ينحو حضرة صاحب السمو الملكي الأمير الشاب الألمعي ) فهد ( نجل حضرة صاحب السمو الملكي الأمير ) سعود ( ولى العهد المعظم ، نحو ابيه العظيم ، فى الاهتمام برفع مستوى البلاد وخاصة فى الناحية الثقافية التى تمثل النور الوضاء يرسل على الآفاق والأرجاء وها هو سموه يتفضل بكتابة هذا المقال الرائع ، استجابة لطلب تقدم به اليه المحرر ؛ وها نحن نحلى بمقاله الاغر صدر هذا العدد من المنهل شاكرين لسموه تفضله النبيل على الصحافة واهتمامه الميمون بشؤون الثقافة
ليس من شك فى أن الحديث عن الحركة العلمية فى بلادنا يعتبر من الموضوعات الحيوية التى لا تهم الفرد فحسب ، إنما تهم الامة جميعها ، إذ إنها ذات أثر فعلى فى مرافق حياتنا جميعا .
وانه ليسرنى كما يسر كل امرئ أن يلمس بشائر ونتائج هذه الخطوة المباركة إذاما ألقي نظرة واحدة على دور العلم التى بدأت تعم فى جميع إرجاء البلاد من أقصاها الى أقصاها حتى يكاد الانسان يرى مدرسة أو معهدا فى كل مدينة أو بلد أو قرية مهما بعد مكانها ومهما قل عدد سكانها ؛ وكان من الطبعي أن يطرد عدد التلاميذ والطلبة بمرور الزمن ، وها نحن نرى ازديادا ملموسا فى عدد أفراد البعثات التى ترسل الى خارج الدولة حيث يرتشفون رحيق العلم فى الكليات والجامعات فى جميع مرافق
التعليم ، حتى إذا ما عادوا إلى بلادهم حملوا اليها مشاعل الحضارة واناروا الطريق ومهدوا السبل لأخوانهم الذين يبذلون قصارى جهدهم فى محاكاتهم حتى يحذوا حذوهم ويؤدوا رسالتهم نحو الوطن
. وهنافليتنافس المتنافسون ، ويجد المجدون الذين يعلمون ان ليس للأنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى . وها نحن نلمس سعيهم ونبتهج بتقدمهم وفهمهم الحياة فهما صادقا وسليما .
وقد بدأنا نقرأ لكتابنا وأدبائنا كتبا وأسفارا تدل دلالة قاطعة على المجهود الذى تبذله هذه الطبقة المتعلمة التى يكثر عددها كل عام ؛ ولم تكتف هذه الطبقة المثقفة بترجمة حياة الكتاب والعلماء الماضين بل راحت تؤلف كتبا لها قيمتها الأدبية والعلمية وتبتكر فنونا جديدة لم يسبق لنا أن طالعناها أو مرت بنا . وفى الحق ايضا إننا بدأنا نسمع اصوات هؤلاء المتعلمين فى الاذاعة وبدأ صوتهم يصل الى خارج البلاد حيث يعجب المرء من هذا التقدم العلمي الذي حصلناه فى فترة قصيرة بالنسبة لما حصله غيرنا .
على انه مما هو جدير بالذكر ان حضارتنا الآن لها طابعها الخاص بها ، فهى تجمع بين العلوم الدينية والدنيوية ، فنحن وهذا دائما شعارنا - نستمسك بأهداب الدين محافظين على تعاليمه وشرائعه لا نحيد عنها قيد أنملة ؛ وفى الوقت نفسه نضرب بسهم صائب فى العلوم الدنيوية الأخرى ، ومن ثم كان تقدمنا قوى الاساس متين البنيان لا يتزعزع ولا يتذبذب فهو قائم على أسس قوية ودعائم ثابتة هى دعائم الدين الحنيف وأسس الشريعة الاسلامية السمحة
أما وقد قطعنا هاته المرحلة ونهضنا هذه النهضة ، فتعال معي لنجول فى البلاد طولا وعرضا ، أليست هذه مستشفيات يقوم بالعلاج فيها اطباء سعوديون ؟ ألست تلمس الفرق الآن بين حياتنا الصحية وحياتنا منذ سنوات خلت ؟ انك ترى المرء مقدرا ما يترتب على المحافظة على صحة العقل والبدن ، وتراه ايضا يحارب الجهل ما استطاع الى ذلك سبيلا . وها هى جمعيات الاسعاف وغيرها من سبل العناية بالصحة منتشرة فى ربوع البلاد ويشرف عليها اطباء سعوديون أتموا دراستهم وعادوا شبانا مجندين
لخدمة وطنهم .
ونحن إذا ما تركنا هذه الدور جانبا وجدنا آيات بينات أخرى تدل على نشاطنا العلمي ، فها هم نسور الجو قد رجعوا الى بلادهم بعد أن أتموا دراستهم فى فنون الطيران المختلفة ، وقد عاهدوا الله ثم انفسهم على تأدية واجبهم نحو اخوانهم فى جميع انحاء الدولة . ها هم يحلقون فى السماء ، طائرين بركابهم على بساط الريح وهم فى سلام وأمن تامين ، وعما قليل سيزداد عددهم ان شاء الله زيادة يطرب لها كل عربى .
على ان هذا كله لا يعتبر - فى نظري - إلا خطوة واحدة نحو الحضارة فى القرن الرابع عشر من الهجرة ؛ إذ يجب علينا ان ننظر الى انفسنا نظرة المرء الذي وطد العزم على استيعاب الحياة وفهمها فهما تاما فوقف فى اول الطريق الذي يمتد امامه مسافات بعيدة مستسهلا الصعاب بقوة إيمانه ومحاولته الدائمة الى الوصول الى هدفه ومهما كانت الطرق شائكة والسبل وعرة فلا بد للشهد من إبر النحل
وعلينا أن نفهم تماما هذه الحقيقة : أن العلم ليس وقفا على أمة معينة أو فرد خاص . بل هو - ويجب أن يكون كذلك فى متناول الناس جميعا ؛ فمثله تماما كمثل الهواء والماء . لابد للانسان منهما حتى يحيى ، وكذلك الحضارة لا بد لنا منها حتى نستطيع ان نتمشى مع الركب العالمى الذى يجرى بسرعة فائقة ولا غرو فى ذلك فهذا عصر الكهرباء - عصر الاختراع والابتكار ، عصر العلم والعرفان ، لا عصر الجهل والكسل .
إننا الآن امام مشروعات ضخمة تتطلب التعاون وتتطلب الجد والاجتهاد والصبر وتحمل المصاعب حتى نصل الى تلك الغاية النبيلة - غاية رفع مستوى التعليم وغير ذلك من مرافق الحياة المتباينة ، وضروب العلوم المختلفة .
ومن توفيق الله أن تكون هذه المشروعات التي ستعود بالخير على جميع البلاد العربية نتيجة لرغبة جلالة العاهل العظيم الذي ما فتئ يبذل جهده فى رفع مستوى
لحياة بين طبقات الشعب ، ساهرا على راحته ، ومضحيا فى ذلك كل شئ .
وانه لمن دواعي الاغتباط والسرور ايضا أن يشرف على تنفيذ هذه الآراء السامية والتوجيهات الملكية الكريمة حضرة صاحب السمو الملكى ولى العهد المعظم ، وهو - فى الواقع لا يدخر وسعا مهما كلفه الأمر فى تشجيع المتعلمين ونشر العلم بين طبقات الشعب الذى اظهر استعدادا فى تحقيق هذه الغاية النبيلة ، وانى واثق ان اشتراك صاحب السمو الملكي الامير فيصل نائب جلالة الملك المفدى فى تنفيذ هذه الخطط السديدة ايضا سيكون من اهم الاسباب التى ستقربنا الى تحقيق امانينا الوطنية واملنا فى هذا الشعب الكريم .
والله اسأل أن يوفقنا الى ما فيه خير الوطن وسعادته ، وما ذلك على الله بعزيز .

