الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

، الخروج

Share

المصابيح فى الاعالى تنشر جمودها الابكم ، والشمس فى تلك الشوارع البعيدة تنادي بصوت أجش ،وهاته الغرفة قد أكسبها القدم رائحة العفونة .  جمع نفسه وكان عليه أن يكد من اجل ان يطرد من انفه تلك الرائحة . أطل من النافذة واستنشق بشراهة نفاسة المدينة القديمة ، ثم استدار نحو بقية الجدران وكانت عيناه تبحثان عن خلاص . استعادت جلسته ارتخاءها وكانت الاوراق والكتب أغلالا سرية . استضاف لوحدته عدة كتاب حفروا وديانهم في صحراء هذا العالم القاحل . ولكن الخارج ؟

تلك هي القضية ! تذكر استدعاء صديق له قبل ايام ، فكسر حصار الغرفة وخرج . كان عليه ان يشترى بسمة . ومن اجلها دفع جزءا من تصعيده . طرق باب الدار التى يقطنها صديق المدرسة . باستمرار يطلب منه أن يسيرا سوية حينا بعد حين . أن يفرجه على مباذل المدينة وأفراحها وكانت رفقته تبعث فيه مللا ساحقا . فهو لا يملك الا أن يقتل له فرحته ، أن يكشف له بذلك الفكر الذي لا يسالم حالة أو ظاهرة ، أن قبضته فارغة . ومن ثم كان كل منهما يعود للهروب من الاخر . فلكأن حركتهما تلك ، تكشف التشبث البائس بما بناه أي منهما لنفسه من عالم ، لكنه الآن يدق الباب ، بل يتفحصه كمدخل أساسي لابتهاج مباح . وكان اطاره الخارجى يعكس بذخا خصوصيا ، عليه بصمات رجل الأعمال الذى يؤمن بالذات والحاضر . وفي الوقت الذى كان فكره يحاول ان يقع على الاشياء : الحى والباب والمدخل والاسفلت والاشحار والهدوء والنسيم ، لينشر بلاغا تحليليا عن طبقة أهل الحي وهمومهم وافراحهم . كان احتياجه هو يتدخل : أصمت ، فحاجتى الآن هى استنشاق هواء ما .

أهذا أنت ؟-  

صرت العجلات ، وكان هو من وراء المقود يبتسم : أزرتني أخيرا ؟ ! كانت

هزيمة الصمت في الجواب . ) تفضل ( والبساط الاحمر يغرى العيون بالنظر ، وهاته الواحهة الزجاجية تخفي عالم الف ليلة وليلة . لم يكن متعودا على ملاحظة هذا البذخ الانيق . والانتقال المباغت من الحضيض الى القمة يصيب بالاغماء . وهاته السيدة ما لها تترنم بصوت لا يبلغ سمعى . والكأس فى يدى ماذا يفعل ؟ . - اشرب - لا أشرب

وتكون قهقهة لذيذة تجرح البراءة . واطلت نظرة مستاءة من العيون الجميلة وهي تعنفني بلا لباقة . فيا سيدتى لو تجرعت الكؤوس التى نتجرع ، لكانت نظرتك الآن غير هاته . وكان على أن أفعل شيئا . ولكن النجدة لا يأتيها الا من كان قد عانى . وكان هو محتارا بينها وبيني . لقد كان هو على الاقل يطل على جمهرتنا من كوتى . وكان ايضا يعرف مدى الاجواء التى ارحل فيها دونهما ولكنه كان مثلى فى الحصار . مع اختلاف طبعا . - سأهييء لك كأس شاى بنفسى

وان نشرب سما لنحافظ أمام هؤلاء على الوعى خير من مشاركتهم أى رحيق . وأضاف : - على أمل أن أتقنه ليعجبك كانت اللهحة تحافظ على الود القديم . غير ان جفاء ما كان قد دعم الجلسة : وهذا الجفاء كان موجودا في الاساس ، فانتساباتنا مختلفة . ولكن ما بال جلسته تنصبه دعائم اساسية لهاته الجلسة :

- - أهذا هو صديقك الذي قلت عنه ان قراءاته ثرية ؟ ! .

لقد صنفتني وانتهى الامر ، فلست فى نظرها سوى متوحش تعدى حدود غابته ودخل خطأ باب التحضر . أشار الزوج برأسه لها ان نعم وهو يغادر الصالون من احل الشاى . وكان غضب جهنمى قد كسا حركتها وهى تقوم لقد كانت كمن تلقي اعتداء قاسيا من بدائى . وكان رأسى يدور فى الاتجاه المعاكس : انها ابنة وسطها بالتمام . والدوخة اساس فى عالمهم لكى لا يروا ما يزعجهم . ومن حق طبقتها الا تتنغص باختيارات يصعب عليها هضمها . وهل علينا نحن ايضا ان ندوخ في عالم يضج بالسحق . وحضر . كانت غرفة الجلسة

تجعلنى اتمسك بها اكثر . فهذا التضاد الذى يؤلم كلا منا على ان اطيل امد معاناته . رمى نظرته باحثا عنها . ولكن الموسيقى الخافتة التى تسربت من بعيد اعطته مكانها . نظر الى مستأذنا وذهب . ولكن اوبته كانت خائبة ! انما ما هذا الشيطان الجميل الذي جعلني ابتسم فرحا فى وجه خيبته . لقد كنت أغزو باعتداءات حضورى رتابة علاقتهم . ومن ثم كان الخارج ، حتى خلف هاته الجدران المكسوة بالازهار والاشجار يتيح معركة . فالارجل هاته يكبلها العقل الشرس ، عليها ان تنطلق لتباشر قضيتها مع الخطوة الاولى . وكانت الموسيقى الولهى تلوح لى كاحتماء ضعيف دون هجومي . ولم اكن من قبل مستعدا للدخول الى الحلبة . ولكنهم هم ، يؤدون لك ، دون ان يدروا ، رأس الخيط .

صب الشاى وكان صمته حزينا . وهل تدرون ان حزن الكبار هو خبز للصغار فى الاغلب . ومن ثم تدلهت فى المشروب وهو ينسكب بشاعرية حميمة فى الكؤوس . وكنت اتذوق انسكابه بانشداه عذب . ثم ارفع عيني ولا أخفضهما لعلى احتفظ ، والى الابد ، بهذا التدفق كما لن افعل ولم افعل . مد الكأس واعطى لوجهه حركة اوبة لقد عاد الى اخيرا .

- ارجو ان يعجبك . - طبعا ، خصوصا وانه من اعدادك ابتسم فى وجهى . وكان جوابى قد ربط الجسور بيننا من جديد: - ارجو المعذرة من الاحراج السابق - لا احراج بالنسبة الى اطلاقا . فانا وامثالى متعودون على اللطمات لا  اللمسات . ثم أضفت : - بل انا من يعتذر للسيدة أولا ، ثم لك. لكنه كان يعرفني ، فمثل هاته التنازلات لا اكون فيها صادقا . فكسر الحدود بيننا وأتانى :

- يا ملعون ، أوضعت مرة اسلحتك ؟ ! ضحكت . وكانت ضحكتى من الارتفاع بحيث تغزو الموسيقى والرقة والارتخاء المحتج . فنظر الى بتأنيب الصديق . وكان على أحدنا ان يفكر . أما

أنا فقد كنت قد فعلت ، على الاقل فى الواجهة القريبة التى يمكن أن تكون مدخلا للساحة الحقيقية . انما هو فقد اخذ يشكو :

- أتعرف أن اللياقة احيانا كابوس ؟ ! انه يحتج على ما يمثله . وهاته الرشحات من بعضهم لا أثق بها . وبيني وبين هذا المكان جفاء أساسى . وان تكون من فئة الكؤوس هو الجواز عندها لقبولك فى أفيائهم . وأضاف :

 - تصور ، ولو اننى أملك مقدرة أن أكون فى كل ساحة ، الا اننى عانيت معها ، كوني لا استطيع ان أرقص معها فى السهرات الا " سلو" فهي ترى انها ضحية جهلى بأنواع الرقص الحديثة .

باي باي ! فيا خيول العالم ، متى كانت صهواتكم لا يركبها الا الاقزام!. ويا آفت جياد الصحراء متى تقلصت أحجامكم ، فأصبحتم مسخا امام ذهن العالم ونظرته . ويا نساء الخيام كيف اصبحت بطونكن لا تلد الا المشوهين والعجزة!. ! وكان الشاى قد تحول سما . وهذا القبر القصر يقتل بكارة الاشياء والحقائق والانطلاقات والافراح وكل ما قد يؤلم

كانت نظرته تنتظر ازرا . لكنى يا ابن سقط الحضارات ابحث عن مغشوش مثلك ليساندك . وابتسم بنكد :

- ليست هى رقصات بقدر ما هى حركات مشوهة لجيل مجنون . وكان الجنون الالم هو هذا . وأمامه لا تنفع سوى اصوات المدافع والبنادق . وكان البيت والفكر المجرد مجرد زنزانة وهاته الجلسة سلاسل تكبل الخطوة الاساسية . وكان اولئك الكتاب فى بيتي هم ايضا فى غياب عن هذا الاخطبوط الواقعي . ومن ثم كانوا جدارا فكريا دون هاته المخازى . وتحولت نظرتى الى جهة اخرى فى هاته المدينة ، على الان أن أنتسب اليها . ووقفت . وحينما هممت بوضع الكأس ، كان تحطيمه قد دشن خروجى . . .

اشترك في نشرتنا البريدية