المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات « بيت الحكمة » : أحدثت المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات بمقتضى قانون صادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وهي مؤسسة عمومية ذات صبغة ثقافية تتمتع بالشخصية المدنية ، والاستقلال المالى وتخضع لاشراف وزير الشؤون الثقافية . وهي تقوم مقام أكاديمية في مجلسها العلمي وتعمل كمؤسسة علمية ، غايتها الاسهام في اشعاع تونس الثقافي على الصعيد الدولى وربط الاواصر مع المؤسسات العالمية الشبيهة بها وتكثيف الاتصال بالعلماء في العالم ، الجادين في اقامة حوار مجد بين الحضارات وتعاون مثمر بين الثقافات
ان دور المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات شبيه بدور الاكاديمية لان مهمتها الرئيسية هي استكشاف ما في ميداني الادب والفن من مستحدثات والمساهمة في التقدم بالفكر العلمى وتطبيقاته بضروبها المختلفة . والسعى الى التعريف بالخلق الادبى والفني الرفيع والاهتمام بميادين الثقافة كلها والانتفاع بتجاوب الامم في هذا المجال واشاعتها ، والمؤسسة تشتمل على مجلس علمي هو نواتها ، ويتركب هذا المجلس من اعضاء قارين و آخرین مشاركين يتمتعون بمنزلة علمية ممتازة في أهم حقول النشاط الفكرى والثقافي والعلمي أو اشتهروا بالخدمات الجليلة التي أدوها للانسانية. وبذلك ستصبح المؤسسة اطارا ملائما للتفكير الجاد والحوار الخصب ، واللقاءات المثمرة وبها يتسنى لتونس وهى تصغي الى ما يجد في الكون - أن تبرز مع تقدم الزمن وبفضل العزائم الصادقة تقديرها الحق عطاء الانسان لأخيه الانسان .
وتعتبر المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات مؤسسة علمية تهدف الى تنظيم حركة الترجمة نقلا وتعريبا ، وقد انشأت هيكلا مخصوصا ضمن هياكلها الاساسية يدعى ( المعهد الوطنى للترجمة الادبية والعلمية ووضع المصطلحات » لايمانها بضرورة الانكباب على هذا النوع من النشاط العلمي ، اذ لا يخفى أن التشجيع على الترجمة يسهم بقدر كبير في اثراء
التراث الانساني بخصائص نتاج الثقافة العربية ومميزات الحضارة الاسلامية ويمكن كذلك من التعرف الى كنوز الثقافة العالمية. ومن وظائف المؤسسة باعتبارها مؤسسة علمية توجيه الدراسات والبحوث قصد تحقيق النصوص تحقيقا علميا . لصيانة التراث واثرائه وابرازه ضمن هيكل آخر أطلق عليه اسم » معهد تاريخ النصوص وتحقيقها ودراستها »
وبذلك يتم لتونس - وهى تملك مخطوطات ثمينة لم تفتأ تحافظ عليها وترعاها ـ أن تعرف في منشورات علمية بكنوز الثقافة التي جهدت في انتقائها أجيال عديدة وبقيت في طوايا النسيان . وستسعى المؤسسة في اهتمامها بالدراسة العلمية ، والاشعاع الثقافي على نطاق واسع الى دعم اللغة العربية باعتبارها أداة تعامل في مستوى عالمي فكريا وعلميا ومعرفياً .
وحرصا من المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ( بيت الحكمة ) على أن تضم الى العاملين فيها نخبة من الجامعيين وغيرهم ممن تميزوا في ميدان البحث والخلق والابداع فانتجوا اعمالا طريفة وطلائعية ، فانها آثرت أن يكون من بين هياكلها » مخبر التجديد والابداع » وهو منطلق لكل عمل ثقافي ينحو منحى التعمق في البحث العلمي في هذا الميدان ويستعمل المستحدثات التقنية والآلات سواء فيما يتعلق باللغة أو سائر الفنون وذلك بالتقصى والاستكشاف لا النظرى فقط بل بالتطبيق المخبرى التجريبي
- وستسعى المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات بیت الحكمة - الى حث العلماء المختصين ، على التأليف في كل ميادين الثقافة ، أدبا وفنا وفكرا حتى يتم التعريف بما ساهمت به تونس من عمل خلاقيها ومبدعيها ومفكريها في الثقافة العربية الاسلامية وفى الحضارة الانسانية بصورة عامة
- ان المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات بيت الحكمة - باعتبارها أكادمية ، ومؤسسة للدراسات والبحوث ، ومركزا للثقافة غايتها القصوى نشر حصيلة اعمال هياكلها ، هي أداة ملائمة للاشعاع الثقافي التونسي ومجال فسيح للتعاون الثقافي الدولى تنصهر فيه الخبرات والتجارب المختلفة . ففيها تنجز اعمال الترجمة والدراسات وتبرز التحقيقات النقدية وتضبط تجارب الخلق والابداع ، والتجديد وتعد التأليف المتعلقة بفنون الثقافة وهى فى ذلك كله تكون ملتقى متواصلا للادباء والفنانين من بلاد العالم
وبهذه المؤسسة سنبرز على مر الايام دور تونس في تأصيل الحوار بين مختلف الحضارات ، بوصفها بلدا ذا ثقافة عربية واسلامية ساهم في اثراء التراث الانساني ، وبلدا افريقيا متفتحا على البحر الابيض المتوسط .
وقد احدثت هذه المؤسسة بمقتضى قانون عدد 90 سنة 1982 صادر بالرائد الرسمى عن رئاسة الجمهورية التونسية بتاريخ 20 ديسمبر 1982 بعد موافقة مجلس النواب
وبمقتضى هذا القانون تكلف المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات بصفتها مؤسسة عمومية ذات صبغة ثقافية بالقيام بكل أعمال التفكير والدرس وبالابتكار المتعلقة بميدان الآداب والعلوم والفنون وبكل المهام التى يقتضيها العمل الثقافي والفني
وقد كان يوم 6 ديسمبر يوما مشهودا اذ التأمت فيه لاول مرة الدورة الاولى للمجلس العلمي وتحت اشراف الرئيس الحبيب بورقيبة ورئاسة الاستاذ محمد مزالى الوزير الأول وألقيت فيه كلمات عديدة تجدون ملفا خاصا بها في أول هذا العدد . وفى يوم 7 ديسمبر تشرف أعضاء المجلس العلمي باستقبالهم من قبل الرئيس الحبيب بورقيبة وألقى السيد البشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية كلمة هذا نصها :
یا فخامة الرئيس ، إنه لشرف عظيم أن أقف ، يا فخامة الرئيس أمامكم ، لأشكر سيادتكم باسم هذا الجمع الكريم على ما تفضلتم به من استقبال لهذه النخبة من العلماء الأجلاء أعضاء المجلس العلمي للمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ) بيت الحكمة ) وانها لمنة من الله أن تبدأ هذه المؤسسة المجمعية أعمالها برعايتكم واشرافكم .
ولا غرو فأنتم يا فخامة الرئيس بانى هذه الدولة الفتية على أسس حضارية متينة وقد كنتم خضتم قبل ذلك طيلة أكثر من ربع قرن معركة ضارية من أجل تخليص شخصية هذه البلاد من التذبذب والتفسخ والاندماج وركزتم كفاحكم على المحافظة على خصوصية حضارة هذا الشعب وثقافته وعملتم على ابراز اسهامها الحضارة الانسانية بعظمائه وأعلامه ومؤسساته .
ولقد دأبتم في تلك الفترة العسيرة التي لم تكن للامم الضعيفة فيها مجال للدفاع عن كيانها ، ولم يكن لصوتها صدى يذكر ، على تسخير قلمكم للاشادة
بحضارة هذه البلاد، ولفت الانظار الى القيم الانسانية التي تتشبث بها والعزوف عن هوامش الاشياء وتافه الاحداث الى صلب قضية الشعوب الرازحة تحت العبودية الطامحة الى رفع نير الاستعمار . وكان صدق ما يكتبه قلمكم أنذاك لا يفوقه الا اخلاصكم له بالتضحية والكفاح اللذين لم يثنهما دم الشباب المتشبت بنعيم الحياة ورخائها . فكنتم مثال الكاتب الملتزم وضوح رؤية وسلامة طوية وعاو نفس وفضل اقدام .
- وكنتم ولا زلتم ـ يا فخامة الرئيس منذ أن تحملتم المسؤولية العظمى لقيادة الشعب التونسى على وفائكم لهذه القيم وايمانكم بالعمل على اثرائها فأوليتم التعليم عناية خاصة وبعثتم المعاهد التربوية بالعشرات واحدثتم المؤسسات ذات المستوى الثقافي العالي
ثم ها أنتم تبعثون الى الوجود هذه المؤسسة الجديدة المؤسسة الوطنية المترجمة والتحقيق والدراسات وتعيدون بها مجد « بيت الحكمة » القديم تماشيا مع ما أردتم لتونس المعاصرة العصرية من تفتح على الثقافات الانسانية وتشبث بالمقومات الاساسية للشخصية التونسية العربية الاسلامية .
ستكون هذه المؤسسة - يا فخامة الرئيس - كما أردتموها - محط الرحال للعلماء من الدنيا قاطبة يتفاعلون مع علمائنا فى تونس وواحة علم للحلقات المتعددة من الدارسين والباحثين ترجمة وتحقيقا وتأليفا وتجريبا .
إن هذه المؤسسة يا فخامة الرئيس ستكون مثلما دعوتم الى ذلك في عدة مناسبات مكانا يتم فيه حوار الثقافات على أوسع مجال وتتنافس فيه الهمم العلمية بأحسن صورة حتى تزول الحواجز بين الشعوب ويحل بينها التعارف والتآلف والأخوة الحقيقية
اسمحوا لي ـ يا فخامة الرئيس فى ختام هذه الكلمة - أن أعبر لكم باسم أعضاء المجلس العلمى على الشكر الجزيل لهذه الرعاية والعناية بالعلم والعلماء والفكر وأصحابه والثقافة وأهلها وثقوا - يا فخامة الرئيس - أن هذه المؤسسة ستكون بتوجيهاتكم وحد بكم الدائم وبعزيمة علمائها الأجلاء الذين أتوا - مشكورين - من بلدان عديدة من العالم وارتضوا المساهمة في أعمالها ستكون هذه المؤسسة بهيا كلها وتنظيماتها الطريقة العملية ميدانا لاشعاع الثقافة وتفاعلها مع الحضارة الانسانية ...
واننا جميعا لمتيقنون ان هذه المؤسسة ستجد الدعم والتأييد الكامل من لدنكم واننا سنكون معتزين ، بتقديم باكورة أعمال " بيت الحكمة " لسيادتكم فى أقرب الأبام .
دمتم يا فخامة الرئيس ذخرا للعلم والعلماء وراعيا للثقافة وأهلها .
الاعضاء القارون للمجلس العلمي : الأعضاء المقيمون بالجمهورية التونسية : السادة :
(1) الاستاذ محمود المسعدى (2) الاستاذ الشاذلى القليبي - (3) الاستاذ البشير بن سلامه - (4) الاستاذ الدكتور أحمد عبد السلام - (5) الاستاذ الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة - (6) الاستاذ عز الدين باش شاوش (7) الاستاذ الدكتور عياض بن عاشور - (8) الاستاذ المحجوب بن ميلاد ـ (9) الدكتور أحمد بن ميلاد - (10) الاستاذ الدكتور عبد الوهاب بوحديبة - (II) الاستاذ الدكتور الشاذلي بويحيى (12) الاستاذ الزبير التركي - (13) الاستاذ الدكتور هشام جعيط - (14) الاستاذ محمد فاضل الجمالى - (15) الاستاذ أحمد خالد (16) الاستاذ الدكتور محمد السويسي - (17) الاستاذ الدكتور عمر الشاذلي (18) الاستاذ ابراهيم شبوح - (19) الاستاذ الدكتور المنجي الشملي - (20) الاستاذ الدكتور محمد الطالبي - (21) الاستاذ الدكتور سليم عمار (22) الاستاذ الدكتور الشاذلي العياري - (23) الاستاذ الدكتور محمد فنطر (24) الاستاذ الدكتور مصطفى الفيلالي - (25) الاستاذ الطاهر قيقة - (26) الاستاذ أحمد اللغماني - (27) الاستاذ الصادق مازيغ - (28) الاستاذ الدكتور البشير المحجوب (29) الاستاذ محمد العروسي المطوى - (30) الاستاذ صالح لمهدى - (31) الاستاذ الدكتور عبد القادر المهيري - (32) الاستاذ الشيخ محمد الشاذلي النيفر -
الأعضاء غير المقيمين : السادة : الدكتور أحمد طالب الابراهيمي : أديب - وزير الخارجية الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية 2 - الاستاذ الدكتور ناصر الدين الاسد : رئيس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية ( مؤسسة آل البيت ) عمان - الاردن
3 - الاستاذ الدكتور أكمل الدين احسان أوغلى : استاذ لمركز المدير العام الابحاث للتاريخ والثقافة الاسلامية باسطنبول
4 - الاستاذ الدكتور ديتر بلمان : استاذ وباحث في الدراسات الشرقية بألمانيا الشرقية
5 - الأستاذ الدكتور رادى بوجوفيتش : استاذ الحضارة والآداب العربية بكلية الفيلولوجيا بجامعة بلغراد ( يوغسلافيا )
- 6 الاستاذ الدكتور زهو بوهاد : باحث - رئيس قسم الدراسات الشرقية بمعهد البحوث في الآداب الاجنبية - أكاديمية العلوم الاجتماعية بالصين
7 - الاستاذ خليفة التليسي : أديب - رئيس الدار العربية للكتاب - أمين اتحاد الناشرين العرب - ليبيا لسا
- 8 الاستاذ الدكتور شارل أندرى جوليان : استاذ ومؤرخ - عميد شرفی لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالمغرب .
-9 الاستاذ الدكتور عبد العزيز حسين : رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء - الكويت 10 - الاستاذ الدكتور س. ديلون ریبلای : استاذ مدیر مؤسسة سميث سونيان واشنطن - الولايات المتحدة الاميركية
الاستاذ الدكتور محيى الدين صابر : المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - 12 الاستاذ الدكتور محمد عبد السلام : جائزة نوبل في الفيزيا - مدير المركز الدولى للفيزياء النظرية ) تریاست )
13 - الاستاذ الدكتور يوسف عز الدين : استاذ بجامعة الرياض ( المملكة العربية السعودية ) ( العراق ) . 14-الاستاذ عبد الكريم غلاب : أديب - عضو بالمجمع الملكي بالرباط الوزير المنتدب لدى الوزير الأول بالمغرب (15) الاستاذ الدكتور جوزيف فان آس : استاذ الحضارة الإسلامية بجامعة تو بنقان ( قسم الدراسة الشرقية ) - المانيا الغربية .
16 - الاستاذ الدكتور شكرى فيصل : استاذ الدراسات العليا فى الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة - عضو مجمع اللغة العربية بدمشق. 17 - الاستاذ الدكتور فرانسسكو قابريلى : استاذ بمعهد الدراسات الاسلامية بجامعة رومة - عضو بالمجمع الايطالى.
18-الاستاذ رجاء قارودی : استاذ مبرز في الفلسفة وأديب - 19 الاستاذ الدكتور اميليو قارسيا قوميز : استاذ اللغة العربية بجامعتي غرناطة ومدريد - مدير المعهد العربي - الاسباني - عضو بالمجمع الملكي الاسباني 20 الاستاذ سين ماكبريد : جائزة نوبل للسلام - جائزة لينين 21 الاستاذ أحمد مختار امبو : المدير العام لمنظمة الينسكو
- 22 الاستاذ الدكتور ابراهيم مذکور : رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة 23 الاستاذ عبد المجيد مزيان : وزير الثقافة بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية - 24 الاستاذ الدكتور أندرى ميكال : استاذ بالكوليج دي فرانس ( كرسى اللغة والآداب العربية ) .
25 - الاستاذ الدكتور عبد الله ناصيف : استاذ مدير جامعة الملك. عبد العزيز - الامين العام لرابطة العالم الاسلامي 26- الاستاذ الدكتور محمد يوسف نجم : استاذ الادب العربي في الجامعة. الاميركية ببيروت - عضو المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية بالاردن . 27 - الاستاذ ميخائيل نعيمة : أديب ومفكر.
28 الاستاذ الشيخ أبو الحسن علي ندوى : باحث ـ رئيس المعاهد الاسلامية لكناهو ( الهند ) - 29 الاستاذ الدكتور آكيو تكانو : استاذ بجامعة طوكيو ( اليابان ) .
. ديمقراطية من أجل البناء والتشييد : تحت هذا العنوان نشرت جريدة « الصباح » بتاريخ 1983/12/15 مقالا
عن الديمقراطية في تونس بقلم الاستاذ أبي زيان السعدى . نقتطف منه ما يلى تشميلا للفائدة :
يحق لى كمواطن تونسى يحب وطنه حبا عميقا ، ان يعلن اغتباطه بما يتحقق كل مرة من عمل ايجابي صغيرا كان أو كبيرا ، ينهض ببلادنا نحو العزة والقوة والازدهار ، ويوفر لها شروطا اكمل ، لممارسة دورها الحضاري الذي هيأه لها قدرها التاريخى كصاحبة قيم اصيلة خالدة ، ذات موقع استراتیجی فريد ، يتيح لها الحوار الكف مع قوى التحضر المختلفة ، وان تستفيد الاستفادة البناءة ، في غير ما انبهار او تعجل ، فتكون بالتالي مهيأة لصياغة تجربتها وتقديمها الى كل اخوانها فى المنطقة العربية ، لعل فيها ما ينفع ويعين على فك طلاسم التوفيق بين القديم والجديد ، والخروج الكبير الى الساحة الواسعة ، حيث يعيش الناس عصرهم بكل يقظة وانتباه ويمارسون مسؤولية بناء الحياة الجديدة بكل شوق وحماس وبطولة ايضا
ومن غير شك فان القرار الاخير الذي اتخذه الرئيس الحبيب بورقيبة واعلنه دولة الوزير الاول الاستاذ محمد مزالى بالسماح لعدد من الحركات السياسية العاملة ببلادنا ، لكى تمارس مهامها الديمقراطية في نطاق الشرعية المسؤولة ، والولاء الكامل للوطن المفدى ، ومصلحته العليا أولا وأخيرا ، هو قرار ایجابی و هام ، جدير بكل مثقف اصيل ووطنى مخلص ، وتقدمى شريف ، ان يحتفل له الاحتفال الواجب ، وان يتدبر محتواه العميق اذ يضع تونس على عتبة مرحلة جديدة وحاسمة ، تكفل لابناء شعبنا مجالا للاختيار الحر في كل وجه من وجوه حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ويحرر منهم الارادات ، فتعبر عن توجهاتها الحقيقية ، وتباشر دورها في صنع مستقبل البلاد ، وتحقيق الطمأنينة والرفاه لكل فرد من افراد شعبنا الطيب.
اني لاعتبر ان عهد الاستقرار الحقيقي للبلاد قد بدأ منذ الآن وان الجماهير الشعبية بمختلف انتماءاتها السياسية والاجتماعية ستقف سدا منيعا في وجه كل مغامر أفاك ، مهما تطرفت شعاراته ، ومهما تسترت حركاته ، وتلونت فنون حيله ، لانها مدعوة بباعث مصلحتها الى الدفاع عن مكاسبها الجديدة ، ورفض كل ما لا يتفق وحاجتها الى الحرية والاطمئنان والسلام ، وهكذا فستتفرغ جماهيرنا الى انجاز ما لم تستطع انجازه في ماضي السنين وستكون حريصة على ان تتجنب الاخطاء التي وقعت فيها شعوب اخرى حيث استغلت الديمقراطية فى غير ما جعلت له ، ووجهت وجهة أدت الى
كوارث ومآس وفجائع ، وأقيمت الحجة في النهاية على ان هذه الشعوب لم تبلغ مستوى النضج الذى يؤهلها لممارسة حقها الديمقراطي !
وبالطبع فان الديمقراطية في هذه المرحلة من تطور بلادنا ، تحتاج احتياجا أكيدا ، الى رعاية وحماية ، من ذوى الرأى الصائب ، وأهل التوجيه القويم ، وأصحاب النظر البعيد ، سواء احتوتهم احزاب او بقوا في الساحة يراقبون ويتأملون ، فلا بد ان يقع التفكير بجد في وضع مخطط دقيق ، يعلم المواطن حقه وواجبه ، ويبصره بالحدود التي تنتهى فيها حريته لترتبط بحرية الجماعة الكبيرة ومصلحة الوطن العاجلة والآجلة ، وان يجد في هذا المخطط المناخ الصالح الذي يساعده على نمو ملكاته الفكرية ، والروحية والسلوكية ، فتتشذب غرائزه القبيلية العشائرية والجهوية ، ويرتقى الى مستوى المسؤولية الواعية التي ما هي في الحقيقة الا حرية واختيار ، وبذلك نتجنب الجزئي العارض ، والشخصى الضيق الى معالجة القضايا الاساسية ، والخلاف حول الاصول التي يتوقف على حلها تقدم البلاد وتطورها ، من هذه المرحلة الى مرحلة افضل واكمل
ومن هنا جاءت كلمة الوزير الأول معبرة كل التعبير عما نحتاجه في هذه المرحلة الجديدة ، وعن الثقة التي يتأملها في شعبنا التونسي النبيل ، حينما قال : « إنى معتز بأن أعلن عن هذا القرار الرئاسى وأن أعبر عن رجاء الرئيس والحكومة بأن يكون لهذا القرار مفعوله الايجابي ، فيما يتعلق بمزيد الوعى عند الجميع للسير بالشعب التونسى خطوة خطوة ، نحو المزيد من الحرية الواعية والديمقراطية المسؤولة ، وإنى لمتيقن ان كل القوى الحية في البلاد ستتضافر جهودها للعمل في هذا الاتجاه
ومن وجه آخر فان الرجل الذى أعلن هذا القرار التاريخي وتحمس له الحماس الذي رأيناه في بيانه يعرفه الخاص والعام منذ مدة طويلة ، بمواقفه الديمقراطية في كثير من قضايا الفكر والسياسة والثقافة فلقد كان محمد مزالى منذ فجر حياته الفكرية والسياسية ، نصيرا للحوار والنقاش ، دووبا على بسط آرائه ، وتقديم الحجة الواضحة على صحة ما يقول دون ان يستسهل اللجوء الى الضغط والضرب على المناضد ، أو التلويح بالعصا الغليظة وكثير من الناس ما زالوا يتذكرون في بداية استقلال تونس ، جولاته العريضة في انحاء البلاد يشرح للمواطنين » حقوق الناخب » و « واجبات المواطن » ، و « مفهوم الديمقراطية في الدولة الحديثة » ولا بد انهم ما زالوا يتذكرون
كتابه الاول « الديمقراطية ، وحماسه المضمونها ، ودفاعه الحار عن ايجابياتها ، لتحرير الوطن من مخلفات الضعف والتخلف ، وكذلك ما حفلت به کتبه الاخرى ومقالاته العديدة بمجلة « الفكر » الصامدة من تبشير بدور الكلمة في ايقاظ الوعي الوطني ، ودعوة الكتاب والمواطنين المثقفين الى الحوار والنقاش ، وبسط آرائهم المتعددة ، حتى تتضح سبل الحل وتنعقد الآراء حول منهج يأخذ به الجميع فى معركة البناء والتشييد ، حتى غدت مجلته « الفكر » منبرا وملتقى لكل الآراء الايجابية ، وتخرج منها الكثير من كتابنا الذين نعتز بهم ، ونعتبرهم مكسبا هاما قد حققته هذه المجلة وصاحبها الرائد وهو في الآن نفسه رجل عمل وتنفيذ يسرع الى تطبيق ما يعتقد انه الحق والصواب ، فما ان تولى مسؤولية وزارة التربية القومية ، حتى جعل ديمقراطية التعليم حقيقة واقعة ، تشمل المدينة والقرية والسهل والجبل ، وكانت بفضله هذه النهضة التعليمية الشاملة التي تعيشها بلادنا ، في سنوات قليلة ، بالقياس الى شعوب اخرى سبقتنا الى الاستقلال والتحرر ، ثم انه أسرع بمجرد توليه مسؤولية الوزارة الاولى ، الى طرح قضية الديمقراطية للنقاش والحوار وانحيازه الواضح لها سواء بملتقيات الحزب الاشتراكي الدستورى الذى يتولى امانته العامة او في أثناء محاضراته وخطبه بدواعيها المختلفة، وها هو الآن يحقق هدفا هاما آخر كان حلما في وقت من الاوقات ، وبذلك كان وفيا كل الوفاء، للوعود التي أعلنها لنا ولنفسه ايضا ، وبتنا وجها لوجه امام تجربة ، يتمنى كل تونسي مخلص أن تنجح وان تصل الى تحقيق أهدافها في بناء تونس وتطورها وتقدمها .
. جائزة من السربون لباحث عربی : فاز الدكتور نبيل راغب بجائزة السربون الدولية للدراسات الشرقية عن كتابه « التفسير العلمى للادب » وهو دراسة تربط بين الادب والعلم بهدف ايجاد نظرية شاملة للمعرفة الانسانية لا تقسم المفكرين الى قبيلة للعلماء وأخرى للادباء وقد انشئت هذه الجائزة تحت رعاية الينسكو منذ سبع سنوات ويعتبر الفوز بها تزكية للترشيح لجوائز نوبل للادب والسلام اذ توفر على لجنة التحكيم بها مشقة البحث عن الانجازات الجديدة في المناطق التي لا تنطق بلغات عالمية
مهرجان الطفولة : انطلق يوم 28 من شهر نوفمبر بدار الثقافة ابن خلدون بالعاصمة والى غاية يوم 1 من شهر ديسمبر اسبوع ثقافى للاطفال تشرف عليه منظمة
المصائف والجولات . وقد لقي هذا المهرجان اقبالا كبيرا من طرف الاطفال الذين وجدوا فيه خير متنفس لهم بمناسبة عطلة الشتاء التي استمرت اسبوعا كاملا
. نداء الى رجال الفكر والباحثين : في نطاق توجه بلدية تونس العاصمة الى المحافظة على تراث المدينة والتعريف برجالاتها ومعالمها الفكرية والحضارية ، ومساهمة منها في دعم سبل البحث والدراسة ، ومختلف الانشطة الثقافية ، يتشرف رئيس بلدية تونس شيخ المدينة باعلام السادة متساكني العاصمة ورجالات الفكر والباحثين ، انه تم تأسيس ( مكتبة مدينة تونس « دار ابن عاشور 46 و 52 نهج الباشا بالمدينة العتيقة ، تهدف الى تجميع كافة المنشورات والدوريات والوثائق والنشريات والخرائط ذات الصبغة الثقافية والتاريخية والمعمارية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية ، وكل ما يشمله ميدان البحث والدراسة تكون نقطة اشعاع المدينة تونس ، تعرف بها وباعلامها ومعالمها الماضية والحاضرة والمستقبلية تكون تحت تصرف الباحثين والجامعيين والمختصين ،لتعميم الفائدة للمتساكنين
ومن هذا المنطلق ، ولغاية ارساء تقاليد جديدة في البحث والدراسة تساهم في الرفع من مكانة مدينة تونس . ولدعم جهود ابنائها الفردية والظرفية في المحافظة على تراث المدينة ، يهيب رئيس البلدية شيخ المدينة بالسادة الكتاب والادباء ، والباحثين والمؤرخين وبكل الذين يتوفر لديهم ما يمكن ان يدعم هذه المكتبة بالمؤلفات والبحوث مطبوعة او مخطوطة او غيرها ، سواء بالتبرع او الايداع
هذا ، والبلدية حريصة على توفير كل الضمانات والظروف الطبيعية والتقنية الملائمة لصيانة ما يتجمع لديها من وثائق ومؤلفات .
ولمزيد الارشادات يمكن الاتصال بمكتبة مدينة تونس ( دار ابن عاشور ) عدد 46 و 52 نهج الباشا ، او مصلحة الثقافة نهج اليونان – تونس ـ 48.983 2:الهاتف
والامل وطيد في تفهم متساكني العاصمة للغاية النبيلة والمرجوة من هذا الانجاز الثقافي الهام
البشير خريف فقيدنا العزيز
.. تلقت الأسرة الثقافية مساء يوم الاثنين 83/12/19 بمزيد الأسى والألم نعي الأديب الراحل عنا في صمت التارك في أعماقنا نعيب الحسرة يشج مسامعنا صارخا : مات البشير خريف القصاص التونسى الذي شغل الأقلام ردحا من الزمن وجعلها تنكب فى تحبير كتابات طويلة جادة لتبين ملامح القصة التونسية وتجسيمها رويدا رويدا على يد القصاص البارع المرحوم البشير خريف الذى شيعنا جثمانه صبيحة يوم الثلاثاء 20 ديسمبر 1983 الى مقبرة الجلاز حيث انتظم موكب الوداع الرهيب الذي ألقى فيه الاستاذ الشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية كلمة التأبين التالية :
الله أكبر . الله أكبر . الله أكبر
بمنتهى الاسف وبالغ الحسرة تشيع أسرة الادب والثقافة اليوم عضوا من أعضائها اللامعين وركنا بارزا من مبدعيها المعطائين هو الاديب المعروف المأسوف عليه صديقنا العزيز البشير خريف ، فقيد الادب التونسى والادب العربى وفقيد الثقافة الانسانية التي عرفته من خلال مؤلفاته المنقولة الى عدة لغات في العالم .
لقد سخر فقيدنا الكبير حياته كاملة للبذل والعطاء في مجالي التأليف والابداع . فظهرت كتاباته الاولى منذ الثلاثينات ، فكان رائدا من رواد الادب القصصى فى تونس والوطن العربي عموما ، وظل عطاؤه متواصلا حتى آخر لحظة من حياته المعطاء ، فأثرى الفكر الانساني والادب العربي بروائع قصصية اجمع الجميع على الاعتراف بمكانتها المتميزة واللائقة في أدبنا الحديث والمعاصر ، ولقد استطاع بحسه المرهف وعفويته الفائقة أن ينفذ الى روح الشعب وأن يعبر عن أعمق احساسه وأدق مشاعره وأن يحمل طموحاته وآماله ونضالاته في سبيل غد أفضل
تلك روح نجدها متجسدة - على المستويين التاريخي والاجتماعي - في رواياته وأقاصيصه ومشاريعه المتعددة المخطوطة التامة وغير التامة ذلك أن البشير خريف من أولائك الذين نذروا أنفسهم الى الادب والابداع وآلوا أن يعيشوا له مهما كلفهم ذلك من
عنت وجهد وهو من يوم أن عرفه جمهور القراء من خلال مجلة الفكر » التي فسحت له المجال رغم تفرده بأسلوب متميز وطريقة فريدة بتشجيع من مديرها الاستاذ محمد مزالى لم يبرح الساحة الادبية يمنحها من نفسه الخلاقة وأسلوبه الخاص ما جعله بحق يشق الطريق لفن القصة التونسية لحما ودما والانسانية أبعادا وآفاقا
ولقد كان لفقيد الادب فى تونس ، البشير خريف ، طابعه المتميز في ابداعه القصصى الخالد : استمد أصوله من بيئة الجريد التونسي ونفحاته ، وأضفى عليه مسحة تونسية عريقة الحضارة ، وزاده قوة ما يتمتع به من ثقافة متينة واطلاع واسع ، فسما بابداعه الى مستوى انسانی رحب جعل منه دون منازع في منزلة الكبار من الكتاب .
وهكذا يمكن القول : إن البشير خريف كان صاحب مدرسة متميزة فى الانتاج القصصى ، ولقد أصبحت هذه المدرسة موضع البحث والدراسة والترجمة فى مؤسسات العلم والمعرفة ، كما أصبحت منهلا عذبا وثريا تربت على أساسه الطليعة من أجيال الدارسين
ولقد احرز الفقيد على تقدير أصحاب الذكر فنال : الجائزة الاولى لبلدية تونس فى الانتاج الادبى سنة 1960 - والجائزة التقديرية لبلدية تونس سنة 1982 :
وانه يجب التأكيد بدون مبالغة ولا مواربة أن أدب البشير خريف لم يكن له ليظهر لولا مجلة « الفكر » في عهد الاستقلال وفي ظل سياسة ثقافية تنطلق من خصائص الشعب التونسي وتنهل من واقعه ومقوماته وتكره التفسخ فى ثقافة دخيلة والتصنع في أدب أرستقراطي فوجد انتاج البشير خريف في النظام البورقيبي خير سند له فاهتمت به دور النشر الحكومية وأولته الجامعة التونسية عناية فائقة وعملت مؤسسات الدولة على التعريف به في مجالات عالمية عديدة .
وعسى أن يكون فى اخلاص الاجيال من المبدعين والقراء لتراثه وانتاجه وفى تناولها المؤلفاته بالدرس والتحليل والتعمق ما يكمل هذا التقدير ويستوفيه حقه وينصف الفقيد ويضعه في مرتبته . اللائقة بين كبار المبدعين
تغمد الله فقيدنا بواسع رحمته ورزق ذويه وأهله وأسرة الثقافة في تونس والوطن العربي جميل الصبر والسلوان .
ما أسرع الأيام في طيها !
تمضي علينا ثم تمضي بنا
فوداعا صديقنا وكاتبنا الكبير . وداعا
لقد انتزعتك منا يد المنون فجأة فحرمنا بذلك تواصل جميل عطائك وحسن معشرك ودماثة خلقك ، وفقدنا فيك المبدع الطريف والصديق العزيز والحل الودود ...
ونحن الذين كنا نحسب أن العمر سيطول بك حتى نوفيك حقك علينا ونأنس بك أنس البهجة والفرحة بالتكريم والاحتفاء . ولله در ابن المقفع عندما قال :
أما ترى الغرس لا تذوى كرائمه
الا على سوقها في سائر الابد !
فوداعا لحضورك الوديع بيننا ... ولكن لك علينا واجب الذكر الدائم والعناية المستديمة .
تغمدك الله برحمته الواسعة وأسكنك فراديس جنانه
