قد تكون عودتنا المكثفة والصحيحة الى التراث لاستقرائه وطرح السؤال عليه هي الجمرة اللامنطبقية تحت الرماد والتى تنتظر ذوى العزائم الملتهبة لمنحها فرصة الاشتغال فى الحقل الجرثومى الذى يعشش منذ أكثر من عشر سنوات فى قطاع البلاد الموسيقى .
. ليس سهلا بل من المستحيل ان تنفصم ذاكرة شعب عن ماضيه الحضاري وشخصيته الوطنية خاصة إذا كانت لهذا الشعب جذور مغروسة فى عمق تاريخي تميزه الاصالة وغزارة المادة ولن تتمكن بالتالى اية قوة من غسل هذا الماضي ومحوه مهما تنوعت اساليب ممارساتها وتعددت وسائل قمعها ولنا فى كتب التاريخ خير الدليل واصدق العبر .
وفي تاريخنا الحديث ارتبطت ذاكرة الشعب التونسي أصلا بمرحلة ما نسمى يعصر النهضة الذى سيطر فيه جماعة تحت السور على الانتاج الادبي والفني بإختيارهم الشخصية التونسية فى اطار الثقافة العربية الاسلامية كرد فعل نضالى وموقف وطني ضد القوى المستعمرة التى كان همها فرنسة البلاد وطمس قوميتها فكانت هذه الجماعة - مع الاحتراز على بعض الاسماء - من ابرز من تصدى لهذه الممارسة وكان الجانب الموسيقى فى هذه التجربة يركز على ما يسمى باللهجة التونسية فى الموسيقى العربية الاسلامية فاقتبس من التراث ولم يشوهه كما يفعل بعض المجددين هذه الايام وكذلك لم يتعمق فيه واهمل بصفة تكاد تكون كلية جانبه القروى والريفى
ومع قدوم الاستقلال وتطور الوسائل السمعية اولا ثم السمعية البصرية كان لا بد للناس ان يطلعوا على تجارب الغير وكان لا بد للمنتجين ان يتطلعوا الى مجاراة الالوان الناجحة التى تعجب الناس فاستشرق وتمصر - نسبة الى مصر - اغلب موسيقيينا وفيهم من تغرب او من اعتنق المذهبين فكان نتاجهم موسيقى هجينة ( 1 ) ابهرت في بداية ظهورها الجماهير ثم ما لبثت ان تلاشى ابهارها وهذا لا ينفي وجود بعض المحاولات الجريئة والطريفة التى لم يكتب لها التواصل لعدة اسباب منها انعدام الاطار التنظيرى او عدم الصمود أمام عثرات الطريق : فرقة المنار ورضا القلعي مثلا .
وامام الشعور بانحدار الانتاج اخذت اكثر من جهة رسمية توافق الناس فيما اتفقوا على تسميته " أزمة موسيقى " لكن الكرة ظلت ترمي فى غير اتجاه محدد تتقاذفها الالسن بين من يقول ازمة كلمة ومن يقول ازمة لحن الى من يقول ازمة هياكل وازمة خلق وابداع الى غير ذلك لكن المهم هو ذلك الشعور السائد بان الموسيقى بمختلف اتجاهاتها متخلفة عن موقع خطى بلد سائر فى طريق التقدم فالموسيقى التقليدية وما لف حولها والتي نعتمد على مراجع صحيحة لم تعد قادرة على جلب الجمهور الكبير لوقوف نطورها على مستوى البحث فى تفجير رتابة الجملة الموسيقية ثم طرق العرض فى عملية البث والتلقي أما البديل المطروح من طرف ما يسمى بالمجموعات الهامشية التى تعتمد على الكلمة مع ثانوية التركيبة الموسيقية فانها بذلك غير قادرة على الصمود امام الاتهام بالفقر الفنى والجهل : تعديل مغلوط . نشاز فى الاصوات غياب الجانب الجمالى . ثم طغيان الشعاراتية فى النص المغنى وكذلك الشأن بالنسبة لاغلب المنتج المعروض كالمزود والموسيقى السياحية ( 2 ) اذ لكل عمل نقائصه .
وامام هذا الوضع الذى كانت نتيجته اكثر من عشر سنوات تجارب سقطت بالارقام تحت الدرجة الصفر لا بد من وجود بعض الافكار لما قد تكون عليه مرحلة الانتقال الى ما قد يعطى البديل او البدائل
وكنتيجة اطلاع من خلال المعايشة الشخصية ومواصلة لما وصلت اليه ندوة الحمامات حول الموسيقى العربية وجمهورها ( 3 ) وكذلك النقاش الذى دار بدار الثقافة ابن رشيق فى اطار هذه الندوة ( 4 ) اعرض للنقاش بعض المقترحات العملية الآتية قبل الوصول الى الاستنتاج الذى بدأت به هذا التدخلى :
1) اعادة النظر في طرق التعليم الموسيقى بالمعهد الوطني للموسيقى والمؤسسات المتفرعة والمتشابهة ( 5 ) كمراجعة مواد التدريس بحيث تكون اكثر شمولية وتخصصا تكوين عازفين مختصين معلمين واساتذة مختصين اى بصورة اوضح بعث شعب التخصص ( 6 ).
2 ) توسيع تدريس مادة الموسيقى انطلاقا من المدارس الابتدائية والاعتماد بصفة مكثفة على الوسائل السمعية فى حصص الاستماع وعدم الاكتفاء بساعة فى الاسبوع تعطى لتلاميذ المرحلة الاولى من التعليم الثانوى
3) تنشيط حركة بعث مراكز مراكز للرسكلة فى اطار اللجان الثقافية الجهوية
والبلديات وتكليف الاطار الكفء والمتفرغ لتعليم الموسيقى وقد يكون عمل هذه المراكز مستوحى من تجربة المعهد البلدى للموسيقى Conservoire . بفر نسا والجزائر Municipal )
4) بحث وضعية الموسيقى - المحترف خاصة - وايجاد اطار قانوني لعمله وهذه النقطة موجهة الى اتحاد الموسيقيين الذى اخذ على عاتقه بحث التصور لذلك الاطار انطلاقا مما يسمى " بطاقة الاحتراف الفني" .
وفي انتظار ذلك ومع ذلك قد يكون ما ذكرت فى بداية هذا التدخل هو البديل الاولي الذي ستتفجر منه البدائل الموجودة ويتمثل هذا العمل فى اهتمام سلط الاشراف : وزارة الشؤون الثقافية . وزارة الاعلام ووزارة الداخلية ( البلديات ) الى القيام بعمليات تمشيط فى كل ارجاء البلاد لجمع التراث وتسجيله على طبيعته بدون تحريف ثم بثه ونشره باستعمال كل وسائل الاتصال الممكنة ولعلكم تذكرون طرافة تجربة افتتاح مهرجان قرطاج الدولى سنة 1980 ولعلنا بهذا العمل نستطيع ان نكون مكتبة وطنية للتراث الموسيقى التونسى وهو جانب لا ينبغي اهمله ولا اظن الاجيال القادمة ستغفر لنا مثل هذا التناسي اما لماذا الاستشهاد بجماعة تحت السور - وكثرة استشهادى بها فى مقالاتى - فلانها التجربة المرجع الوحيد المتوفرة التى تحتوى على عناصر تكوين " المدرسة " ولعلكم توافقون فى ان غالب التجارب الفنية الناجحة فى العالم انبثقت عن مدارس فنية معروفة وتجربة تحت السور كانت الوحيدة تقريبا التى يمكن وضعها فى هذا الاطار لتوفر اهم الجوانب الضرورية فى تكوين المدرسة : الجمالية والطرافة الارضية العلمية الصحيحة والأيديلوجية التى ليس حتما ان ترتبط دائما بالسياسة والاحزاب والمنظرين السابقين فلا أتصور اذن نجاحا يحقق فى ميدان الموسيقى بالبلاد الا اذا توفرت كل هذه الأشياء وغيرها مما غاب عنى والكمال لله
وفي انتظار ذلك ارى بل اقترح تشجيع نشر وترويج بعض التجارب الموسيقية الصحيحة والمتواجدة باحتشام كبير على مستوى التوزيع وهو ما يسمى " بالموسيقى الصامتة " كتجربة الشاب أنور براهم مع آلة العود وتجربة سداسى الموسيقى العربية بقيادة احمد القلعى وكذلك مجموعة ابن رشيق للموسيقى التصويرية وكل هذه التجارب يمكن ان تشكل للسامع مادة مرجعية ثرية اذ ان غالبها يعتمد على الخلق فى قوالب علمية صحيحة الامر المفقود عند اكبر الموسيقيين انتشارا فى هذه البلاد .

