الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، من قصائد الشعراء في (( خمسينية الشابي ))

Share

احتفلت تونس فى الفترة من 9 الى 12 أكتوبر سنة 1984 بمرور خمسين عاما على وفاة شاعرها الفذ المرحوم أبى القاسم الشابى ( 1909 -1934 ) وذلك بولاية (( توزر )) مسقط رأس الشاعر حيث درج فى طفولته ويفوعته بين روابيها الخضراء ونخيلها الباسق ومسارب مياهها الجارية .

وقد شارك فى هذا المهرجان الادبى الكبير وفود من البلاد العربية ، من مصر والمملكة العربية السعودية والكويت والاردن واليمن والجزائر والمغرب وليبيا والسودان وغيرها من الاقطار العربية ، كما حضره بعض المستشرقين من انجلترا وايطاليا وأمريكا فضلا عن أدباء ونقاد وشعراء تونس نفسها .

وقد نجح هذا المهرجان الادبى الكبير الذى كان أشبه بسوق من أسواق الادب عند العرب نجاحا عظيما بفضل الجهود الموفقة التى بذلها المسؤولون عن إقامته وتنظيمه ، وفى مقدمتهم المفكر الكبير الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول وصاحب مجلة (( الفكر )) الغراء والاستاذ الاديب اللغوى المحقق والمؤرخ المدقق البشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية والدكتور محمد الطالبى رئيس اللجنة الثقافية القومية .

وكان من الطبيعى أن يحتل الشعر مكانه بين المحتفلين بهذه الذكرى ،   فصاحب الذكرى شاعر وهبته ربة الشعر قيثارة عزف على أوتارها الذهبية أشجى الالحان وأرق الانغام ولمع فى سماء الشعر العربى كالشهاب الشارق ، فشد الانتباه واسترعى الاسماع اليه .

وقد شارك نخبة من شعراء تونس المعاصرين مع بعض اخوانهم من الشعراء المصريين فى تحية واحياء هذه الذكرى ، نذكر منهم نور الدين صمود والصادق شرف ومختار الوكيل وعبد العزيز شرف ومحمد عبد المنعم خفاجى ومحمد علي الهانى ومحيى الدين خريف وسحنون مختار سحنون ومحمد بن صابر

وأحمد اللغمانى ورجب بنء مهنى وغيرهم  (*) . وقد اختلفت منازع هؤلاء الشعراء فى قصائدهم باختلاف ما أوحت به

الذكرى الى كل واحد منهم من معان وخواطر وأخيلة ، الا أن السمة الغالبة فى معظم القصائد هى الشكوى بما وصل اليه الشعر فى وقتنا الحاضر من الركاكة والفهاهة والغثاثة والتفاهة ، على أن منهم من توجه لصاحب الذكرى بالشكوى مما وصل اليه حال العرب من التمزق والقطيعة كالدكتور نور الدين صمود ، وشذ الدكتور مختار الوكيل فى قصيدته فأخذ يتغنى فيها بالامل والوحدة الكبرى بين العرب .

وفى هذا المقال فتحدث عن بعض الخواطر التى تناولها الشعراء فى هذه القصائد ، وفى مقدمتها الشكوى مما انحدر اليه الشعر فى وقتنا الحاضر .

لقد كانت قضية الشعر المعاصر أو بالاحرى محنته وها وصل اليه محورا أساسيا فى قصائد الصادق شرف وأحمد اللغمانى وسحنون مختار سحنون ومحمد علي الهانى .

وكان من الطبيعى - وصاحب الذكرى شاعر عربى فذ - أن تثير ذكراه فى نفوس هؤلاء الشعراء وخواطرهم ما يعانى الشعر العربى المعاصر من ابتذال وهبوط سواء فى الشكل أو المضمون ، وأن يتوجهوا الى شاعرهم بشكواهم وأن يفضوا اليه بما يجيش فى قلوبهم ويناجوه بما يختلج فى نفوسهم .

فالصادق شرف - وقد استعدتنى الظروف بلقائه وسماع قصيدته الرائية قبل نشرها - يتحدث الى الشابى فى هذه القصيدة المعنونة بـــ (( عشاق المطر الصعب )) على أنه الشطر المكمل للشابى أو هو الامتداد الطبيعى فى التواصل الشعرى بعد الشابى فيقول :

انهيك فى شره شطرى ، وابدؤنى   إن كنت زهرا فحتما اصبح الثمرا

ثم يتطرق الى قضية الشعر المعاصر ، ويبدو أنه جعل محنة الشعر قضية بينه وبين الشابى ، فهو يدير فيها الحديث والحوار مع الشابى مستعملا ألوانا

طريفة من الجناس والاستعارة والتورية والتشبيه والكناية وغير ذلك من المحسنات البديعة ، ويقول ساخرا مما يطلق عليه اسم : (( قصيدة النثر )) :

الشعر حر ، وبحرى من يحرره              إلا الذى ثار ضد السهل وانفجرا ؟

وبات من لم يعش بالأصل ملتحما         يحيا المعاناة ، مثل الورق منتثرا

يكفر دعاة (( قصيد النثر )) ان عجزوا   من ظن أبحر ، فعلا إنه بحرا ! !

من لا يحب صعودا ..ها تخطفه             للسفح عفارة سوت به الحفرا

أيعجز النبع عن صلب الجبال ؟ إذا        ما اشتد هد صخورا وانبرى زمرا

نحن (( الاخلاء )) والتاريخ ننقشه         في الصعب لا السهل إنا نعلن السفرا

ونحن بطبيعة الحال مع أبى وجدان فى نظرته للشعر المنثور ، ورأينا فيه معروف ومنشور ، ومجمله أن هذا اللون من (( الكلام )) لا يمكن أن نعتبره شعرا بالمعنى المعروف للشعر ، مهما انطوى على ايقاعات منغومة وأخيلة فائقة ومعان رائقة وألفاظ رقيقة وعبارات رشيقة ، وانما نعتبره لونا من ألوان الكتابة الادبية أو النثر الفنى ، لسبب بسيط وبديهى هو أن الشعر اذا فقد الوزن انقلب الى نثر .

أما محمد على الهانى فيقول للشابى من قصيدته (( فصرخت جياش المنى : لا بد ان . . . )) :

فاعذر جوادى فى القريض اذا كبا       فلقد رحلت بكل شعر جيد

أشعارنا صدئت وغاض رواؤه           وتنكرت لعكاظها والمربد

وتعددت أسماؤنا لكنها                  أصواتنا فى الشعر لم تتعدد

أما الشاعر سحنون مختار سحنون فقد عبر عن رؤياه للشعر المعاصر بعدة أبيات صور فيها ما وصل اليه حال الشعر ألفاظا وأخيلة ومعانى وقافية وما تميز من إغراق فى الرمزية وايغال فى الالغاز واستغلاق عن الفهم ، فيقول من قصيدته (( الى روح الشابى فى ذكراه الخمسين )) .

الشعر قد لاحت جنازته              فى كل لفظ عن الأخلاق ينبت

اسموه حرا فلا وزن ولا نغم           فالشعر ما شئت من هذر وما شئت

وشاعر اليوم لغز فى تناوله            ولا على لغزه شرح ولا نعت

فلا تشدك من فوضاه قافية          ولا يميلك من فرط العيا بيت

ثم يا ابن واحتنا واعزف لهم نغما     لعل فى أذنهم ينداح ذا الصوت

أما أحمد اللغمانى فقد كان فى قصيدته (( لنا موعد )) عنيفا فى التعبير عن سخطه وغضبه لما وصل اليه الشعر والشعراء فى وقتنا الحاضر ، فتحدث عن الفن والشعر وكيف يموت بحنجرة العندليب ، وكيف أن كتاباتنا أصبحت اليوم ثرثرة وكيف أن أشعارنا أصبحت لقيطة ليس لها نسبة ولا انتماء . وهو طبعا يشير بذلك الى موجة الرمزية الموغلة فى الغموض والابهام التى اجتاحت الشعر العربى المعاصر تقليدا للشعر الغربى فى أوربا وأمريكا ففقد الشعر العربى أصالته وعراقته وأصبح نظم الشعراء كما يقول ابن شهيد فى رسالته التوابع والزوابع : (( ليس لسيبويه فيه عمل ولا للفراهيدى اليه طريق ، ولا للبيان عليه سمة ، وإنما هو لكنة أعجمية يؤدون بها المعانى تأدية المجوس للنبط !! )) .

يقول اللغمانى فى قصيدته متوجها بحديثه الى الشابى :

فهلا تركت لحين مكانك فى شرفات

العلاء

وهلا نزلت الينا قليلا

لتشهد مهزلة الشعر والشعراء

وهلا نزلت الينا قليلا ابا القاسم

فقرات علينا كتابك

إن كتاباتنا اليوم ثرثرة

لا ابتداء لها ... لا انتهاء

أبا قاسم ! عد الينا نبيا

فأشعارنا هجنتها الدعارة !

فهى بنات بغاء !!

لقائط من ههنا ... وهنالك

لا نسبة ... لا انتماء

هكذا عبر الشعراء عن خواطرهم عما يعانيه الشعر العربى المعاصر ، ولا شك فى أن لهذا التعبير على اختلاف لهجته ونغمته ، دلالته على ما وصل اليه هذا الشعر فى الوقت الحاضر ، وهو أشبه بدقات ناقوس الخطر أو إضاءة إشارة التنبيه الحمراء .

أما نور الدين صمود فقد أهاجت ذكرى الشابى فى نفسه خواطر مختلفة ضمنها (( رسالته الى الشاعر )) ، تلك هى ما وصلت اليه حال العرب من التمزق والقطيعة وما أدى ذلك من محن حلت بالبلاد والعباد .

فبعد أن يتحدث الشاعر عن الشابى وشعره وكيف كان ملتهب الحس ثائرا (( يلعلع شعره كالرعد فى وجه الطغاة )) و (( يلمع كالنور فوق المنائر ))

يهد جدار الظلم ، وكيف كان يدغدغ قلوب المحبين بأحلى أغانى الهوى والشباب - يوجه للشاعر الحديث ويسأله :

أيا خالد الشعر . إن الرزايا

بدنيا العروبة أضحت

كغابة حزن ... كأمواج بحر

وقد كان خصم العروبة مستعمرا

جائر الحكم غاشم

يقاومه الشعب بالنار تكوى

وبالشعر يوقظ ماضى العزائم

فأصبح خصم العروبة أخلص

أبنائها

وقادتها جاوزوا فى مجال القطيعة

أكبر أعدائها

وفى كل يوم نحاول قربا

فنزداد بعدا

وفى كل يوم نحاول وصلا

فنشبع صدا

وفى غمرات القطيعة ضاعت بلاد

وماتت عباد

وأضحت قصائدنا فى مجال الفخار

حداد !

وعلى العكس من الدكتور نور الدين صمود - نجد الشاعر المصرى مختار الوكيل فى قصيدته (( مع الشابى فى ذكراه الخمسين )) مفعما بالامل والرجاء ، ينظر الى الواقع العربى نظرة ملؤها التفاؤل ، يتغنى بالامانى والائتلاف والوحدة الكبرى بين العرب ، ويرى فى اجتماع الادباء من مختلف الاقطار العربية للاحتفال بذكرى الشابى نوعا من الوحدة ولونا من التأييد ، فيقول الوكيل موجها حديثه للشاعر :

قم أبا القاسم العزيز تر الشعــــ      ــب يغني فى فرحة المجدود

الأمانى مطلولة وبلاد الــــ           ـــعرب قد حطمت قيود الحديد

وأرى العرب كلهم فى ائتلاف      ووفاق محبب وصمود !

همهم رجعة الى الوحدة الكبـــــ       ــــــرى بنصر مؤزر مشهود

وأرى اليوم جميعهم عند أبى القا    سم لونا من رائع التأييد

وبعد ...   فهذه بعض ما أوحت به ذكرى الشابى الى شعراء العربية من خواطر لها دلالتها وارتباطها بالواقع المعيش ، سواء فى عالم الشعر المعاصر أو فى الواقع العربى الحاضر .

اشترك في نشرتنا البريدية