الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

! !، الض

Share

كانت الساعة العاشرة عندما طلعت الشمس من مخبثها ، ما هي الا . حنيهة حتى انتشرت اشعتها ، وهم نورها الاتفاق فدخل من خلال دفتى هذه النافذة شعاع لماع كأنه قضيب ذمي فازدهرت الغرفة كانما تحتفل بحضوره وفر لرؤيته ذلك الظلام الدامس الذي كان محتلا هذه الغرفة فكشف عن رياشها الحديثة وبدا فى احد اركانها على سرير مفروش بفرش وثير شخص مستغرق في نوم ثقيل ، وفي الركن الاخر من الغرفة ظهرت منضدة كبيرة تعلوها صراة صقيلة ورصفت فوق تلك المنضدة ادوات عديدة للزينا من ادوات الحلاقة الى ادوات تجعيد الشعر ومن منعم البشرة الى ماها ومن خضاب الشعر الى خضاب الحواجب الى مصقل الاظفر الى عدة قواير وعلب كتبت عليها عدة تعليمات

ولعل الداخل لهذه الغرفة يظن لأول وعلة انه في غرفة احدى المستشفيات إذ يترأي له من هذه الادوات العديدة ، عقاقير وا : هيئت لهذا المريض

الذي لم توقظه هذه الاشعة الالماسية ولا هذه الاناشيد العذبة التى ترددها هذه العصافير المختلفة الالحان . ولكن سرعان ما يكذب نفسه حين يري المنبه الموضوع على رف صغير فوق مقدم السرير ، يرن بكل قواه ؛ ويري الغطاء المسدول على هذا السرير يرتفع فجأة ، فيظهر من تحته شخص لا يستطيع الشاخص فيه أن يفرق من أول مرة : أرجل هو أم امرأة ؟ . . ثم يراه يضرب المنية بيده فينقطع رنينه ويدخل من جديد نحت غطائه صلئحا .

- - لا يمكنني أبدا ان اقوم قبل الساعة الثانية . . وبعد ساعات يدخل الخادم الغرفة ، بمشى مخطوات مرتجفة كأنه يخشى إنفجار بركان تحت أقدامه ، لا يخشى شيئا وإنما هكذا علمه سيده الصغير أن يطأ غرفته ، وبعد ما أقترب من السرير أخذ بوقظ النثم بكل هدوء ! . أستيقظ هذا ، ولكن قبل الخروج من فراشه سأل .

ير - - كم الساعة الآن يا على ؟ - الثانية ونصف يا سيدي - حسن الآن أقوم . ولكن من الذي جعل الجرس يدق تلك الساعه المتقدمة ؟

- لعله والدكم ! - من الآن لا أسمح لأحد أن محاول إيقى قبل الساعة الثانية . هل سمعت ؟ .

- أمركم يا سيدي - ومتى يجوز لشاب مهذب تهذيبا عصريا أن ينام قبل الساعة السادسة ويستيقظ قبل الثانية ؟ ولكنكم معذورون حيث لم تتلقوا من تعاليم الحياة

العصرية شيئا قال هذا ، ثم نهض الى النافذة ففتحها على مصراعيها فامتلأت الغرفة نورا كاد يغشاه ثم اختفي بين أدوات ) التواليت ( ساعتين ؛ وروقف يدور يمينا وشمالا امام سرآته نصف ساعة ، حتى اذا ما استيقن كمال زينته وترتيب ملابسه خرج الى الشارع يتمايل في مشيته .

- ? أسرة آل شفيق من أجل الاسر ؛ وأثراها فى تلك البلدة الصغيرة ، وكبير تلك الاسرة الشيخ رشيد . معروف بينهم بالرزانة والرأى لسديد والخاق النبي ، والتقوى والورع ، وهو مثال كامل بينهم للشخصية العربية الاسلامية ، وكان ابنه لبيب أفندي الفتى الكامل نسخة من أبيه ، وصورة مصغرة لتلك الاخلاق الكريمة ، والفضائل النبيلة ، وصادف ان تعارف ذات يوم بشاب غريب ، نزل بلدتهم للسياحة ، قريبا ، ونشآت فيما بين الشابين موده جعلتهما لا يفترقان الا ساعات قلائل ، وأخذ فى تلك المدة ذلك الشاب يحدث صديقه لبيبا عن العالم الخارجي ، ويصف له ما يسميه الحياة العصرية وما أدخلته الايدي الاوربية فى بلادهم من لطائف الحياة وبدائع التمدن ، وأخيرا ألزمه أن يسفر معه الى بلاده الراقية المتحضرة ليكرع من مناهل الحياة الحديثة ، ليكون بعد ذلك زعيمها فى بلاده ، ويكون قد خدم بذلك نفسه وبلاده .

٠٠ صر قرر الزائر سفره بعد أسبوع . وأزمع لبيب على صحبته . ولكن كيف العمل هل يستطيع أن يجابه أيام بهذه الفكرة ؟ انه فاشل لا محلة لانه واثق بأن أباه لا يوافقه عليها . . وقضى الشابان ليلتهما فى تفكير وتدبير حتى اذا أصبح الصباح استقر رأيهما على أن يتوصل الشاب السائح الى والدة لبيب وبرجوا منها أن تسمح له باخذه معه لزيارة دياره .

بلغ عفاف المسكينة خبر سفر ابن عمها وخطيبها لبيب الذى تربت معه من الصغر فتربى حبهما معهما ، ونشأ مع نشأتهما ، فكان يربوكل يوم وليلة ، ويكبر

. - بكبر عما ، وها هو لما أصبح فى روعة شبابه ، وأشتدت عضلاته ، أخذ محاول قصم عراه المتينة ، أجل انه ليحاول قتل . . حبهما سيسافر غدا الى البلدان الخارجية وسيكرع من حضارتها ويرتوى من زخارفها ، وهل يبقى بعد ذلك حافلا بهذه الفتاة الساذجة الوديعة الخاملة ؟ ! وهكذا قضت " عفاف " ليلتها تبكى حبها تندب حظها ، وباتت في خصام عنيف مع الالام ، فكانت كلما حلولت قهرها معللة نفسها بالأمل استولى عليها اليأ يفتخور قواها من جديد . يرق قلبها ، فتلفئران عيناها عبرات حارة ! رحماك اللهم بهذه الفتاة المسكينة ، فانها بريئة لاذنب لها سوي حبها الطاهر وغرامها النقي وبينما هي كذلك تقطع تارة مدى الحب الحادة فليها الفتى الضعيف ، وتعبث به اخرى مخالب الالم الخشنة الجبارة ، إذ سمعت آزيز سيارة وقفت تحت نافذتها ففهمت انها هى السيارة المنكودة التى ستنقل ابن عمها كلا ! بل انها السيارة التى ستأخذ قلبها لتدفنه هناك بعيدا فى البلاد النائية تاركة بعد هاجئة خامدة لأروح فيها ، وفريسة تحت رحمة الالم والاحزان تفعل بها ماتشاء !

- لحا الله هذه السيارة المشئومة كنت أظن حديه كين من قلوب هؤلاء البشر الذين لم يرقوا لحزتى . .

قوي دوى السيارة ، فقويت معدة دقات قلب عفاف ، حتى إذا ما تزحرحت السيارة من مكانها احست " عفاف قليها انخلع من محله ، وطار يحلق فوق هذه السيارة

مرت أسابيع ، اليوم على سفر لبيب افيدى ، قاست عفاف في خلالها انواع العذاب ، والوان الا لا لام ، فكانت تقاسى عذاب الفراق وعذاب الوجد ، وعذاب الخوف عليه ، وعذاب الكتمان ؛ ولم يكن لعفاف المسكينة البائسة من يفسمها

قار احزائها ألا خادمتها الصغيرة سعاد وكم حاولت سعاد هذه ان تخفف عنها اعباء هذا الجمل الثقيل ولكن عبثا ذهب كل محاولاتها واي شئ تستطيعه هذه الخادمة المسكينة سوى الدعاء والتضرع لله تعالى عساه يخفف عن الامها المبرحة ، ويرزقها صبراجيلا ؟ ! واي شئ تقدر عليه سعاد المخلصه سوى مشاركة سيدتها في افرراحها واحزانها فتبسم لا بتسامها وتبكى لبكائها ؟ !

يوم وذات يوم حالما كانت عفاف قناعة - وما كانت بالنائمة وانما كانت غارقة في حضيض الاحلام البائسة ، وبحور الافكار المظلمة اذ دخلت عليها سعاد تصفق بيديها فرحه مسرورة ، قنهضت هذه المسكينة مفزة :

- ما معك إصعاد ؟ ! - آه يا سيدني العزيزة . معى كتاب من سيدي لبيب . - خمك رب من قبيب ! أين هويا سعاد ؟ ناولينية ! تناولت عنفاف البط قه من خادتها بيد مرتجقة واخذت تنلوعا يا حثة في سطورها عنها تعثر على عباره سؤال او سلام موجه اليها وبعد ما كررتها مرارا حتى كادت يحفظاها ولم تعترم ذلك على آية اشارة اليها سقطت البطاقة من يدها وثارت فى نفسه ثائرة الحزن فانكبت على فراشها نسكب دموع الحب وتمطر عبارات الشقاء ، واخذت سعاد تقسمها البكاء هي ارادت ان تهون عليها عذابها وتدخل عليها بعض السرور بهذا الكتاب واذا بها زدتها عذابا امر والما انكى شعرت هذه البنية بانها اقترفت ذنبا عظيما نحو مولاتها وشاركت صذبيها فى جرئهم ، فتضاعف كلها خي احست بان قلبها ينتزع من فجين حنبيتها وصاحت بعبارة يقطعها البكاء :

* لمناd - ارحميني يا سيدني اشفقى على باعفاف ! كفى لله عن هذا البكاء خفي عني وعك وقع الالم ولما لاحظت " عف ما تقاسية خادمتها الصغيرة

من الالم لأجلها ! قامت متثقلة وجذبتها نحوها وبعد ما طبعت قبلة مشوبة بالدموع على جبينها الضيق ، طفقت تتظاهر بالصير شفقة عليها ، ومن ذلك اليوم صارت فاقاف تهتم بامر خادمتها اكثر من امرها .

. . مرت عدة اسابيع اخرى وجاءت في خلالها عدة خطابات اخرى كانت مجمع متناقضات ، فتحمل اشكال السرئر لذوي لبيب واصدقائه ، وألوان العذاب والآلام لفاق وخادمتها ، وكانت عند ما تطالع بعضها تتخيل بين اسطره شبحا هئلا يصيح فى وجهها :

- إينسي ياعفاف فلقد نسيك ابن عمك ٤ وعفار سمك من قلبه وها هو اليوم جاء آخر كتاب يجمل خبر العودة ، فعساه يبرد عن دفاق حر اشواقها المضطرمة .

عمور آل شفيق وأصدقاءهم ؛ وغرهم الفرح كلهم باياب ابنهم لبيب سالما من سفره البعيد ، وكانت وقود المهنئين ترد زرانات زراات ، فهؤلاء مقبلون وأولئك منصرفون . وتلوح على اوجه الجميع علامات السرور ، ماعدا شخصا واحدا كان مضطرب البال مختار الفكر ، لم يؤثر فيه هذا السرور العام ، ولم يحفل بهذا العيد السائل ، ومع انه كان احد افرادها ، ولعله كان اجدرهم بالغبطة والسرور

. أجل هكذا كانت عذاب ! . . ولم يا عفاف كل هذا الجفاء ؟ ! اليس هذا هو الشخص الذي طالما بكيت فقدانه ، قد عاد لك سالما ؟ . أوليس هذا هو الذي طالما تفتت قلبك من اجل بعاه فلم يطب لك بعده نوم ولاطعام ؟ ! فها هو قد عاد ، فالإلات تعود لك ابتسامتك ؟ وها هو قدرجع لا يرجع لك سررك ؟ ! وهكذا مجادلت عفاف ساعة من الزمن مع نفسها ؛ ثم غضت عينيها السوداوين الساحرتين ؛ وغطت وجهها الشاحب بيديها الناعمتين واستولت عليها نوبة عصبية فصاحت :

- كلا . . كلا . . لم يعد لبيب ليس هذا الشخص المحتفى

سم ومع بمجيئه ، لبيبا . . هذا شخص آخر ، فلبيب الحقيقي لا يزال هناك بعيدا . . بعيدا . . لم يعد ، ولزيعود أبدا . . وبقيت عفاف تبكى حبيبها المفقود ، بقيت أيامها لانها لم يجد في لبيب الجديد المستهتر الطائش العجيب في اوضاعه وملابسه لبيبا المعهود ! . أجل لم يجد في هذا الشاب ؛ ذلك الفتى الكامل القوي الصلب فلقد نبذ هذا الشاب تلك الخصال النبيلة التى جعلت " عفاف تهيم بحبه ، وتنوله بغرامه . . ولقد ابدل تلك الحلة الجميلة التى كان يرتدبها ، حلة الخلق النبيل والرجولة بثوب مهلهل من الاخلاق والأوضاع . . تيقنت عفاف انها لا تحب هذا الشخص " المائع " وانما محب شخصا مفقودا ! ! شخصا خياليا ، وسوف تبقى طول حياتها خاضعة لحبه العذرى ، مخلصة له ٤ متيمة ، به كما يظل الشاعر مخلصا لحبيبته الخيالية ينظم في غرامها وأوصافها درر القصائد

خرج الشاب لبيب أفندي من داره يتمايل فى ثيابه الفضفاضة ، يفتقد كل ان ترتيب ملابسه وزينته ، ولما لمحته عفاف من خلال نافذتها المطلة على الشارع ابتسمت ابتسامة حقد وصخرية وانفجرت من الغضب قائلة :

. تبالك من شاب صخيف ابدل رجولته بهذه الحالة الممقوتة ثم لوت وجهها تربا به عن منظره السخيف ، وخلت الى نفسها ؛ واصأنست بخيالاتها وصارت تستلهمها حبيبها ، وما كادت مجمع اثنات رسمه في مخيلتها حتى سمعت باب غرفتها يقرع ثم ظهرت خادمتها المحبوبة سعاد :

. ٤ - يدء وك سيدي يا - أبى يدهونى ؟ وأين هو ؟ - فى مكتبه - حسن - ساحضر . غابت الخادم ، ونهضت عفاف متكاسلة متسائلة : أى شئ يريد منها أبوها ياتري ؟ . . اختاجت في ضميرها أفكار فزعت

" صح ٠١ لها واصفر وجهها فاسرعت الى طردها ، ولكن ابت هذه الافكار المظلمة العنيدة الا أن تزداد وضوحا وانجلاءا وأخيرا تمثلت شبحا ممقوتا أخذ يرقص أمامها ساخرا منها صائحا فى وجهها .

? سر - نعم . . سينز وجك ! . . سينزوجك ! . . رضيت ام كرهت . . وهكذا دخلت على أبيها فى حالة مضطربة إذ فهمت تقريبا ماذا يريد منها ٤ فسلمت عليه وجلست بعيدة منه منتظرة السهام الحادة التى ستصوب في اللحظة الى قلبها المريض فتفتنه ، والاق السامة ، والاسد الضارية التى تتطلق الآن من عقلها لتحطم ما أبقته آلامها المزمنة من جسدها النحيل

- ١٠ . ٩ اقتتر بي يابنية . هكذا قال لها أبوها بصوته الرخيم ، اقتربت منه راجفة مرتعدة ، وواصل أبوها حديثه .

- فى هذه الساعة كان عندى عمك رشيد ويريد زفافك لابن عمك فى آخر هذا الشهر . . ) قال هذا والتى نظرة إلى التقويم السنوى المتدلى بجانبه ( أي بعد عشرين يوما . فاردت اخبارك لتكوني على علم . .

وما كاد الرجل ينتهي من حديثه حتى انتبه الى ابنته واذا بها تفتفض كانها - ورقة شجرة في ربح عاصف ؛ وقبل ان يقترب منها خرت مغشيا عليها . .

٠٤٠ ? أسرع الدكتور لاسعاف عفاف ، وماذا عسي هذا الدكتور أن يفعل ؟ ! فهل يستطيع باتري مقاومة ارادتها ؟ ! فانها قد أقسمت على أن تبقى مخلصة لمحبوبها الخيالي خاضعة له ، وها هم اليوم يحاولون ابعادها عنه واقترانها بهذا الشاب الطائش الممقوت ، فالموت أهون لاشك لها . . وبعد ايام قليله قضتها عفاف فى مرض متواصل اعجز جميع اطباء القرية ، وفي صباح باكر أسلمت آخر انفاسها ، وبعد ساعات أخرجت العروض من بيت ابيها فى موكب رهيب ، وزفت الى قبرها . .

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية