أيفت فى أعصابها حر القائلة ؟ أيدركها الفتور حاملة ابنها على ظهرها ؟ أيعروها تعب المسافات كلا هى تسعى بين أزقة قهرية أجلت الهاجرة عنها غالب القوم . فلا تكاد تنقل الخطو حتى يعلو صوتها مخترقا طيات السكون الشامل ودائبا كالصدى فى عرض القرية : هذى التقازه . هذى التقازه
وما أحوج مثل هذه الأرملة فى مثل هذا الظرف الى القمة تقتل بها عفاريت الجوع وشئ من الماء تطفئ به ضمأها فيدر ثديها وينعش بالروح تلك الأشلاء المحملة على ظهرها . الا أن السبيل الى ذلك عسير ما زال يقتضى الارهاق فى السير والبحة فى الصوت وبوادر الحرص مازالت تلح بالوقوف عند كل باب وبالتصديح فى سقائف الديار : هذى التقازه بالسبحة
ويطول الطواف بالمسكينة ولا تجنى منه سوى الصدى اذ القرية يسربلها سبات عميق والأحلام تلج بأصحابها فى عالم الذكرى فلا يدركون حقائق أنفسهم ولا حقيقة مريم التقازه ، يسامرون أرواحهم فى النهار ويقرعون على مسامعهم حكايات الأوهام ، لا يعنيهم من شأن مريم شىء : فسيان عندهم طوافها أو مكوثها هتافها أو سكوتها تبكى هى أو تضحك ، تشبع او تجوع ، ترضع أو تفطم كل ذلك سواء ما دام القوم تهدهدهم برودة الظلال وتنعشهم راحة النوم .
وتمضى مريم وقد أضحى اليأس يتعتع آخر رمق لعزيمتها فتودع حشاشه آمالها فى باب لم يسبق لها أن اختبرته ولا أن مرت أمامه فتخف نحوه مسرعة . تفتحه شيئا ما ثم تهتف : هذه التقازه بالسبحة ثم تتقهقر مسافة . فى الحين يتطلع شاب وسيم فيشرع مصراع الباب ويبرز على العتبة مناديا : - أين أنت . تقازه . تعالى . تعالى
تستكين مريم للصوت فتهمهم : هى التلبية يا رب " سأتقز " سأتنبأ لمصير العباد يا ليتنى تنبأت لمصيرى المظلم ومصير هذا الصبى يا ليتنى " تقزت " لنفسى فعرفتها بخزائن الدنيا وكنوزها . على كل سأمضى سأحترف الخداع والكذب فما دام القوم يؤمنون بذلك ويجاوزون من يراودهم به - سأتنبأ مع انى لست بنبية وسأكذب مع أنى لست بكذابة . ولكن صوت رجل يدعونى ! ؟ صوت رجل يلبى ! ؟ أامضى رباه أم أعتبره بابا كبقية الأبواب يتبخر عندها هتافى فلا يسمع أربابها ولا يجيبون ؟ كلا سأمضى . . أبدا سأعتبره بابا كبقية الابواب .
تتراجع مريم شيئا الا أن الاشياء توقفها فتبقى تنصت اليها تقول : لا يا أماه . امضى ولا تعتبريه بابا كبقية الابواب ، فلقد بلغ الجوع منى منتهاه امضى أماه .
تهجع مريم لهذه النأمة الرخيمة وتنقاد فى صمت رهيب كمثل الذى يمكن أن يخيم على مقبرة : متعثرة الخطى يضنى الحصى أقدامها الحافية متأججة النفس يلهو مصيرها بخواطرها الشاردة وتمتثل أمام الشاب قائلة أنا هنا يا هذا فما خطبك . يرد الشاب : ألست التقازه ؟ ! يدعوك اصحابي فى هذى الحانوت فهلا دخلت و " تقزت " لهم ؟ !
تحنى مريم رأسها على صدرها كطفل لعب الكر بأجفانه ثم تلج المقر ببسمة ايبست شفتيها وعينين أكل بمن نورها شيطان مصيرها فى هذه الحانوت . وتحدث نفسها : انى أعلم ما يريده اصحاب هذه السن وأعلم رسالتى أنا النبية . فلعنات الله عليك أيتها السبحة ، لعنات الله عليك عندما كنت تسع وتسعين جمرة شكلها ليل العوادى قلادة ومنحنيها لاسبح بها لابليس والشيطان فأنال لقمتى مغموسية فى سم الخنى وأرضع ولدى من لبن أسود
ويغلق الباب من دون مريم وتمضى ساعات لا يسمع خلالها شىء . حتى اذ مادنا المغيب كنت وشيطانة تقتحم العتبة منفوشة الشعر كخضم اضطربت أمواحة مكمشة الأعطاف كمن باتت لبالى على التراب معفنة الوجه كمر صارعتها العاصفة وتعبر الدرب بأشلاء على ظهرها ثم تذوب ولا يبقى منها الا صدى : هذى التقازه . هذه التقازه سرعان ما تترشفه شمس الأصيل فيضيع مع اشعتها بدادا فى سماء التلاشى
