الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

ملاحظات، غير عابرة

Share

- ١٩٢ - صيد القلم " في شذرات وشوارد

الاجزاء من الدرر ، والاجزاء المتناثرة من الذهب فى عالم المال ودنيا التجارة تسمى شذرات " لانها غالية وقيمة فكيف بغلاء وارتفاع قيمة الدرر والذهب اللذين هما قوام الدنيا ؟ . . ومن غلاء شذرات الذهب والدرر سميت المنتخبات عن الأدب والعلم شذرات لان العلم ثمين وقيمة " شذراته ودرره " ولهذا أطلقت الشذرات على كثير من الكتب ومن بينها كتاب جميل " وسم " - بضم الواو وكسر السين - صيد القلم : " شذرات ونوادر " وقد التقفته المكتبات ودور . الكتب في بيروت .

نظم هذا الكتاب وألف شوارده وجمع نوادره وسبك شذراته - أديب من ادبائنا وعالم من علمائنا ومواطن من مواطنينا هم

الشيخ حمد بن ابراهيم الحقيل الذى له في ميدان التاريخ صولات منتصرة ، وفي مجالات الادب صفقة رابحة ، وفي الآراء والانكار والنقد نظرات صائبة .

والكتاب " صيد القلم " من كتب الجيب ومن مؤلفات اديبنا التى جمعها من شباك فكره ومخزونات فؤاده منذ صباه حتى سنه فى عنفوان الرجولة وقمة المسؤولية .

يقع الكتاب في مائة وثمانين صفحة من القطع الصغير والورق الصقيل والطباعة البيروتية الانيقة التى أشرف بنفسه على طبعها وتصحيحها .

وفي الكتاب ما لا يقل عن سبعين موضوعا من الشذرات التاريخية والنوادر الادبية والحقائق الفقهية والقرضية . . الى جانب الالغاز والحكم والحكايات والمنافرات العربية والمفاخرات . . ومن القصص للرجال والنسباء والملوك والشعراء والأجواد وغير ذلك مما لا يستغني عنه العالم والطالب والاديب . .

بلا ريب في أنه كتاب يعتبر زادا شهيا فى عالم الادب وفيضا من معين آدابنا الاسلامية .

وقد بذل مؤلفنا العالم جهدا مشرفا في تنسيقه وتبويبه ، واننا اذ لا نتحدث عنه بايجاز واختصار فاننا نجده فوق هذا الايجاز يستحق التقدير والتنويه ويعتبر مما يملأ فراغ الشاب الذي يريد الحكمة الواضحة والقصة القصيرة والطرفة التاريخية والنكتة الظريفة والفائدة اللغوية والفقهية . . والمنتخبات الشعرية .

فشكرا يا صاحب الفضيلة وتقديرا لنشاطك في عالم التأليف ، وثناء مستطابا على هذا المؤلف الشائق . . ونحن في انتظار الباقي من كتبك الجميلة التى تسجل فيها العلم والمعرفة والأدب والتاريخ

- ١٩٣ - الحضارة والثقافة الغربية

الحضارة العصرية والثقافة فى القرن العشرين لا تعنى الحضارة التى تبني الشعوب وتصلح المجتمع وترفع المستوى بين الطبقات وانما هذه الثقافة والحضارة العصرية ليس لها هدف الا استيلاء البعض على البعض وتكديس المادة وترسيخ المادة فى سبيل التغلب والتجمع على مذهب وسياسات هى الى المنافع الشخصية أقرب منها الى المصالح العامة . ولنبحث مثلا عن الامن هل تتمتع به تلك الشعوب ؟ وهل مثل امريكا مثلا في حضارتها وثقافتها وتقدمها العمراني ووفرة أموالها وكثرة مصانعها وتعدد أنواعها . . هل استطاعت بهذا كله أن تضبط الامن وتحققه لشعبها ؟ . . ان كنت تظن شيئا من ذلك أو تعتقد أن شعبا من اي الشعوب في العالم الحاضر يسيطر على الأمن الداخلى والقضاء على الجرائم واللصوص فاقرأ هذا الخبر الصغير الذي يقول :

وقعت في مدينة شيكاغو الاميركية ٥٥٢ جريمة قتل خلال العام الماضي اى بمعدل ثلاث جرائم كل يومين . وصرح مفتش البوليس جيس كونليسك ان سبب ازدياد الجرائم هو سهولة الحصول على الاسلحة .

الا تقارن هذا ببلادنا التى هى فى الحقيقة كالقارة ، وأكثر صحرائها جرداء ، والمدن والعمران والازدهار فى اجزاء قليلة فيها . ومع هذا لا تجد فيها سلبا ولا نهيا ولا قتلا ولا فتكا وانما تجد أمنا واطمئننا حيث

يذهب المسافر وبدون عدة ولا سلاح الى سائر المملكة وفي جميع ارجائها ولا يرى ما يعكر صفو الامن او يخيقه . . ما السبب فى ذلك ؟ ان السبب هو اسلام وتنفيذ الشريعة الغراء ووجود دولة مسلمة صالحة فى اهدافها . .

- ١٩٤ - نيات العدو

قالت احدى الصحف اللبنانية نقلا عن احد الكتاب ما يلى : -

قال ليفى اشكول انه يجب على اسرائيل ان تكون معدة لصراع يستمر ٢٠ سنه اخرى لأنه لا يوجد احد في الجانب الآخر نستطيع ان نتفاوض معه بشان الصلح

ودلالات هذا الكلام كثيرة ، منها ان اسرائيل التى ظنت أنها تستطيع بنصر سريع مختلس حسم مشكلتها والاطمئنان الى بقائها . أخذت تفيق الى ان ما حصلت عليه من نصر ليس الا سرابا ، وان صراعا طويلا ينتظرها وانها - بهذه المثابة - لا بد ان تسعى الى تقوبة نفسها بمزيد من السلاح . وما رحلة اشكول للولايات المتحدة الاميركية وزيارته للرئيس الاميركى فى مزرعته الا سعى من اجل المزيد من الاطمئنان والمزيد من السلاح

هذا ما يقوله ليفى اشكول . وليس المهم ما يقول ولا ما يقوله الآخرون ولكن الذي يهم ان نعرف نيات أعدائنا ، وان نقف وقفه رجل واحد ، وان لا نكون ضحية لاختلافنا واذا لم ننتبه ونقم على أقدامنا ونقدم كل

امكاناتنا ، ويكون شعارنا لاسلام ، ودثارنا الشريعة الغراء . في مدارسنا ومجتمعاتنا وجيوشنا ودوائرنا وفي كل احوالنا فلن نصل الى شئ من النجاح ولا الى أى نوع من انواع الانتصارات وكلما كنا اكثر فشلا وأكثر خلافا فى آرائنا وأفكارنا وعقائدنا . . فنحن لا شك نهيئ لعدونا بقاء واستقرارا وثباتا . .

ان الدين الاسلامي الذي تبع من هذه الحزيرة وانتشر فى الارض فنشر العدل سيعود الى العالم من هذه الجزيرة من المملكة العربية السعودية قويا شامخا ووضاء منيرا ان شاء الله .

١٩٥ - الفشل

يقول فاشل عن الفشل ما يلى : الفشل كالغابة الموحشة فى الطريق لا تجتازها الا اذا توغلت فيها .

الجملة واضحة وفلسفتها مفهومة . ولكنى اعلق على الفشل بالذات . . أنا لا اعتقد انه ينتج من محاولة خاطئة او عدم فهي لما يحاول . . ولا لانه وقفت امامه صعاب أدت به الى الفشل . ولكنى أعتقد أن الفشل ينتج من تعمد من نفس الرجل الفاشل ، اذ يعمد الى الخطا عمدا لانه استثقل الحقيقة و تجاهل الواقع ، ومال الى الهوى فانعكس نجاحه فشلا وحقه باطلا . . ولا شك أن الفشل نوع من انواع الوحشة التى تنشا من الظلام القاتم الناجم من الآراء والاضطرابات التى

نولد القلق والارتباك اللذين هما من معاول الاخفاق . . واكرر أن الفشل لا . حصل من معاكسات ، ولا من أى باب من ابواب الكفاح ولكنه انما ينشأ من تحول المرء من الحق الى الباطل عمدا واصرارا ، ومن النور إلى الظلام ، ومن الاعتدال والثبات الى الهوى والاضطراب . .

- ١٩٦ -       خداع صدور مجلة اسلامية فى روسيا

تقول صحيفة لبنانية ما يلى :

موسكو - نوفوستي - هذا هو اسم المجلة الصادرة عن الادارة الروحية لمسلمي آسيا الوسطى وكازاخستان التى ظهرت مؤخرا فى طشقند .

ويفتتح العدد باعلان صادر عن الادارة الروحية مفاده ان المجلة الاسلامية مهمتها تتعلق بالقاء الضوء الصادق على الحياة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى السوفياتية ، والأجزا ء، الأخرى من الاتحاد السوفياتي ، وعلى روابطهم مع مسلمي البلدان الأجنبية . .

هل  يقبل المسلمون هذا الخداع من الروس وقد قتلوا العلماء والصلحاء بالجملة ؟ ! لقد تحدثت المجلة عن استطلاعات ومحادثات مع وفود من دول اسلامية زارت روسيا . . يكفي خداعا . . ان العدو لا يكون صديقا . .

كل العداوة قد ترجى ازالتها

       الا عداوة من عاداك في الدين

ان الملايين التي شردها وابادها الروس يجب أن تكون على البال دائما . . تحت الصحيحة -

-١٩٧- مروان الكاتب

مروان الكاتب : هو رجل من أهل بغداد كان كاتبا على الخراج وكان ضعيفا فى الحساب وفيه يقول بعضهم :

لو قيل خمس وخمس لارتاى

يوما وليلته يعد ويحسب

ويقول : مسألة عجبت لأمرها

ولئن ظفرت بها فامر اعجب

فيها خلاف ظاهر ومذاهب

لكن مذهبنا اصح واصوب

خمس وخمس ستة او سبعة

قولان قالهما الخليل وثعلب

فاين نحن اليوم ومدارسنا جميعها من الابتدائى فما فوق تعطى الدارس عناية فى الحساب ليعرف جميع المصطلحات الحسابيه لجميع الدول ، ويعرف فيها الدارس كل انواع الحسابات التجارية والرياضية والشركات وغيرها . . اذن ذلك الكاتب الذي رضيه زمانه ومكانه كاتبا للخراج وهو لا يعرف الخمسة من الستة ، قد لا يكون فاهما ولا واعيا .

١٩٨ -

الياس قنصل

شاعر مهجرى له نفثات عجيبة ومصيبة من الصواب" يقول في احدى نفثاته مما يتفق مع عصرنا الحاضر :

انرضى بالهوان ونحن قوم

ملأنا صفحة التاريخ فخرا

بلينا بالتخاصم وهو داء

عضال ينخر الأخلاق نخرا

فانهكها وغادرنا شعوبا

ممزقة تجر الغل جرا

فما أصدق هذه الأبيات التي تمثل شعوبنا وتحكى واقعنا الحاضر الذي يندى له الجبين أمام الشعوب الاوروبية التى تكاتفت وتكاثفت حتى انتصرت في مادتها . . وانهزمنا أمام حقيقتنا وديننا الا هذه الجزيرة العربية " المملكة العربية السعودية " التى حافظت على اسلامها وجدير بها ان تحتل الصدارة في عالم الاسلام .

- ١٩٩ - مثل في بيت من الشعر الشعبي

كنا فى البر يوما فى رياض الخفس نتناول القهوة واذا بأعرابي مع غنمه . . فناديناه فعرج علينا واستمع الى ما كنا نقرأ فيه وكان حديثا ادبيا فيه الشجاعة والكرم والأدب والمروءة . . ودعانا إلى خبائه والح وتمثل في اثناء كلامه بقول الشاعر الشعبي :

مر مر قد زين ومر في جهبه

ومر قرص وسمن ومر ما به حبه

وهذا البيت يصور تغير الأحوال وعدم دوامها على حال . . ومعنى " جهبه " بفتح الجيم والهاء وكسر الباء مع تشديدها هي البرية والأرض الخالية حسب تفسيره ومعنى البيت انه مرة يرقد الأنسان على فراش وثير ، ومرة يكون فى برية لا انيس بها ، ومرة ياكل ثريدا وبرا بمزوجا بالسمن ، ومرة لا يجد حتى حبة واحدة : والدهر

ذو غير وذو حالين : نعيم وبؤس . ولا أدرى مامعنى " جهبه " وهل لها اصل في المقررات اللغوية ولا ادري ماذا يقول اديبنا " الأنصارى " ؟ ( ١ )

-٢٠٠- ابن سينا الطبيب

يقول في رثائه شاعر من الشعراء :

رأيت ابن سينا يداوي الرجا

ل وبالحبس مات اخس الممات

فلم يشف ما ناله بالشفا

ولم ينج من موته " بالنجاة "

والشاعر يريد بالحبس انحباس بطنه من قرحة المعدة التى مات بها . . و " الشفا " و " النجاة " كتابان معروفان لابن سيناء ..

انتهى :

يقول الشاعر :

واذا المنية انشبت اظفارها

الفيت كل تميمة لا تنفع

اذن فعلى كل انسان ان يجعل الحياة مزرعة للصالحات والعمل الجميل والذكر الطيب ، وان يصرف دنياه ، ويبذلها فى سبيل الخير والاسعاد لانه لا يعلم متى يغادر هذه الحياة . . وما من شك في " أن الطبيب بطبه لا يستطيع دفاع مكروه أتى "

-٢٠١- المرأة . . وصالح جودت

وقصيدة أخرى للشاعر صالح جودت يرئى بها الاقتصادى الشهير " طلعت حرب" الذي مع زعامته في الاقتصاد كانت له آراء فى المرأة التي أراد لها المتطرفون ومريضو الاخلاق ، الانفلات ، وضياع الأسرة ، وانتصروا مع الأسف على ذوى الأخلاق والمنادين ببقائها فى مملكتها وثباتها على الحفاظ على أولادها وتربيتها التربية الأسلامية التى تعطيها الكراهة وتحفظها من عبث العابثين وفسق الفاسقين . . لنسستمع ما يقوله " صالح جودت " موجها القول الى زعيم الاقتصاد " طلعت حرب " :

لك فى المرأة قول رائع

لو عقلناه سمونا بالبلد

الحجاب الطهر والحد الذى

كثر اللاحى له والمنتقد

واذا الشعب من الغث ارتوى

رخص الغالي لديه فكسد

دعوة قام اليها " قاسم "

وهو لو يدري مداها لقعد

واذا كان " جودت " يسفه فكرة قاسم امين الداعى الى سفور المرأة وخلع حجابها وتمردها على مملكتها وطرحها لأولادها ليربيهم الشارع ، فان الزمن ومرور الوقت أعطانا النتيجة السيئة والنهاية المؤلمة فى هذه الحرية الضارة المسمومة التى رأينا فيها تفكك المجتمعات الأوروبية والدول الضالعة معها والسائرة فى فلكها وانتزاع الغيرة والحمية

من أسرها " بضم الهمزة وفتح السين ".. وان عقلاء اولئك القوم ليحنون الى الحفاظ على المرأة ويودون لو عادت الى قواعد ملكها ، ولكن فات الأوان ولن يعود ما فات . .

نعود الى الشاعر " صالح جودت " فنراه يوجه نفثاته الصائبة وكلماته الهادفة وآراء القيمة الى الشباب وما أجمل ما يقول :

يا شباب الجيل لا تندفعوا

خلف تيار الحضارات الجدد

اتبعوا الصالح منها وانبذوا

فكرة ضلت  وميزانا  شرو

الزموا المرأة خدرا طاهرا

قائم الأركان مرفوع العمد

لا تجروها الى مجتمع

لم يطأه ملك الا فسد

وادرؤا الأعين عنها واحذروا

عبث اللبوة ان نام الأسد

واستبدوا في حمى الخير بها

" انما العاجز من لا يستبد "

واتقوا التاريخ في ابنائها

انها تكتبه فيما تلد

فهي ارض تنبت النسل فمن

زرع الخير أو الشر حصد

وهي في الحرية العمياء لا

تقدر الزوج ولا ترعى الولد

انك أيها القارئ المسلم . . ويا أيها الغيور على حرمك والمصلح لبيتك ومجتمعك ، ستجد في هذه الأبيات معاني تتفق كل الاتفاق مع نزعة المسلم الخير وتربيته الصالحة التى تجعل من بناتنا ونسائنا

أمهات صالحات مصلحات ومربيات ومرشدات يبنين شباب امتنا وعقول أبنائنا ليكونوا مهيئين لخدمة دولتهم والنهوض بأمتهم على دعامة من الخلق الكريم وأساس متين ليحق فيهم قول الرصافي

هى الاخلاق تنبت كالنبات

إذا سقيت بماء المكرمات

وكما يقول صالح جودت نفسه فى هذه القصيدة :

انما يمكث في الأرض الذي

ينفع الناس ولا يبقى الزبد

ولا ريب في أن للمرأة دولتها التى لا تنجح ولا تبقى الا في البيت وتربية الابناء وحفظ غيب الزوج . . تحقيقا لقول الله جل وعلا : ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى واقمن الصلاة وأتين الزكاة واطعن الله ورسوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا ) وقوله تعالى : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض " وقوله تعالى : " وللرجال عليهن درجة " . . وما من شك فى ان ثباتهن فى بيوتهن وتربيتهن لأولادهن وادارتهن لمملكتهن هو أطهر لهن وأدعى لنجاحهن

- ٢٠٢ - الشعر الجميل

الشعر الرصين والقول الثمين هما ، ما يحب النابغة فمن نظمه وامرؤ القيس

نسيبه فقط ، ولا هما مما يسبكه المتنبى فى حكمه الغوالى أو يحوكه شوقي في قصائده الطوال فذلك شعر رصين وقول ثمين ولا شك . . وانما الشعر ايضا ولو لم يصل فى قوة السبك وفخامة اللفظ الى مستوى اولئك الابطال في الشعر وعمالقة الادب قديما وحديثا . . نعم انما الشعر هو ذلك القول السلس والشعر الرقيق الذي يحمل معنى كريما وقولا سديدا وفكراصوابا . . واننى لأقف عند ابيات فى منتهى الحكمة وفى ذروة الصواب قالها أديب من أدباء العرب فى أمريكا وهو من " شعراء المهجر " يقول هذا الاديب الحاذق :

دعاني بعض اصحابي لخمر

فقلت لهم بحقكم دعوني

إذا لم ارضكم أبدا بعقلي

ولم يعجبكو الا جنوني

تهنوا بالتعرب يا ندامي

كما انى ساهنا في سكوني

إذا كان الرقي بشرب خمر

فما فضل العقول على المجون

لقد جلا الشاعر المهجرى فى الرباعيات بتعبيره اللذيذ وبراعته الشائقة وباسلوبه الساخر كل ما فى الخمر من مضرة ، وما فيها من داء وهو فى بلاد يشربونه فيها علنا ويعصرونه جهرا .

ان في هذه الأبيات من الصراحة الجميلة والنقد اللاذع ما يوحى الى شارب الخمر بتوجيه الحكيم الذي يعطيك الحقيقة في قالب شفيف لطيف من العقل  والمنطق..

لا تكلف فيه ولا تعسف فى معني يحتاج الى تصور وعمق وتفكير . . ولقد اوضح الواقع وأبان الحقيقة لمن يسعى الى الواقع ويؤمن بالحقيقة .

ثم يثنى هذا الأديب المهجرى برباعية أخرى تقول : -

رأيت مقامرا يشكو ويبكى

ويندب حظه بين الرجال

يريد رياله الفين لكن

بلا الألفين آض ولا الريال

عجبت لمن يفكر عن علاج

لداء الفقر في سوق الضلال

وباب الرزق مفتوح لديه

ويكفل رزقه رب الجلال

فى هذه الابيات يتجلى ما فى الميسر من نكبة على اولئك المقامرين الذين يحاولون أن يلجوا أبواب الرزق من غير طرقه ويسلكوا السبل المعوجة التى لا توصل الا الى الأفلاس بين الناس . . ولا يسير فى هذا البلاء الا الكسالى الذين قعد بهم الكسل عن شرف العمل ، ونأى بهم الضلال والخطل عن الاستقامة والرشاد فشذوا في هذا المسلك وخالفوا ما سارت عليه الطبقة الواعيه الرشيدة التى بها يقتدى وبهديها يهتدى .

وما من شك في ان كتاب الله وسنة رسوله يوم حرما الخمر والميسر فانما أرادا للبشر الهداية وفتحا له طرق الخير الذى يسعد الأنسان ويهديه للتي هي أقوم . .

بقى أيها القارىء شوقك لمعرفة هذا الشاعر المهجرى الذى نطق بهذه الرباعيات

اللطيفة . . الاستاذ الشاعر عبدلطيف الخشن صاحب جريدة " العلم العربي " الصادرة فى الارجنتين

.     وسأوافيك ان شاء الله في يوميات قادمة بابيات من رباعياته التى ارسلها لى فى بعض كتبه فى عام ١٣٧٩ ه فى شهر رمضان المبارك

-٢٠٣- الدراسة الصادقة

دخل بعضهم على احمد بن نصر . . العالم التونسي المتوفى سنة ٣٣٥ ه في مرضه الذي مات فيه فوجده ملقى بالفراش وكتابه على صدره فسأله عن حاله فقال : ما أغفل الملوك عن لذة العلم وما اسف على موت ولا على شئ في الدنيا كاسفي على كتاب لم ابلغ امنيتي منه : انتهى

اذا كان أحمد بن نصر يعرف انه فى آخر أيامه من الدنيا ومع هذا فالكتاب على صدره فأين نحن من العلم والدراسة وشبابنا في مدارسهم يتهربون من الدراسة ولو اتيح لهم أن نغفل عن الرقابة والحزم ، ما فتحوا كتابا ، وما جلسوا في فصل . . وأين نحن من شبابنا الناجح في كلياته ومدارسه العليا إذا حمل الشهادة العليا فهذا آخر عهده بالكتاب والقراءة والبحث ليحل محل ذلك ملهيات تلتهم الوقت وتقضي على المعلومات ان الشهادة اى شهادة عالية او متوسطة أو دكتورية ، ما هى الا وسيلة للانتاج والتزود والعمل البناء الذي يجعل المعلومات تنداح

وتتسع بذلك بحيث تكون من الشخص موسوعة اجتماعية وعالية لتكون الفائدة أعم

-٢٠٤- تضييق الطريق

أراد رجل من القيروان ان يبنى دكانه أمام داره فمنعه جاره فتداعيا الى القاضي " حماس " وكان لا يعرفانه فسألا عنه فالفياه فى الطريق وفي يده قلة وهما يسألان عن دار حماس القاضي فقال : ما تريدان ؟ . قالا : نتحاكم لديه في مسألة . . قال : تحاكما . . واخذ القلة ووضعها على رجل ولم يضعها بالارض . . فقال له المدعي : اصلحك الله . . ولما لم تضعها على الأرض . قال : لأن الارض مملوكة للمارة فلا اضيق عليهم . . فقال المدعي : - يا سيدي قضيت الحاجة . وقال الرجل في نفسه : إذا كان القاضي لم تسمح نفسه بوضع قلة في الطريق ثم يرفعها . فكيف يحكم لي أنا بأن ابني دكانة ؟ . وانصرف وقد رجع عما قصده

ملحوظة : حماس بن مروان الهداني أحد ابناء القيروان وقضاتها توفى عام ٣٠٤ ه فهكذا يكون ذكاء القضاة ونزاهتهم .

- ٢٠٥ - ذكاء القضاة

من كتاب الورقات ان رجلا شيخا خرج مع امراته وكانت شابة يريد قلعة " مدينة بين الجبال من بجاية " اسسها الامير حماد بن يوسف الصناجى فصحبه في بعض الطريق فتى شاب فكلف بتلك

المرأة وكلفت به فتواطيا وتواقفا على ان يدعى كل واحد منهما زوجية الآخر وبسقطا الشيخ فلما وصلا الى " القلعة " شكا ذلك الشيخ الى الامير " حماد ما وهمه من امرهما ووصف له حاله معهما فوقف حماد ، الشاب والمرأة فتقارا على نكاحهما وانكرا ما يدعيه الشيخ فجعل حماد يباحث الشيخ : هل صحبهم في الطريق احد ؟ او هل له شبهة ؟ فقال الشيخ : ما صحبنا في طريقنا غير هذا الكلب - واشار إلى كلب معه - فامر حماد بربط الكلب الى وتد كان هناك ثم امر المرأة بحله فذهبت فارسلته ثم امرها بربطه والكلب لا ينكر شيئا من ذلك ثم قال للشاب قم فارسل الكلب ثم اربطه فلما هم الشاب بذلك نبحه الكلب وانكره فقال حماد للمرأة : هذا الشيخ زوجك . وهذا الفاسق يخلفك عليه وأمر بضرب الفتى ضربا مبرحا وابعده عن البلد انتهى .

هذا الذكاء الذي يجب ان يكون من صفات القاضي الذي اذا تمتع بهذا الذكاء والحذق فهم كل شئ وصارت عنده اللمحة واللحظة نافذتين ليصل بهما الى الحقيقة الغامضة .

-٢٠٦- لقطة غليس

ان المثل " لقطة غليس " مثل مشهور في نجد ولا يكاد انسان من العامة والخاصة الا ويستشهد به . . والمثل حسب لفظ العامة بكسر اللام واسكان القاف وفتح الطاء . . وكسر اللام مع تضخيمها . . وسين  ساكنة .

وقليل من الناس يعرف سر المثل والكثير منهم لا يعرف اصله . أما شرحه فهو حسب ما يقال ويروى : أن رجلا كان يسير مع زوجته راكبا حمارا وكان متجها الى بلدة بعيدة عن بلده فوجد رجلا أعمى فأردفه مع امرأته بعد أن اتفق معها على الاحسان الى هذا الأعمى وايصاله الى طيته التى تتفق وغايتهما . . وبينما هما سائران ظل الاعمى الشاب يغازل المرأة والزوج الشيخ في غفلة وحسن نية اذ بلغ بينهما الغرام مبلغه حتى إذا وصل الثلاثة قال الزوج : انزل فقد وصلنا إلى البلدة ولقد كنا مسرورين اذ أوصلناك الى غايتك . فقال الأعمى : انك لجاهل فالزوجة زوجتى والحمارة حمارتي وما زالا في حوار وجدال قطعته الزوجة اذا قالت للزوج : اذهب فالحمارة لهذا الأعمى وانا زوجته . فراح الزوج الى امير البلدة وقدم الشكوى واوضح فيها خيانة الزوجه وكفران الأعمى للأحسان فاحضرهما الأمير مع الرجل واستجوبهما فاصرا على هذا الادعاء فما كان من الأمير الا ان حبس الشاب الاعمى منفردا واوقف المرأة حتى تتضح القضية ويبين الحق من الباطل ووكل الى الأعمى رجلا يحصى عليه كل اقواله ولما رأى الأعمى نفسه منفردا وليس حواليه أحد قال مخاطبا نفسه : " الخسارة ما من خسارة . . اما المرأة وأما الحمارة " فرفع ذلك للأمير فعاقب الأعمى ورد الزوجة إلى زوجها .

أما غليس فهو زوج المرأة . . وأما اللقطة فهو الاعمى .

وهنا مثل آخر وان لم يعرف أصله وسره وهو المثل العامي المشهور الذى

بقول : " هذا بلا شليف " والبلا ) بفتح الباء ( : البلوى والمصيبة وشليف يظهر انه الرجل الذى اصيب بالبلوى والشدة . . فلا ادرى لعل احدا يعرف اسبابه واصله فينشره على صفحات مجلتنا الغالية .

-٢٠٧-   اللغة الاصيلة والدخيلة

يقول الشماخ بن ضرار الغطفانى من قصيدته الذائبة :

فوافى بها اهل المواسم فانبرى

لها بيع يغلي بها السوم رائز

ومعنى بيع هو المشترى الذي يحسن البيع والشراء والرائز هو المختبر للشدة والثقل . . والعامة عندنا فى نجد تقول عندما تريد ان تختبر ثقل الشئ من خفته . اروزه ( ٢ ) او يروزه . .

وقال ايضا من قصيدته وهو يصف قوسه :

هتوف اذا ما خالط الظبي سهمها

وان ريع منها اسلمته النواقز

ومعنى النواقز : القوائم التى ينقز بها اى يقفز انتهى والرائز والناقز ( ٣ )كلاهما كلمتان دارجتان ومستعملتان فى البادية والحاضرة .

وهنا يجمل بنا ان نبحث فى لغتنا ونحلل مفرداتها التى هى الآن كلمات دارجة يحسبها بعض الناس من الكلمات الدخيلة .

ويقول الشماخ أيضا من قصيدته الذائبة :

أزار شرعبى  وأربع

من السيراء اواق نواجز

الشرعبي من اجود الثياب واغلاها . . والعامة عندنا تقول للطفل فى معرض التدليل والمدح " الشيخ الشرعبي " فمن اين اتتنا هذه اللفظة هل هي قديمة تمت الى لغتنا القديمة ام انها حديثة ؟ ؟ . سؤال نود من استاذنا الشيخ احمد الغزاوى ان يبحث لنا عن اصولها واسباب استعمالها . . وهل فى غير نجد . .

ويقول ايضا الشماخ بن ضرار من قصيدته :

فقالوا له بايع اخاك ولا يكن

لك اليوم عن ربح من البيع لاهز

والمهم في هذا البيت - لاهز - ومعناها اللغوي : - دافع ومانع . . وتستعمل فى لغتنا العامية فى نجد بمعنى الزيادة على الشئ . . وتستعمل كارضاء للشخص . . وهذه الكلمة مستعملة بصفة عامة . . فتقول العامة : لهزه . . ويلهزه ، والأمر منها : " الهز فلانا " اى زده وأرضه .

اشترك في نشرتنا البريدية