في يوم ٥ ذى الحجة ١٣٨٨ ه . . مر بمكة المكرمة يوم غائم . . وقد شاهده شاعرنا الكبير سعادة الشيخ احمد بن ابراهيم الغزاوي المعروف بسرعة البديهة وسرعة الخاطر ودقة الاحساس . . فلم ير ان يمر به ذلك المنظر الحالم دون ان يسجل في هذه القصيدة الرائعة مشاعره الرقيقة نحوه . وقد كان من ثمار ذلك هذه القصيدة الغناء الرائعة المبنى والمعنى :
لا " الغيم " مختلف ! كلا ، ولا المطر
فما الذي جد ؟ حتى استحكم الحذر ؟
كنا - اذا الدجن في الاصباح باكرنا
تعدو اليه سراعا - وهو ينهمر
كنا به في الذرى ! فوق الجبال ، على
مساقط الغيث ، عنها الماء ينحدر
كنا نهيم به " وبلا " . . ويغمرنا
" طلا " - ويجمعنا شملا - ونبتدر
كنا نسابقه " ركضا " ، ويبهرنا
ومضا ونوسعه " عرضا " ونحتبر
كنا به تحدى " السيل " نقطعه
مشمرين ! ولا نبقى - ولا نذر
كنا به كالظباء العفر آمنة
ترعى - وتمرح في دل هو الخفر
كنا تشفنا " الألحان " صادحة
تشدو بها الطير - والأصال ، والبكر
والمزن منبجس ، والرعد مرتجس
والبرق مقتبس ، والروض مزدهر !
والعين ما ان ترى الا " الجمال " بها
و الحسن " في كل ما يرنو له النظر
والقلب في فرح ، والنفس في مرح
والروح من دونها الظلماء تنحسر
بكل ذي طلعة كالبدر تحسبه " ريما ويغبط منه السمع ، والبصر
وكل مبتهج ، طلق ، ومهتزج كأنما هو فينا الشمس - والقمر
وللصدى - من ترانيم الهوى زجل يكاد يهتز من ترجيعه الحجر
على " حراء " ! وفي " نور " و " خندمة "
و " ذي طوى " ! و " المصافي " تزلف الزمر
كأنما هم غداة الدجن ما خلقوا الا لما هو صفو ما به كدر
لا يحقدون - ولا ينسون بارئهم ولا يزحزحهم عن شكره بطر
فما لنا اليوم ؟ غير الأمس ، في وجل وفي جوانحنا الآلام تعتصر ؟ !
ما بالنا كلما مر السحاب بنا نلوذ بالله منه - وهو ينتشر ؟ !
لا ريب ! ذلك مما فيه أنفسنا قد أظلمت ! ! وبه ألوى بنا الضجر
فما نرى " بالمعاصي وهي مطبقة في " عارض " شيم ، الا انه الخطر
وما تبدل اسفار - ولا غلس ولا نهار - ولا ليل - ولا سحر
وانما هي " أوزار " - تزاورنا وما لنا دونها غير(الهدى) - وزر
أخنت على كل نفس - فهي مشفقة أن لا تحيط بها الأحداث والغير
و" رحمة الله " تغشانا بما وسعت فهل عانا عن الأثام تزدجر ؟
( مكة المكرمة ) - ( حى النزهة ) في ٢٥ ذي الحجة عام ١٣٨٨ ه

