الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مقدمة فى الشعر الملحون

Share

- 17 -

اذا كان السبب الخفيف يشكل وحدة صوتية ، فان تجزئة هذه الوحدة لا يكون الى وحدات ، بل الى اجزاء الواحد ، لذلك كان لزاما علينا ان نفترض للصوت مركبا بسيطا لا ينقسم ولا يكتفى باجزائه . وهذا المركب هو السبب الخفيف فاذا قسمنا هذا السب الذى هو واحد الى نصفين قلنا فى نصفه ، سبب مقطوع واذا ما افترضنا هذه القاعدة تبين لنا ان الحروف الهجائية بوصفها أداة من أدوات الصوت لا يمكن ان تستقل بنفسها فى النطق بل يجب ان توصل ووصلها له أربع صور :

أولا : صورة المدوله ثلاثة أشكال :

أ - المد بالواو كالواو مع النون فى ( نور ) ب - والمد بالياء كالياء مع الميم فى ( ميم ) ج - والمد بالألف ممدودة كانت أو مقصورة كالألف مع الباء فى ( باع ) والألف مع الشين فى ( مشى )

ثانيا : صورة التنوين :

وهى ان يشكل الحرف مع التنوين مفردا صوتيا واحدا . والتنوين ثلاثة اصناف : تنوين النصب وتنوين الرفع وتنوين الجر .

ومثاله : النون مع الباء فى (كتاب)          والنون مع الباء فى (قرأت كتابا)          والنون مع الباء فى (دونت فى كتاب)           فالباء في ب (بن)                 و  با  (بن)                 و ب (بن)

لها صورة فى النطق حسب ما هو معروف فى تقطيع الشعر على غير ما هى عليه فى الكتابة لذلك افردنا التنوين بالذكر لننبه اليه وان كان يمكن ايراده مثالا فى قسم الحروف الصحيحة التى تصور عليهـــا نقطــة النهــاية فى الخط الصوتى .

ثالثا : السكون او نقطة النهاية فى الخط الصوتى التى تقـع على حـــرفى الــــواو واليــــــاء وهما حرفان من احرف العلة الثلاثة .

ومثال ذلك الواو مع الباء فى   ( بون )              والياء مع الباء فى   (بيت)

وكان بالامكان اقحام هذا القسم فى باب المد الا انني افردته بالذكر لما يترتب عليه من أحكام فى ضرب البيت وكذلك لم اعده فى باب السكون الذى يقع على الحروف الصحيحة لنفس الغرض وللفارق الذى يكون بين الحروف الصحيحة والحروف اللينة عندما تكون فى حال سكون ونقطة نهاية فى الخط الصوتى .

رابعا : الاحرف الصحيحة :

ومثال ذلك السكون الذى يقع على اللام مع العين فى  ( علم )  او مع اى حرف آخر صحيح كالنون مع الجيم فى  (جند )   والكاف مع الشين فى ( شكر )

وليقس على هذا بقية الحروف الصحيحة .

ويترتب على هذه التفريعات كلها حكم واحد يدخل علم الصوت وماهيته ، وهو ان الحروف باعتبارها أداة من أدوات الصوت هى خاضعة لهذا القانون الذى افترضناه للخط الصوتى من نقطة البداية الى نقطة النهاية .

ويكون نتيجة لكل هذا ان الحرف الواحد لا يمكن ان يؤدى بمفرده خطا صوتيا يتضمن مفردا ووحدة صوتية .

فلا يمكننا ابدا ان نقرأ حرفا من الحروف الهجائية مستقلا بذاته دون ان نسنده الى حرف آخر ساكن كان هذا الحرف الثاني مدا او تنوينا او حرفا صحيحا ساكنا .

ولعل مرد قراءة الاحرف الهجائية دون الاقتصار على الحرف منفردا بذاته يرجع الى هذه الحساسية الذوقية الموسيقية ، فالاحرف تقرأ عند الاول ( بـــاء ) ( تـــاء ) ( حـــاء ) ( خـــاء ) ( جيـــم ) ( كـــاف )

ولا تمثل الحروف فى الصوت باعيانها فلا يقال عند قراءتها - ب - ت - ث - ج - ح - خ - ك - الى آخره .

وقد كنا قدمنا فى رسالة سالفة الى الخط الصوتى وقسمناه الى :

خط سمعى رمزنا له باحرف ثلاثة : الباء اشارة الى نقطة البداية والنون الى نقطة النهاية والسين بينهما الى المسافة غير محدودة الطول .

ثم استطعنا ان نقيس بواسطة هذا الخط الضابط الحركات المنفردة التى نجدها فى كل من الوتد المجموع والفاصلة الصغرى والفاصلة الكبرى و الوتد المفروق والسبب الثقيل على اعتبار ان الوتد المفروق والسبب الثقيل مفردان ايقاعيان وان هذه الحركات المنفردة يمكن ن نضبطها بطريق هذه المعادلة المفترضة .

وهى خط : ب س م ، أو : ب س ن الآن يساوى : ب س م ، وقد عوضنا النون التى هى نقطة النهاية ميما إشارة الى المسافة المقطوعة ، ثم سلطنا هذه المعادلات التى ضبطنا بها الصوت فى المفردات الايقاعية بالنسبة للشعر العربى ضبطنا بها مفردات الشعر الشعبى الايقاعية .

وهى اولا : السبب الخفيف ورمزنا له بهذه الاحرف : الباء والسين والنون سبب خفيف        ا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ا                           ب               س                    ن

ثانيا : سبب مضاعف ب س ن + ب س ن - ب س = ب س ن ن

وجعلنا السبب المضاعف سببا لينا وهو ما انتهى الصوت فيه حرف مد ، وسببا صحيحا وهو ما انتهى الصوت فيه بحرف صحيح .

ومثلنا للسبب المضاعف اللين بالامثلة التالية : قول ، كول ، شوف ، دور ، غول ، فول .

اما السبب المضاعف الصحيح فقد مثلنا به بهذه الامثلة قلت ، وشفت ، درت ، عملت .

وهكذا اهتدينا الى كشف المفرد الايقاعى فى الشعر الشعبى وقدمنا فى الرسالتين الماضيتين لوزنى البورجيلة والعروبى وقلنا ان وزن البورجيلة يتألف السطر الواحد منه من تسعة مقاطع او مفردات ايقاعية يكون المقطعان الثاني والخامس منها سببا مضاعفا حتما ويتعين فى المفردات الباقية ان تكون اسبابا خفيفة عدا السبب التاسع فانه يكون احيانا سببا خفيفا واحيانا اخرى سببا مقطوعا واقدم لكم فى هذه الرسالة امثلة من البورجيلة فقد ورد في كتاب الصادق الرزقى ( الاغانى التونسية ) طبعة الدار التونسية للنشر بمراجعة هيأة تابعة لكتابة الدولة للشؤون الثقفية والاخبار هذه الاغنية المعروفة المتداولة على الالسن : والعين تنحب من فراق غزالى .

المذهب أو الطالع أو رأس الركاب حسب تسمية أهل البادية أو ردة حسب تسمية المرحوم الصادق الرزقي فى هذا الكتاب .

والردة كلمة متعارفة فى الاوساط الشعبية وهى الكلمات التى تقاطع بها المجموعة الصوتية ابيات المغنى عند الانشاد فيقال غن واحنا نردو عليك ، أو غن وهوم يردو عليك أى أنشد والمجموعة التى حولك تساعدك وتردد المذهب ، وتسمى المجموعة فى تونس الردادة وفى البادية تسمى السعفة من اسعفه يسعفه فهم مسعفون جمع مذكر سالم أو سعفه وهو جمع تكسير وجمع التكسير وحده هو المستعمل .

(1) عروبى  :

فراق الحيا يذبل الروح      ويا عين بالدمع نوحى

نبكى والقلب مجروح       من يوم فارقت روحى

- رده :

( 1 )  العين تنحب من فراق غزالى

                     حتى لذيذ النوم ما يحلى لى

- بيت :

رحلو بيها

       سود الميامى مذبلة عينيها

لو كان صابت حكمها بيديها

              يحدث عليها تقول جيبوا خالى

عروبى :

يحدث على العبد ساعات

شئ الذى لا يوالم

واللى يقرأ العقوبات

تبعد عليه المظالم

( 2 )  وزنت حكرت الاوقات

( 3 )  لا حد من حد سالم

(2)  بيت :

حـــكــــــــــــــــــــــــر تنجـــــــــــــــــى

             اوزن بعقلك فى مثيل السنجه

محال نصبر (4) على فراق الغنجه

      (5) وفراقها ما كانشى فى بالى

- عروبى :

فراق الحيا مر وصعيب

خلف دموعى تقاطر

فرقه بلا موجعه عيب

ما تتنسى من الخواطر

(3) بيت :

ما ننساها

        قلبي مولع بحبها وهواها

كانت حذايا كل يوم نراها

             رحلت وخشت فى فجوج خوالى

- عروبى :

رحلت على وغابت

        خشت فجوج الخليه

كبدى من الوحش ذابت

          والايام طالت على

تتفكرنيش ثابت

         فى غيبتى يا بنيه

(4) بيت :

بعد الغيبه

       ما يفڤد الانسان غير حبيبه

جرح المحبه يا ناس من هو طبيبه

              تساعدو الايام كيف توالى

- عروبى :

(6) الايام عديتهم مرض

            سبب مرضتى بالغبينه

نمشى جهامه على الارض

       (7) في وسط سوق المدينة

خايف من لكة العرض

            لا تشمت الناس فينا

(5) بيت :

كيف بتنا صبحنا

      (8) بارى كلام الناس لا يفضحنا

تصبح على خير وتسامحنا

            والعين تنحب من فراق غزالى

ولقد اخترت هذه الاغنية مثالا لانها تشمل الوزنين اللذين كنت تعرضت اليهما فى الرسالتين الماضيتين وهما وزن البورجيلة ووزن العروبى ، ولعله من المفيد هنا ان ارسم لكم مثالين لهذين الوزنين البورجيلة للصدر - وللعجز : فالان فافالان فافافاف ( _ 0 ) ( _ 0 0 ) ( _ 0 ) ( _ 0 ) ( _ 0 0 ) ( _ 0 ) ( _ 0 ) ( _ 0 ) ( _ )

أو بتسكين العين : فعلان فافعلان فعلن فعل

أو     ( دا ) ( داى ) ( دا ) ( دا ) ( داى ) ( دا ) ( دا ) ( دا ) ( د )

1              2                 3                4               5                6              7               8             9 سبب خفيف   سبب مضاعف   سبب خفيف     سبب خفيف   سبب مضاعف   سبب خفيف   سبب خفيف   سبب خفيف   سبب مقطوع

أما وزن العروبى فمثاله

الصدر : فالان فالان فالان العجز : فالان فالان فال أو للصدر : فعلان فعلان فعلان للعجز : فعلان فعلان فعل تسكين العين

أو للصدر : داداى   داداى   داداى للعجـــــــــــــز : داداى   داداى    داد

1                2                     3                 4                    5                    6 ( _ 0 )        ( _ 0 0)          ( _ 0 )        ( _ 0 0)             ( _ 0 )           ( _ 0 0)  سبب خفيف    سبب مضاعف       سبب خفيف    سبب مضاعف          سبب خفيف        سبب مضاعف

العجز :

1                2                   3                   4                     5                    6 ( _ 0 )        ( _ 0 0)          ( _ 0 )             ( _ 0 0)            ( _ 0 )           (  _  )  سبب خفيف    سبب مضاعف       سبب خفيف     سبب مضاعف          سبب خفيف        سبب مقطوع

وللعروبى صياغات أخرى سنذكرها فى الفروع فاذا ما حاولنا ان نسلط هذين الوزنين البورجيلة والعروبى على هذه الاغنية تبين لنا فيما يتعلق بالبورجيلة .

ان الاشطر الموزونة ، ويسميها البدو ( المذبدة ) هى الآتية : الشطر الاول وهو :

العين تنحب من فراق غزالى

والشطر الثالث من البيت الثاني اذا سكننا فيه لام على وقلنا عل :

محال نصبر عل فراق الغنجه

والشطر الرابع من البيت الثانى وهو :

وفراڤها ما كانشى عل بالى

والشطر الثانى من البيت الخامس اذا أدخلنا عليه هذا التعديل وقلنا :

باريك قول الناس لا يفضحنا

بدلا من :

باريك كلام الناس لا يفضحنا

أما الاشطر الاولى المجزوءة من كل بيت فهى موزونة عدا الشطرة الاولى من البيت الاخير وهى :

كيف بتنا صبحنا

فهى شطرة مزحوفة .

ويدعى القصيد الذى به اشطر مجزوءة مقطوف - أو : مقطوف جناحه . وتقطع الام بعضا من أذن وليدها مخافة ان يموت وتسميه مقطوفا ويكنى إذا كبر وكان رجلا ( المقطوف ) ويطلق عليه اسما ويبقى فى عقبه لقبا . أما بقية ابيات هذه الاغنية فاستطيع أن أدعى بانها محرفة حرفها الرواة وحجتى فى هذا الادعاء هى الابيات الموزونة التى اش    لا سيما : الشطر الاول الذى هو :

العين تنحب من فراق غزالى

وتقطيع هذا الشطر :

( _ 0 )     ( _ 0 0)      ( _ 0 )       ( _ 0 )       ( _ 0 0)        ( _ 0 )          ( _ 0 )        ( _ 0 )        ( _ )  ( الـــــــ )        ( عين )         ( تنــــــ )         ( حب )         ( منفـــــ )         ( ر ا )           ( قغ )           ( زا )           ( ل ) سبب خ      سبب مـــ        سبب خ       سبب خ          سبب مـــ            سبب ق        سبب خ         سبب خ         سبب خ 1                2               3             4                 5                  6              7                8                9

أما العروبى فاننا نلاحظ ان بعض الاشطر منه موزونة فقط مثل الشطرة الخامسة فى العروبى تكون موزونة لو أدخلنا عليها بعض التغيير وقلنا :

أو :

وازنت حكرت الاوقات

حكرت ووزنت الاوقات

بدلا من :

وزنت حكرت الاوقات

كذلك الشطرة السادسة من العروبى الاول :

لا حد من حد سالم

فهى شطرة ثابتة كاملة فى ميزانها .

كذلك نلاحظ فى العروبى الرابع ان الشطرة الاولى والرابعة منه فقط موزونة وهى :

الايام عديتهم مرض

وفى وسط سوق المدينة

وكان لزاما علينا ان نفوم بتنبيه القارىء الى هذا المثال وهو الاغنية :

العين تنحب من فراق غزالى

لاننا بصدد تقديم دراسة ولم نكن نقدم عرضا للشعر الشعبى . أما الزحافات والعلل التى تضمنتها هذه الاغنية وغيرها من الاغانى والقصائد المروية لنا من الادب الشعبى . فسيأتى الحديث فيها فى بابها عندما

نقنن مصطلحات الزحافات والعلل التى تدخل المفردات الايقاعيه للشعر الشعبى .

أما فى هذه الرسالة فيمكننا تسليط الوزن على كل شطرة من الابيات او من العروبى لتعرف هل هى موزونة أم لا .

ولا يفوتنى فى هذه الرسالة أن أنبه الى ان القصائد الواردة فى وزن البورجيلة لها هندستها الخاصة ، ولها بناؤها الذى يحسن بنا ان نتحدث عن أصوله وفروعه ، فى رسالة قادمة .

اشترك في نشرتنا البريدية