحرمان يولد التصعيد . التصعيد يصل الى الغيب . التصعيد تجريدى ، هنا . المرأة فى شعرى وفى حياتى هى الكل ,
هى المطلق ، هى الحياة . أستعيض بها عن الطبيعة وعن الله . انها الجمال المثال البارد كما أنها نار الحب . انها الموت المضاد للموت . قل لى ، هل تعرف أنت أروع من امرأة رائعة ؟ قد يكون تفسير أدونيس صحيحا ، لكن ثق انى لم أنف المرأة عن عالمى الشعرى . هذا هراء ! لو لم يكن هنالك امرأه فى العالم لكنت انتحرت . انها وحدها تستحق الانتظار ، والعطور ، والزيارة .
( س ) - أنت يا أستاذ أنسى - قد حذفت فى ديوانك ( لن ) كثيرا من الحروف التى تصل بين الكلمات . وعديت الفعل اللازم مباشرة على الضمير . فهل ترى أن التجديد ينبغى أن يشمل حتى اللغة وقواعدها ؟
( ج ) - الشعر لغة . لغة الشاعر هى ، قبل كل شئ ، (( هو )) أى : دورته الدموية , أنفاسه ، ضغطه ، سرعة نبضه ، لغة الشاعر فى جسده . اذا كنت عديت الفعل اللازم مباشرة على الضمير فليس لانى تعمدت التجديد ، بل لانى (( أتكلم )) هكذا .
( س ) - مجلة (( شعر )) ، التى تعد أنت - (( أنقى )) عناصرها على حد تعبير أحد أسرتها فى رسالة منه من باريس فى 1961/2/25 إلى يوسف الخال ديوان ( قصائد فى الاربعين ) هذه المجلة الرائدة ، تبحث لها عن رؤيا خاصة ، فهل تراها أنت شخصيا قد نجحت فى تحديدها ؟
( ج ) - كانت مجلة (( شعر )) اطارا ممتازا لنشاط شعراء وكتاب يولدون ولادة جديدة . الرؤيا التى تسألنى عنها كلمة مطاطة . ليس لمجلة (( شعر )) رؤيا شعرية وانما لكل واحد من شعرائها رؤيا شعرية . مجلة (( شعر )) ككل مجلة رافقت أو حضنت حركة جديدة ، هى فى الاخير ، (( مجلة )) . محض مجلة . هى منبر . وقد نجحت (( شعر )) فى أن تكون الغرفه التى اجتمع بين جدرانها أولئك الذين كانوا يولدون ولادة جديدة . ويوم شعرنا ان نشاطنا بدأ يفتر ، أوقفناها ، ويوم شعرنا أننا عدنا بحاجة اليها ، أصدرناها من جديد . المجلة تجئ وتروح . نحن أهم منها . المجلة ليست حزبا . المجلة خشبة مسرح . يغلق المسرح أبوابه أو يفتحها ، لا فرق . ليس هذا هو المهم . المهم هو رجل المسرح . إذا كان عند رجل المسرح شئ يقوله ، يقوله . اذا المسرح أغلق أبوابه فلن يغلق رجل المسرح فمه . والا يكون رجل المسرح تافها .
( س ) فى مقال لك تحت عنوان ( واقعية المرض والانفعال ) بمجلة شعر ( عدد 2 ، السنة الاولى 1957 ) تقول انك قد زرت تونس . فما رأيك فى تونس وما هو الهدف من زيارتك ؟
( ج ) - لى فى تونس أصدقاء كلما تركتهم لارجع الى بيروت أحسستنى مقتلع الكيان من وطنى . فى تونس براءة لونها أخضر ولها رائحة العنبر . أحيانا يخيل الى أن تونس هى لبنان الضائع . هى وجه لبنان العفوى ، الصديق , الهادى . أحيانا أكره لبنان لأنه ينسينى حب تونس .
لا أقول هذا مجاملة . أول سفر كان لى خارج لبنان هو تونس .
لذلك لا يمكن أن أحبها الا بشغف ، بمثل الحنان اللا محدود .
أما الهدف هذه المرة فهو الاشتراك بمهرجان قرطاج السينمائى . بجانب ذلك - وكما تعرف أيها الصديق محمد مصمولى - هدفى هو السفر : هذه المرأة الهاربة فى الهواء ، أمام الطائرة ، بسرعة تخترق جدار الموت !
م . م .
