-٢-
ارتمت عزيزة بين أحضان امها تقبلها وتبلل يديها بدموعها المنمرة الساخنة وامها تسألها وهى تبكي :
ماذا بك يا بنتي ؟ ؟ يا عزيزة ! عزيزة ! ابنتى ! تكلمي ! ! وهى تنشج وتضطرب ، وقد غص ريقها وهى تحاول الكلام فلا تستطيع ، وبعد لاى رفعت رأسها ببطء واناة ، شأن المريض المشرف ، واستجمعت رباطة جاشها ، وتمتمت :
لى الله . . من . . بعدك يا محمود . يازوجى لنكلاك العناية ، ومهما يكن من امر فلا ازال احبك واقدسك :
ثم راحت تسرد القصة على امها ودموعها سائلة ما تهدأ ولا ترقأ ، فلما انتهت اخذت امها تهدؤها ، وتطيب خاطرها ، ثم صارت مع الايام تزداد حنوا عليها وعطفا ، فعادت اليها نضارتها ، ولكن بقيت هناك . . بين جوانحها ثورة من الحقد تضطرم نارها و يستعر اوارها ، على تلك التى فرقت بينها وبين أعز شخص لديها فى الوجود .
أصبح محمود بعد ذهاب زوجته حزينا محطما ، يعمل وهو صامت ، وقلبه يحترق ألاما ، وجسمه يضعف ويضمحل ، حسرة وأسى على فراق شريكة حياته وشطر نفسه ، ولكنه مع ذلك ، وبرغم ما يعانيه من الم هائل ومرض خفى يهدد قواه ، كان يرعى والدته ويعطف عليها مقدرا لها تربيتها له ، وصافحا عن انانيتها ولا يزال محمود يخفى فى قلبه وبين حنايا ضلوعه حزنا دفينا يساوره بين الفنية والأخرى كلما مر بمخيلته طيف زوجه او وحيده ( سعيد ) . .
وتلاشت الابتسامة الحلوة اللطيفة ، واحتلت محلها سحب كثيفة من الاحزان ، خيمت على ذلك الوجه الطلق الذى لم يكن يعرف غير المرح والحبور وثمة شئ اخر يدركه المدقق . . . هو تجاعيد خفيفة ارتسمت على جبينه ، وبعض شعيرات بدأ بياض الشيب يمحو سوادها الجميل ، برغم ان سن محمود لم تتجاوز الثانية والعشرين ربيعا .
ووالدته . . والدته تلك القاسية المستبدة التى لا ترحم ولا تلين قناتها لا تزال متمسكة بعنادها مصرة عليه بعدم أرجاع ( عزيزة ) الى البيت . . ثم . . ثم تثور فى وجه ابنها وتلح عليه ان لا يذكر عزيزة مرة اخرى ، بل يتناسي حبه الصبيانى الطائش كما تقول ، معللة اياه ، بل ومصرة عليه ان يقترن من فتاة اخري ( من بيت ناس كبار ) ويصمت هو ، ويمعن فى هذا الصمت منتظرا حكم المقادير ! . . . وانقضت سنتان ! كان محمود فى خلالهما ، دائم الحزن ؛ كثير التفكير لا يكاد يبل من مرض يوما الا وعاوده المرض اياما ، وهو يعذب بنار الشوق والوجد ويكوى بجمرة الفراق ، والحنين لزوجه وابنه الذى لم يره سوى مرة فى الشهر . .
واخيرا . . واخيرا جاءته أمه تفاتحه من جديد ، فى تزويجه من فتاة تعرفها هى - وراحت تصفها له بالجمال . . والعقل . . والطاعة العمياء حتى ارغمته بعد لأي على انفاذ رغبتها .
وعاش محمود مع زوجته الثانية ( سعاد ) العصرية التى تعرف القراءة وتحسن الكتابة . . والتى لا يروقها القديم . . ولا تعجبها مودة العصر الخالى ، عصر حماتها هى فتاة عصرية بمعني الكلمة ( مودرن ) متكبر ، متعجرفة ، لا تقيم وزنا لحماتها ، ولا تعير وجودها التفاتا . . وحاولت ( ام محمود ) ترويضها واخضاعها باساليبها القديمة وصياحها الذي لا يجدى ، وكلماتها الجارحة التى كانت تقذفها فى وجه ( عزيزة ) الصابرة المسكينة - حاولت ام محمود كل ذلك فلم تفلح ، فندمت على ما فرط منها نحو زوج ابنها الاولى ؛ وتمنت لو استطاعت ان ترجعها الى البيت فتتلقاها بالترحيب ، وتطلب منها الصفح والغفران . . ومحمود يشاهد افعال زوجته الجديدة مع امه ويلاحظ معاكساتها العنيفة لها ، وهو صامت مستسلم ، متشمت ( فى سره ) ، ولذلك لم يؤنب زوجته ولم يلمها فى أى يوم . . . انها كانت تنتقم لعزيزة المسكينة . وانها تلقى درسا قاسيا على امه يجعلها تعترف بمزايا عزيزة ، فتقدر لها صبرها الجميل واحتمالها العجيب
وكان محمود لا يشعر بميل لهذا الزوج الثانية ، ولكنه كان يعطف عليها ويعاملها معاملة حسنة ، قياما بواجب الزوجية وحقوقها .
مرضت ام محمود بعد زواج محمود باشهر قليلة ، واشتد عليها وقع المرض وماتت به بعد ايام قلائل ، وهي تردد اسم ( عزيزة ) وتطلب الى ابنها ان يخبرها انها كانت آخر شىء تفكر فيه ، فى ساعات احتضارها ، وانها تلتمس صفحها وغفرانها ! ! !
حزن محمود على امه ، وبكاها طويلا ، وشاركته زوجته سعاد فى هذا الحزن وهذا البكاء مجاملة منها له . وبعد وفاة ( ام محمود ) بخمسة اشهر وضعت ( سعاد ) طفلة . . وسماها والدها ( زوزو ) اي زينب . وشاء القدر ان تموت الوالدة ( سعاد ) على اثر الوضع مباشرة ، فتركت طفلتها بين يدى والدها وهي تطلب منه فى ساعاتها الاخيرة ان يغمرها بالرعاية والحنان .
وعاد القدر يبسم لمحمود مرة أخرى !! وكانت ابتسامته هذه المرة بعد مضي اربع سنوات طويلة هائلة كان محمود فى خلالها يحترق كمدا . وقد ازداد شوقه لابنه ولزوجه الوفية الطاهرة فراح يبحث عنها ويتقصى اخبارها ، فعلم بعد طول البحث والسؤال انها سافرت مع والدها وعائلتها الى الخارج . ولم يكن يعرف عنوائها وانى له ان يعرف ، وقد أخفته عن كل انسان خوفا من ان تغرى ( ام محمود ) ابنها على سحب فلذة كبدها ( سعيد ) من بين احضانها ، وهى لا تستطيع الابتعاد عنه - خصوصا - وهو عزاؤها الوحيد تري فيه صورة زوجها . . زوجها الذي تحبه . والذي اقسمت الا تتزوج من سواه مهما طالت بينهما ايام الفراق ، منتظرة سنوح الفرصة التى تعود فيها اليه ولو بعد سنين
وبقى محمود بعد رحيل زوجته يائسا محطما ، واصبح المسكين بين نارين ، فهو لا يستطيع السفر البحث عن زوجته وابنه لانه لا يستطيع أن يترك اعماله : وابنته ، ابنته الوحيدة التى كانت سلوته والتى نحث وبلغت الرابعة فكانت زهرة فواحة يحبها ويحدث عليها ، و يددلها ، وهى تنمو وتكبر وهو فرح بها يبذل لها من ذات يده كل ما يستطيع حرصاء على سعادتها وهنائها ، فلمن يتركها من يرعاها بعده ؟ وهو لا يستطيع اخذها معه والتجول بها باحثا مستقصيا ، فهى لا تستطيع تحمل التعب والمشاق ، وعمله لا يسمح له بالتعب زيادة عن المدة المقررة - وهى شهران - فلم يدر ماذا يفعل وسلم الامر للقدر بقى فى انتظار ما يأتى به المستقبل
وابتسم القدر ابتسامته العريضة . . فبينما كان محمود ذات يوم فى احد الحوانيت يبتاع لابنته ( زوزو ) شيئا من الحلوى . وكان الوقت مساءا ، وكانت ( زوزو ) معه ؛ إذ لمح امرأة محجبة تدخل الحانوت ومعها صبى فى السابعة من عمره وهى تطلب من البائع نوعا من الحلوى لابنها فلم يكد محمود يسمع صوتها حتى عرف
فيه صوت زوجته الاولى ( عزيزة ) فخفق قلبه خفقة الفرح المباغت ولكنه قهر عواطنه المتأججة وخرج من الحانوت يسحب طفلته وهى تنظر اليه ذاهلة مستفهمة عما اعتراه من ذهول فجائى وهو صامت لا يتكلم .
ووقف بباب الدكان حتى خرجت ( عزيزة ) وكانت هى ايضا قد عرفته وعلمت حين عودتها من رحلتها بكل ما حصل له بعد سفرها ولكنها لم تدر ماذا تفعل فوقفت بباب الحانوت . . اما ( سعيد ) فقد جرى الى ( زوزو ) يلعب معها ويجذبها ، والاطفال ميالون لبعضهم ، واخيرا طرأت لمحمود فكرة حسنة فاقترب من عزيزة وهمس فى اذنها قائلا : هيا بنا الى دار ابيك لاتكلم معه قليلا ! ثم تقدمته وهى ترشده الى الطريق حتى وصلوا الى بيت ابيها فصعدوا . . وهناك كان عناق ، وكان فرح لا يوصف . ومال محمود لزوجته يسألها ، وهو يضم طفله اليه ، وهي تضم ( زوزو ) الى صدرها . . متى رجعت ؟!
فقصت عليه كيف ان والدها اضطر الى العودة لاحتياجه المال ، واخبرته انهم كانوا ينوون الرحيل ثانيا ، فما راعها الا دمعة حارة تسقط على خد زوجها تتلوها اخرى . فسألته - والهة - وهى تكفكف دموعه : لماذا تبكى ياحياتى ؟ !
فاجابها : اننى ابكى سرورا بعودتك الى ، اننى ابكى بدموع الفرح ، ان هذه الدموع هى دموع سعادتى ، وصمت . فسنت منه تقبله ودموعها تمتزج بدموعه وهى تقول : - - ان هذه الدموع هى بحق دموع السعادة . . ! ، ( تمت ) ( جدة )

