الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

يونس الحشايشي

Share

العربة المتداعية تقضم الطريق الممتد بين الحقول الجرداء الحزينة . . البغل الادير يحترق تحت سياط الشمس . . يسبح فى بحر من العرق المتأجج صرير العجلة يرتفع وينخفض ، يقترب شيئا فشيئا تبدو العربة كخنفساء عجوز ، أشبعها الدهر من آلامه . . فتمر بطيئة ، متخاذلة ، قد عشش الاعياء والهرم في كل جزء منها لم يكن حوذيها غريبا عني . . إنه : " يونس الحشايشي " نظرت اليه فلم أستطع أن أميز وجهه من جسمه كان رأسه مندسا في مظلة السعف المنكبة الى الامام بحيث لا يستطيع أن ييميز ما حوله بوضوح . . .

" - الله يعينك يا عمى يونس

- الله يسلمك . . "

ولم يتزجزح من مكانه ، بل ظل على هيئته ماسكا بحبل المقود وقطعة القنب . . ثم ارتشفني بنظره المتغضن المكدود وسألني :

- الى أين ؟ . تربح

ويقصد من خلال ذلك المكان الذي أنشده . .

فقلت

" - الى جهة الطاحونة .. "

تحسنني مرة أخرى بعينيه الضئيلتين المختفيتين عن النور كان وجهه الضامر يبدو من أحد جانبيه كالهلال ، ينم عما يحمله من تعب الشيخوخة . وبرز ذقنه المعقوف حتى كاد يلتقي بأنفه المتدلى ، اللماع كلما تسربت اليه

الشمس . . أما الفم فقد غاص في المنخفض الضيق من الوجه وانجذبت شفتاه إلى الداخل تفرجان بين الحين والآخر عن سن وحيدة اندثرت أخواتها منذ زمان بدا العم يونس بجسمه المنكمش الصغير أكبر بكثير ورغم الانحناءة المرسومة على ظهره ، والتي لامست قفا رأسه كان طبيعيا لانني تعودت أن أرى كثيرا من شيوخ الريف على هذا الشكل .

- أين الطاحونة ؟

- بعيدة هناك ؟ لماذا هذا السؤال ؟

- سمعت عنها

- ماذا سمعت يا ولدى ؟ انه لا شئ من ذلك . .

ثم غمغم ، واختفى صوته داخل المظلة السعفية المهدلة ، ولم أعد أسمع منه إلا كلاما مبهما ، واستمر البغل المترنح فى مكابدته وعنائه تلتصق به العربة جاهدة ألا تنفصل عنه . .

توغلت العربة فى مساحات الحقول ، تختفى تارة ، وتظهر أخرى ، الى أن اصبحت فى حجم ذبابة ثم تلاشت

كانت الشمس تحفر دماغي وتثقبه بمساميرها الحادة ، ظلي انحسر فى مساحة ضيقة جدا تحت ساقي بحيث أصبحت أطؤه كلما مشيت . . الصراصير تعزف سنفونيتها الحادة تجاوبها من حين لآخر هفهفات بعض الطيور المتنقلة لالتماس الظل والمقيل . . وأنا اتأجج متبعا آثار العربة لا أبالى بطعنات القيظ أو بخطر الكلاب المسعورة عيناى تتوثبان لعلهما تلامسان أعالي الطاحونة فى الأفق البعيد المشطب بخطوط السراب .

. . " الشاطئ الازوردى تتفق فيه الطبيعة حيث يفتح البحر الاخضر قلبه لأهل العشق الطريق الرئيسية رقم سبعة تغطى ظهرها الداكن قوافل السيارات مختنقة فى مداخل الجسور وأمام أضواء المفترقات تعرج الى مدينة - فيجيس - لتنصب مباشرة فى مدينة - سان رفائيل - الساحرة . .

كان الصيف يفيض برائحته وعرائه على المدن الجنوبية الفرنسية .. الشوارع تختنق بالسيارات والعباد . . طوابير من باعة وعارضى الارصفة على

امتداد الشوارع وعلى ساحل البحر . . تستوقفك معروضات من بضاعة ومبيعات مختلفة فى هذه الاماكن ، وتقع عيناك على منحوتات صغيرة تتمثل في رؤوس بشرية ، وأوانى من الفخار والبلور الملون ، إنها تحف اثرية ما زالت بصمات التاريخ عالقة بها يحدثك بائعوها عن قيمتها ، وعن عصورها ، والأحداث التى شهدتها . . وتحس أن من بينها ما هو جزء منك ، من صلبك وكيانك وعراقتك ، وتلاحظ اهتمام الناس بها ، والتعطش لمعرفة كنهها وأصالتها ، وفيهم من لا يساوم لاقتنائها ، وتكتشف أن ثمنها باهظ جدا يتوازي مع القيمة التاريخية التى تحملها كل ذلك وانت واقف تمعن بصرك ، ولا تقدر على شراء ولو واحدة منها بل ربما كنت غير مقتنع بما يبدى لها من أهمية ورغبة ، وربما كنت تهزأ فى قرارة نفسك بأولئك الذين يتهافتون على اقتناء مثل هذه المعروضات ولو دخلت بعض الصالونات الفاخرة لشاهدت الكثير منها على الرفوف أو المصطبات الرخامية ، فتزيد الروعة روعة ، والجمال جمالا ، وتجعل المتأمل فيها منتعش البال ، لما تستحقه من قيمة وما تحوزه من أهمية ولكنه لا يتصور أبدا أنها تخفى فى سرها هويتها ، ولا يهتدى أن لها علاقة بالطاحونة وهنشير " الفزاح " وعرق " أبيك يونس الحشابشي " وأنين معوله الحاد . . . انها عبرت البحر وجاءت الى هذا المكان الجديد بعد أن ظلت مدفونة تحت التراب مئات السنين ، فاذا هي تبعث من جديد ، وتعود الى الحياة فى عصر مخالف لعصرها السابق ومن اناس يتباينون مع الناس القدامى ، وفي مجتمعات تغاير المجتمعات الغابرة وفي مكان بعيد عن منبتها وأصلها

لا أحد يعرف اليد الفنانة الصنيعة التى سهرت على نحتها والوصول الى تحقيق شكلها

ولا أحد يعرف لمن بعث أو أهديت ، وفي أى بيت أو قصر انتصبت وعرضت

ولا عقل يدري أو يحسب العيون التى شاهدتها ، والايدى التى لامستها ، والقلوب التى استهوتها

انها عجيبة حقا ما دامت تحمل في طياتها المجهول ، وما دامت تنبض بهذه الأسرار ، وتزخر بالعجائب ، وتثير كثيرا من الغموض . . "

- هنش الفزاح - هو مجموعة من الهضاب البنية الصغيرة يتلاصق بعضها ببعض فتظهر كالنهود العارية ، وعلى هضبة من الهنشر تنتصب بناية قديمة ، ضخمة ، عالية الجدران ، عضها الزمن فأحدث فيها فلولا ، ولوثها بالطحالب والسواد ، تحكى حيطانها المجصصة الهرمة عن تاريخ قديم وتشهد عن ماض سحيق ، وعن حياة كانت موجودة فيها . . وبقربها دهاليز قاتمة لا يجرأ أى أحد على دخولها ، وتدلت من فوق عرائش العليق متعانقة على شكل لفائف تصفر فيها الرياح من حين لآخر

أما الظلال فقد ربضت فى ذلك المكان كأنها تشد البرودة اليها ، فتنعم في تلك الوحدة بالسكينة والخلود .

تلك البناية معروفة باسم - الطاحونة - وهناك من يسمى هنشير الفزاح بهنشير الطاحونة ، أما الطريق التى تمر من أمامها فهي طريق الطاحونة كما يعرفها الجميع .

كنت مشدودا بالطاحونة ، لما سمعت عنها من حكايات القرويين ، فهى كما يروون عنها معقل للجن والشياطين ، ومسكن للمردة . . وهي مرصودة منذ أقدم الازمنة فكانت مبعثا للعجائب . . وتحت هضابها تربض كنوز مخزونة يستعصى استخراجها الا عن طريق السحر

كثر الحديث عن الطاحونة وعن مقبرتها التاريخية ذات النفائس والتحف المثيرة .

وتراكمت في ذهنى أصناف الروايات وحشرت محتلف الافكار وأصبحت الطاحونة وحدها تمثل عالما وهميا لا حدود له . . كنت أرغب في زيارتها والعيش ولو للحظات فى طقوسها وعزلتها ، وكان موقف يونس الحشايشى ذلك العجوز الغامض ما زال يحيرنى ، ويبعث فى نفسى مزيدا من الرغبة وحب الاكتشاف .

كنت أمشى فى طريق الطاحونة ، مستحث الخطى . الشمس تفرزنى عرقا الريح الجنوبية الساخنة تلذعني بالسنتها النارية المحرقة

الرمال تنصهر تحت سياط الحرارة فتميد تحت قدمي كالزئبق . . الطيور هاجرت السماء ولاذت بالظلال

كنت أراقب متاهات الحقول فوق رؤوس الاشجار ، كانت تبدو بعيدة أحيانا ، أو قريبة أخرى .

فى ذلك الافق الجهنمى تطل الطاحونة من بعيد . . تترامى الطريق المنحنية ذات المنعرجات الكثيرة فى تلك السهوب كأنها مقطوعة عن الطاحونه ، أو كأنها لا تصل اليها

كنت دائما أستحضر الحوار الذي دار ذات مرة بيني وبين يونس الحشايشى :

" - أين الطاحونة ؟

بعيدة هناك لماذا هذا السؤال ؛

- سمعت عنها

- ماذا سمعت يا ولدي ؟ إنه لا شئ من ذلك "

أسأل نفسي وأنا أذكر غمغمة - يونس الحشايشى - محللا اجابته :

" - ماذا سمعت يا ولدى ؟ لا شئ من ذلك

حالت بيالي خواطر وتأويلات كثيرة كنت أتابع الطريق التى أحسبها لا تنتهي وكنت كلما أشرفت على مكان عار أرى الطاحونة تقترب مني ، فكانها تنحني على من بعيد أو تمد إلى يدها لتجذبنى الى بعض نوافذها الداكنة .

مضت ساعتان من المسير وكأن الريح قذفتنى مباشرة الى تلك الاحراش ، وللحرارة وقع خاص حين تتفاعل الشمس المتأججة مع الرياح العنيفة الحارقة . . كل شئ يبدو جليا الآن . . الطاحونة تتربع على هذه الهضاب الفسحة الجرداء ، تتحدى الزمن كعجوز غابرة تكافح الموت ولا ننصاع اليه بسهولة ، فراغات أبوابها الضخمة تكشر عن نتوءات الحجارة

الرياح تهدر في فجواتها كسيول المياه المتدفقة ، فتلطخ أركان الجدران لطخا ، وشعرت بأنني لاول مرة اواجه هذه الوحدة الكئيبة ، وتخيلت لو ان ماردا يخرج من بين أكداس الحجارة وأشواك السكوم ويمتد عاليا لينحني على من فوق الطاحونة برأسه الضخم ، وعينيه الجمريتين ، وانيابه الطويلة الحادة

ولكن الشجاعة التى امتلكها فى ذلك اليوم دفعتني الى الاقدام واكتشاف هذا القمقم ومعرفة حقيقته

هناك آبار سوداء عميقة لا قرار لها ، تقرعها الرياح فيسمع أنين صادر من جوفها ، ابتعدت عنها قليلا ، واقتربت من الوجه الامامى للطاحونة ، وأنا أسبح فى بحار من الخيال والحيرة

لقد حدثنا أستاذ التاريخ عن الحضارات الغابرة ، عن الرومان والنورمنديين ، عن العرب والاسبان ، عن الاتراك عن الفرنسيين . . ولم أكن من الاختصاصين في مادة التاريخ حتى أفتح أسرار ما يمثل أمامى ، ولكن دوامة الافكار جعلتني وجها لوجه أمام الزمان والمكان . . .

" رأيت مئات الجنود الغائصين فى الحديد ، المدججين بالسلاح يصطفون فى كل مكان ، وبرزت بنايات أخرى فوق هذه الهضاب انها مدينه برمتها أسوارها عالية ، وجدرانها متينة ، وقلاعها حصينة يطل من أعاليها حراس أقوياء ، غلاظ . . رأيت آلاف الناس في هرج ومرج ، فيهم الغنى والفقير يلسبون ثيابا صوفية وجلدية ، وهم يهتفون ويصفققون ، وتتخلل تلك الحشود عربة ذات عجلتين ، تجرها الخيول المطهمة ، وقد جلس فى مؤخرتها الملك وعلى رأسه التاج وبيده الصولجان ، وجلست بجانبه الملكة الجميلة ، تحيي الناس من حين لآخر بابتساماتها . . يمر الركب من أمامى وأنا دائخ لا أتحرك تدخل العربة باحة القصر تحت حراسة الجنود وينزل الملك ، وتنزل الملك وتحجبهما الستائر "

أفقت من غيبوبتي الخفيفة ، وعدت الى واقعى ، وتيقنت أن ما شاهدته هو مجرد صور جمعتها الذاكرة من خلال حديث الاستاذ عن تاريخ الرومان فى بلادنا ، وربما امتزجت هذه الصور ببعض مشاهد الافلام التاريخية القديمة . . ولكن الحقيقة تكمن فى أنه لا بد من حضارات سابقة قد لامست هذا المكان ، ومرت من هنا ولم تترك الا هذه النفايات الزهيدة .

الى تلك اللحظات العميقة ، وفي ذلك الصراع الزمني القاهر ، شعرت بأنني لم أكن وحدى فى ذلك المكان ، وأن واحدا آخر على الاقل يشاركني رحلتى الخيالية عبر القرون الغابرة . . لقد تطرقت الى مسمعى نحنحة ، وأصداء معول يتجاوب مع تلك الحجارة الهرمة خفت فى بداية الامر ولكنى تشجعت ورحت أحوم حول الطاحونة .

عربية منتصبة على مؤخرتها ، متكثة الى الجدار ، تكدست حذوها البردعة الشكيمة وبعض الحبال بغل أدبر يستلذ ببرودة الظل ، يعمل منخريه فى هشم الحشائش اليابسة تقدمت أكثر أشرفت على قبر قديم حيث يطالعني الرنين نعم ! هو بعينه عمك - يونس الحشايشى - حسبته في أول الامر من بقايا الاموات ، أو شبحا منها ، آن له أن يستيقظ فى هذا المكان الموحش . . رفع رأسه إلى وتأملني بعينيه الضيقتين كان جسمة النحيف بشبه الهيكل العظمى المضمحل وكانت سمرته تغوص فى ظلام القبر عرفت أن الرحل لم يحتمل قدومى فى تلك الآونة ، فهو حريص على السر الذي لم يبح به لأحد والذي فتحته الآن واقتحمت عالمه الخاص .

غمغم كعادته ، ثم شد يديه الى حاشيتي القبر وقفز خارجه كان العرق الملوث يغطي كامل جسمه ، تصفعنى رائحته المفرزة من خلال ثقوب المريول المهترئ ، والسروال المقطع انحني على المظلة ووضعها على قبعته الصغيرة واتجه نحو العربة كنت ألقى بقايا نظرة داخل القبر . . رأيت جمجمة منفصلة عن عظام أخرى ، وشظايا بلور فيروزجى . . وسمعت تنهيدة عميقة تخرج بصعوبة من ذلك الصدر الضيق المحترق .

حيرني الرجل كثيرا ، واهتممت به أكثر وبقيت أفكر فى أمره . . لم أجد الفرصة لتحيته أو المبادرة بالدخول فى الحديث معه ، وانتظرت موقفه مني : استعاذ من الشيطان الرجيم ، وجلس القرفصاء لاهثا كالثعلب العجوز . .

نادانى فأسرعت اليه مسلما ، وكنت انتظر منه ذلك بل أتمنى أن يبادرنى بالكلام حتى أجد مدخلا لنفسي ، وأشعر بالارتياح تجاه هذا الشيخ لقد نعتني بسوء الطالع حيث لم يعثر فى ذلك اليوم كما تعود أن يظفر من خبايا القبور .

أزاح يشكيره الملقي قرب البردعة ، والتقطت أصابعه النحيلة اليابسة كأسا مزخرفة وقال بصوته الرقيق المتعب . . هذه فقط يا بني . لقد تهشمت الأخرى تحت ناب المعول هل رأيت بقاياها فى القبر كنت فيما مض أتحصل على الكثير منها ، أما الآن فهو كما ترى . ؟

كانت أسئلة كثيرة تكاد تقفز من شفتى ، ولكنني الجمتها حين عرفت واقع الشيخ يونس الحشايشي ، وكشفت سره الذى ظل حريصا على كتمانه . . ولكن يونس الحشايشي ظل كما عرفته منذ سنين ، معدما ، لا يقوى على توفير

الوجبة الواحدة فالكوخ هو الكوخ والحصير هي الحصير . والبغل عاشره منذ سنين طويلة وما زال يقاسمه المحنة والفقر والمكابدة تأملت من جديد سطح تلك الهضاب كانت القبور تفتح أفواهها الى السماء تتكدس حولها كثبان التراب الصغيرة لقد أكلت من جسم يونس الحشايشى وكادت تحيله هيكلا من هياكلها هل كان سكان المقبرة الذين كانوا أحياء ، ينبضون بالحياة والأشراقة والامل يدركون أن حظهم العاثر سيكون على يد سفاح مهزوم فى زمن قادم بعيد اسمه : يونس الحشايشى ، وأن مدينتهم العامرة ستصبح أحراشا مقفرة ، وهيكلا نخرا ، وأن تحفهم وممتلكاتهم الثمينة سيكون تفجيرها على يد هذا الشيخ المتآكل ؟ ولكنها سوف لن تنفعه بشئ ، فهو سيبيعها الى أحد سماسرة - الأنتيك - بمدينة - سوسة - بثمن زهيد ، لان - الحشايشى - لا يعرف قيمتها وانها ستعبر البحر وستعرض فى صالونات القصور والفيلات الفخمة فى - نيس - و - كان - أو سان رفائيله - أو - سان تروبيز - أو - مونتوكارلو - . . وأنها ستشهد الليالي الحمراء على نخب الوسكى والرقص والعناق . . ان مثل هؤلاء المجانين ينظرون الى هذه التحف نظرة الجمال واحترام التاريخ وابداع الفن ولا أعتقد أنهم سيذكرون معها - يونس الحشايشى - وهنشير الفزاح وغيلان الطاحونة .

لا أعتقد أبدا أن عرق - يونس الحشايشى - سيتسرب الى القاعات الفخمة الفاخرة ، ويتعجن مع عرق الرقص والشطيح الجنوني . . سيظل يونس الحشايشى شقيا مع أمواته تلاحقه اللعنة والدعوات ، بعيدا عن الشاطىء اللازوردى ، وعن الطريق الرئيسية رقم سبعة وعن قوافل السيارات ومداخل الجسور وأضواء المفترقات وعن المدن الجنوبية الساحرة . .

سيظل فى غربته السوداء يستنزف كنوز المقبرة شيئا فشيئا وهو يحلم ولا يحلم يشتم رائحة الموت والأزل تتبعثثر من حوله القبور يوما بعد يوم . . وهو لا يدرى أنه بعمله هذا يكتب تاريخا جديدا ، ويفتح أبوابا ظلت موصدة مع الايام ولكنه لم يجن من هذا العمل غير اللعنة والخواء

يظل منتحرا فى تلك الاماكن المهجورة القاصية وهو لا يدرى أن العالم يدور حوله وانه سيظل مع هنشير الفزاح والطاحونة دائما وأبدا الى آخر نبضة قلب وعجلة الزمان لا تتوقف عن الدوران .

اشترك في نشرتنا البريدية