ونعنى بالمدرسة الجحوية ، تلك التى يرجع الفضل فى احداثها الى العلامة الطلائعى " جحا " برد الله ثراه .
وقد يكون من الانصاف لذلك العبقرى الفريد ، أن نرفع عنه - اليوم - مظلمة ، تتمثل فى اهمال الجانب الاهم من محتوى فلسفته وتفكيره ومذهبه فى الحياة .
ووجه الظلم فى ذلك ، أننا - الى الآن - ما نزال نعتبر " جحا " رجلا " ضاحكا مضحكا " بما كان يبتدعه خياله الخصب ، من ملح وطرائف ، ونكت ومفارقات ، لا يملك سامعها - فى أى مكان أو زمان - الا أن يغرق فى ضحك قد يبلغ به أحيانا درجة البكاء . وقد غاب عنا - لفرط بلهنا - ما كان يكمن وراء تلك المفارقات المضحكة من نظر وتفكير جديرين بالدرس والتأمل والاعتبار
فجحا - على هذا الاساس - صاحب مدرسة فى الحياة ، يمكن أن نسميها .. " مدرسة الانية المركزية " وهي مدرسة تقوم على أساس عمودى ثابت هو " أنا " أنا وليس فى الكون الا أنا .
أنا العالم . . . أنا الذكى . . أنا النابغ . . أنا الناجح . . أنا العبقرى . . أنا الصادق . . أنا الامين . . أنا الوفي . . أنا القادر . . أنا النزيه . . أنا العادل . . انا كل ذلك . . وما أنا الا أنا . .
قولى صدق ، ورأيي صواب ، ونظرى سداد ، وتفكيرى رشاد .
كلامي أفضل كلام ، ولباسى أجمل لباس ، ومسكنى أحسن مسكن ، ومتاعى خير متاع ، وحمارى سيد الحمير ...
وتسألني عن مرجع هذا كله فى ما روى عن جحا ، فأسوق اليك مثالا قد يغنى عن كل مثال :
سئل جحا - مرة - عن سرة الارض ، وأين تكون ؟ فأجاب بكل بداهة : : " هي حيث أقف أنا وحمارى الآن . . . "
ثم سئل عن عدد النجوم والكواكب ؟ . فاجاب : " هي بعدد الشعيرات التى تكسو جلد حمارى " .
ولقطع دابر الشك والتشكك فى نفوس سائليه ، تحداهم قائلا : وان لم تصدقوا ، فقوموا بالقيس والاحصاء ، فان ظفرتم بخطا فى هذه او تلك ، فأنا لست أنا ، ولا تصدقونى بعدها أبدا " .
فما كان من القوم الا أن تضاحكوا على عادتهم ، اما لتغطيه عجزهم ، واما استطرافا لصانع المضحكات المبكتات .
ويمضى الزمن بجحا ، وتبقى آثاره المضحكة يتداولها الناس جيلا بعد جيل ، ويضيفون اليها الكثير من خيالهم أو من واقعهم ، الا فلسفته " الانية المركزية " فانها تكاد تهمل وتطمس حتى يهيئ لها القدر أن تبرز من جديد على لسان طائفة من حملة الاقلام عندنا ، فيطلعون علينا - من حين لآخر - بنماذج من تلك الآثار " الانية المركزية " ليعيدوا الى الاذهان صورة جحا وحماره وهما واقفان بسرة الارض يتحديان الجاهلين بعلمى الفلك والجغرافيا ، وكل ماله علاقة بالارض والسماء .
وآية الآيات فى هذا الامتداد للآثار الفكرية الجحوية ، ما نطالعة من حين لآخر ببعض الصحف والمجلات من كتابات تقوم على ذلك الاساس العمودى " أنا " فان كان صاحب تلك الكتابة قصاصا ، فان همه الوحيد أن يجعلك تسلم بأن مدلول القصة لا ينطبق الا على ما يكتبه هو من قصص أو أقاصيص .
وإن كان شاعر أوهمك بأن الشعر الصحيح السليم هو ما تحود به قريحته الفياضة فى شتى الاغراض .
وان كان ناقدا جعل شغله الاوكد حملك على التسليم بأنه - وحده - صاحب القدح المعلى في النقد والانتقاد .
وان كان اديبا - بالجملة - حاول ان يفرض عليك الاقتناع بانه " الاديب الطلائعى " الذى يسبق الزمن والاحداث بسرعة قد تفوق سرعة الضوء والصوت .
وان كان الاستاذ جحا لم ينته الى بعث " الانية المركزية " وتزعم مدرستها الا بعد أن تخطى زمن الشباب والكهولة ، فان تلاميذه الطلائعيين - اليوم - قد لحقوا به وتجاوزوه وبعضهم ما يزال فى شرخ الشباب
وان أخشى ما نخشاه أن يستنفدوا كل طاقاتهم قبل الاوان ، فتكون نتيجة ذلك أن يقضوا بقية عمرهم - ان طال - متعطلين بطالين ، فيضطرون - حينئذ للبحث عما يسد فراغهم ، فلا يجدون ذلك الا فى اجترار آثار استاذهم جحا - غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . . .
