يذهب الباحثون فى تعريف الشعر الملحون مذاهب متعدده ومتغايره ، فمنهم من يجعله أدبل شعبيا لانه نابع من الشعب ، ولانه لا ينتسب إلى أية ثقافة من الثقافات المدونه
ومنهم من يرى أن الشعر الملحون لا يمكن أن يكون أدبا شعبيـ لانه ينسب إلى اشخاص بذاتهم .
وهذا الفريق الثاني من الباحثين يرى أن الادب الشعبى هو ما جهل قائله وما نسب إلى الشعب .
وإنى لأرى فى هذا الرأى الاخير مأخذا مكشوفا ، فلا يوجد أدب واحد فى العالم لا يصدر عن الفرد ، وان الادب فردي وإن جهل قائله ، وإن التحريف الذى يدخله الرواة على أدب عرف قائله ، هو كالتحريف الذى يدخلونه على من جهل قائله وإنى لو كنت ابحث في الادب الشعبي لاسترسلت في هذا الحديث ولكنى أريد بهذا الحديث إعطاء حقيقة للشعر الملحون الذي هو أحد مظاهر الثقافة الشعبية
إن تسمية الشعر الشعبي بالملحون لا تخلو من تجاوز وتسامح فالشعر الشعبي فى واقعه ليس شعرا ملحونا على الاطلاق وإن مفهوم هذه الكلمة وهي الشعر الملحون عرقل الباحثين ووقف بهم عن اكتشاف الحقيقة العلمية لهذا الشعر ، فأخطأوا الصواب ، وأساءوا الفهم ، واغلقوا الباب فى وجه الباحثين الذين اعتمدوا أراءهم ، وسار على هديهم ، وبقيت ماهية الشعر الملحون مجهولة بمفعول هذه التسمية التى أطلقها أناس لم يتعمقوا فى البحث ، ولاهم درسو المسألة درسا موضوعيا منهجيا . يعتمد الإستقراء والتتبع واعمال الرأي الشخصي فاكتفوا فى ابحاثهم التي كتبوها بتبرير هذه التسمية وتحليلها حتى استخرجوا منها علما سطحيا أغفلوا فيه الحقيقة وأضاعوا اللب وتمسكوا بالقشور فى بحثهم الشعر الشعبي فقالوا إن الشعر الملحون فى أصله شعر عربي متفرع من الاوزان التي ضبطها
الخليل بن أحمد الفراهيدي
وإن الفارق فى هذا الشعر والشعر العربي هو أن الشعر العربي شعر معرب ، وهذا الشعر الملحون دخله اللحن وأهمل فيه الإعراب .
وانطلق الباحثون من هذه النقطة وكأنهم فى كل ابحاثهم يحللون التسمية ويبررونها وهو لعمرك بحث لا يعتمد أية قاعدة صحيحة ولا أية مقابلة عملية بين الإيقاعات الشعبية في هذا الشعر والإيقاعات العربية الاصيلة ، التى استقرأها الخليل وحللها .
فكانت كل أبحاثهم لا تعتمد أي ضابط علمي صحيح .
وذهب البحث بهؤلاء إلي ذكر أسباب تاريخية جعلت الشعر الفصيح القديم أحيانا شعرا ملحونا كما لو كانوا يحللون اللغة الفصحى من حيث هي لغة تخاطب ، من لغة فصيحة معربه إلى لغة ملحونة ، وحسبوا أن يمكن أن يسلط على اللغة من أحكام فرضها التاريخ يمكن أن تسلط بدورها على الشعر العربي وتحوله إلى شعر ملحون .
وقالوا أن الفتوحات الإسلامية واختلاط العرب بالاعاجم ، هو الذي سبب هذا التحول في اللغة وفي الشعر معا ، وذكروا في باب الاستدلال حوادث بعينها فقالوا إن يزيد بن عبد الملك كان لحانة ، وأن المعتصم كتب الشعر بلغة معجمة إلى غير ذلك من الاستدلالات الخاطئة ، التي لا تصلح أن تكون شاهدا في هذا الباب
ووددت لو أن هؤلاء الباحثين كانوا من علماء العروض أو على الاقل من علماء الموسيقى ممن لهم دراية بالايقاعات وبالمسافات الصوتية التى تفصل تلك الإيقاعات عن بعضها بعض إذ لو كانوا من هذا الصنف لادركوا خطأ ما كانوا يعتقدونه صحيحا فى تحليل هذا الشعر الذى يسمونه ملحونا
الشعر الملحون إذن تسمية غير صحيحة وليس لها أي مدلول الشعر الشعبي. لان الاوزان التي يختص بها الشعر الشعبي مر بورجبله ، وسوقة ، وفاسي وعروبي ليست لها اية صلة بالتفعيلة العربية اطلاقا .
وإن فلسفة اللغة التونسية وطبيعتها تخالف من حيث ايقاعها طبيعة اللغة العربية ، وإن كانت لغتنا التونسية تتركب جملها من مفردات
يرجع معظمها إلى أصل عربي ، بحيث يمكننا أن نرجع المفردات التونسية إلى أصولها العربية وأن نقول إن اللغة التونسية الدارجة متفرعة عن اللغة العربية . ولكن نسبة اللغة التونسية إلى لغة أم هي اللغة العربية ، لا يمنعنا من أن نقول إن الاوزان والبحور الشعرية التونسية ، ليست لها آية نسبة للشعر العربي وللبحور العربية ، وليس لنا أن نخطو خطى ابن خلدون فى مقدمته التى ذكر بها نماذج من شعر بنى سليم ورياح ومن شعر الهلاليين ظنا بأن هذه النماذج التي ذكرها ابن خلدون هي أصل لشعرنا الملحون .
والواقع يثبت أنه لا صلة بين هذا الشعر الهلالي وشعرنا التونسي اليوم وسيتبين لكم ذلك عندما ندرس كلا الشعرين
تكاد تشترك لغات التخاطب فى تونس وطرابلس والجزائر والمغرب الأقصى فى طبيعتها . ويتحد ايقاع الشعر فيها من حيث بحوره وأوزانه .
فإذا كانت اللغة العربية تعتمد فى ايقاعها الحركة والسكون وإذا كانت الحركة تتعدد فى الكلمة عند العرب . فتكون وتدا مجموعا
وفاصلة صغرى وفاصله كبرى ، وتتعدد الحركة أكثر من ذلك في غير الشعر أي في النثر العربي فإن اللغة العامية من هذه الناحية لها شكل ثان بل شكل مغاير للشكل العربي
فإذا كنا نستطيع أن نقول فى العربية الفصحى جرى بحركتين وساكن - وضربت بثلاث حركات وساكن و لعب الظبي بأربع متحركات وساكن فإننا لا نستطيع ذلك في اللغة الدارجة التونسية . فإننا وإن أخذنا عن اللغة العربية هذه الكلمات جرى وضربت ولعب الظبي من حيث هى الفاظ لها معان فإننا لم ننقل عن العرب إيقاع هذه الكلمات ، وضعناها حسب طبع اللغة التونسية ذلك الطبع الذى لا يخرج عن الساكن والمتحرك الواحد ، فإنك لا تجد كلمة واحدة فى لغتنا التونسية بها حرفان متحركان - وإذا كان المتحرك لا يتعدد فى الكلمة فإن الساكن يتعدد في اللغة التونسية ، ويفرق فى الشعر خاصة بين الساكن الحي والساكن الميت من حيث الايقاع الشعرى ، فنقول هنا فى تونس . بدلا من جرى بحركتين إجرى وهى كما ترى نصف متحرك وهى الهمزة التي ولدناها قبل الجيم فى إجرى - وساكن الذي هو الجيم ومتحرك
الذى هو الراء وساكن الذي هو الالف المقصورة ونقول فى ضربت ذات الحركات الثلاث والساكن فى العربية ضربت وهي كما ترى تتكون من سببين خفيفين
وفي لعيب الظبي التي تمثل فاصلة كبرى إلعب الظبي فأنت عندما تتبع لغة التخاطب عندنا تجد أن هذه اللغة لا تتعدى أن تكون ساكنا ومتتحركيل أو ساكنين ومتحركا ، فكيف يمكننا والحال هذه أن نقول إن الشعر الشعبى هو شعر ملحون ، وأنه شعر عربي في إيقاعه نزعت منه علامات الإعراب التى تلازم آخر الكلمات يحسب موقعها فى الجملة
فلماذا تلفت نظر هؤلاء النقاد علامات الاعراب فقط ويهملون مظاهر التحول والتغيير الاخرى في المفرد العربي عندما يدخل لغتنا المعامية .
فعندما نأخذ مثلا فعل ضرب فلم نسكن الباء في ضرب وحسب بل نسكن كذلك حرفا آخر الذي هو فاء الكلمة وهو الضاد ونولد همزة قبل الضاد نعطيها نصف حركة فنقول بدلا من ضرب الولد إضرب لولد ، وإذا كانت لغة التخاطب هى المادة الاولى للشعر . فيجب أن ندرس طبيعتها وهندستها قبل أن ندرس الشعر ونحكم بأنه شعر عربي يرجع إلى أوزان الخليل ، تلك الاوزان التي لم تعتمد الاسباب الخفيفة وحسب حسبما ضبطه الخليل - بل أن تلك الاوزان تعتمد السبب الخفيف والسبب الثقيل - والوتد المجموع والوتد المفروق والفاصلة الصغرى والفاصلة الكبرى - وقد كنا أشرنا لذلك .
وإن كنت أود لو أننى أحذف من قوانين الخليل السبب الثقيل لانه لا سبب ثقيل في كلام العرب إذا اعتبرنا أن العرب لا تقف عند متحرك
وكذلك الوتد المفروق لانه شكل افتراضي فهو يتكون من سبب خفيف وحركة وهذه الحركة إما أن تكون هى الاخيرة في الكلمة وهنا يجب أن نسكنها - أو أن يعقب هذا الوتد المفروق كلمة أخرى فتلحق هذه الحركة بالكلمة التي تلتها وتكون معها وتدا مجموعا أو إحدى الفاصلتين الصغرى والكبرى .
إذن فالشعر العربي عندى يتكون من سبب خفيف ومن وتد مجموع
وفاصلة صغرى وأخرى كبرى وإنى لا تنكر للتحذلق المنطقي عند من أرادوا اختصار الفاصلتين وجعلوا الفاصلة الصغرى مركبة من سبب ثقيل وسبب خفيف والفاصلة الصغرى من سبب ثقيل ووتد مجموع لأن هاتين الفاصلتين لهما وجود فعلي في شعر العرب فهل يمكن مع هذه الكلمات ذات الحركات المتكررة أن نقيس أوزان الشعر الملحون . ونقول بعد ذلك الشعر الملحون - انما سمي ملحونا لانه نزعت منه علامات الإعراب وأنه لو أعدنا له علامات الإعراب لكان شعرا عربيا
وإنه ليدفعني إلى الاستغراب المذهب الذي ذهبه الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب ، إذ حاول أن يرجع الشعر الملحون إلى الشعر العربي واتخذ من مقدمة ابن خلدون ومن شعر الهلاليين مصدرا ومنطلقا لبحث هذا الشعر .
فإذا إعتبرنا أن الكلمات هى خلايا اللغة - فإن خلايا الكلمات التونسية من حيث تركيبها وإيقاعها هى غير خلايا الكلمات الفصحى .
وهذا ما جعل الاستاذ وليام مرسى يذهب مذهبا آخر ويعطى حدا للشعر التونسي يفصله عن العربية من حيث إيقاعه ، ويلحقه بالشعر الفرنسي أو اللاتيني . ويقع الأستاذ مرسي فى خطأ أكبر من الأول لأن الشعر الفرنسي يعتمد الحركة وهو من هذه الوجهة أقرب للشعر العربي منه إلى الشعر التونسي ، ويظهر من بحث الأستاذين حسن حسنى عبد الوهاب ووليام مرسي أن الأول يريد أن يعرب الشعر و الثاني يريد أن يفرنسه
وإنى لا عجب كذلك للاستاذ مرسي كيف يقع فى مثل هذه الهفوة ويتعجل فى الحكم فيجعل الشعر الملحون يعد بالارجل أو المقاطع كما هو الشأن فى الشعر الفرنسي والواقع هو غير ما قدره الاستاذ مرسي للشعر الملحون - والذى حدا بالاستاذ مرسي إلى هذا الرأي هو دراسته السطحية للغة الدارجة حيث حسب أنها تتكون كلها من أسباب خفيفة ، وخفي على الاستاذ مرسي أن الساكن يتعدد في هذه اللغة وهو يلعب دورا هاما فى إيقاعاتها ، وأن هذا الساكن يختلف اختلافا جوهريا من حيث هو ساكن حى ومن حيث هو ساكن ميت ، وأن الساكن الحي لا يعوض الساكن الميت ولا الساكن الميت يعوض الساكن الحي كما هو الشأن فى اللغة العربية الفصحى وفي البحث القادم نشرح هذه القواعد بالامثلة
