الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

، جدلية الشرق والغرب، في الرواية العربية المعاصرة

Share

(*) - 2 -

2 - الاستلاب الحضاري :

ان هذا الموقف الرافض يقابله في الرواية العربية موقف آخر يرى في  العلاقة بالغرب مظهرا من مظاهر الاستلاب . وهذا الموقف يتبناه الى حد بعيد  طه حسين في روايته « أديب » وعبد الرحمان الشرقاوى في « الفلاح ، وعبد  الرحمان منيف في « الاشجار او اغتيال مرزوق » فيكف يبدو لنا هذا الموقف ؟

في رواية « أديب » كان الراوى «البطل مهيأ منذ البداية وهو يستعد للسفر  الى فرنسا للاستلاب . فقبل السفر قطع كل صلة وجدانية تربطه بمصر  وبالحياة في مصر وعلى هذا النحو نفهم طلاقه لزوجته رغم حبه لها (40) وحالما  انتقل الى فرنسا واغرق في الحياة الاروبية تهيأت له المعادلة التقليدية « شرق غرب » وهى معادلة قائمة اساسا على التناقض :

الشرق - الغرب الخمول - الحركة الموت - الحياة الجهل - العلم اللاننظام - النظام اللاغاية - الغاية

ولكنه سرعان ما يعثر على الحل ، فينتصر للغرب ويؤمن به وينبهر بقيمه  و اخلاقياته ويحس انه في الحرب احد طرفي الصراع (41) ولكنه وهو في نشوة  الانصهار بدأ يعى التمزق فهو يملك نفسين » نفسا تأنس الى الفرنسيين وتجد  اللذة فى عشرتهم واحاديثهم ومشاركتهم فيما يأخذون فيه من الجد واللهو ونفسا  اخرى متشوقة ابدا ، ملتاعة ابدا تحب ان تسمع صوتا مصريا صادقا (42) بيد  ان هذا التمزق سرعان ما يتحول الى ازمة ، فقد ادرك انه مهما حاول لن يفلح  في الانصهار ، فهو يحمل من شرقه بذرة اللانظام واللاغاية ولكنه في بيئة  ، لا يصلح فيها الاضطراب ولا تقوى على الحياة فيها نفوسنا الضعيفة المضطربة  فقد ادرك انه لم يحسن « لقاءها ، ولم يحسن « احتمال الاثقال فيها ، ولم  يحسن « الخضوع لما تفرضه من نظام و اطراد » (43) وتنتهى الازمة في نهاية  الرواية بمأساة ، فقد من البطل بحالة جنون انتهت بموته ، وهكذا كان البطل  كالفراشة التي عشقت النور فأحرقتها النار ، ضحية الغرب المأساوية .

 ان الموت او الانتحار هو النتيجة الحتمية للمستلب . ذاك ما حدث ايضا  في رواية « الاشجار او اغتيال مرزوق » لقد عاش منصور عبد السلام مستلبا  ، فهو يشبه كاترين في كل شيء ، فى الاكل والرقص والموسيقى ولقد تعود على  حياة الغرب واصبح واحدا من اهله (44) كما ذكره مسترريجي الفرنسي وهو  في بعثة الآثار بكاترين وبالايام الدافئة في بلاد الثلج عن طريق القيثارة الغربية  التي اراد ان يتعلم العزف عليها (45) ولهذا السبب ولغيره من الاسباب يموت  منتحرا وكذلك يظل الراوى فى « الفلاح » في حنينه فلا يخرجه منه الا الفلاح  ابن الارض الطيبة الذى ما سافر قط وما عبر حدود الوطن (46) .

ان الروائيين فى هذه الروايات يشخصون هذا الموقف عبر ابطالهم ، ولئن وقفوا موقف النقد والتشخيص فانهم يشهدون على ظاهرة تسم الشخصية العربية المعاصرة .

3) الموقف النقدى

بين الموقفين المتناقضين تجاه الغرب موقف ثالث يسعى الى تصحيح  العلاقة بين الشرق والغرب ويتبنى هذا الموقف سهيل ادريس والطيب صالح .

فلئن كانت جانين مونترو رمزا لاروبا المازومة التي أفل نجمها والتي  تبطن ايديولوجية عمادها نظرية العود الابدى التي تجعل من التاريخ دورا  متعاقبا من الثأر والثأر المضاد وترى لذلك ان يقظة الشرق لا تتم دون أفول  الغرب ، (47) فان اروبا تظل ) معلمة » دون ان تكون « مستلبة ، فأدبنا بحاجة  الى مثل هذه النزعات الثورية ) وما تمناه الراوى » أن يترجم « هذه المسرحية  ( العادلون ) يوما » (48) وتظل جانين نفسها « الصورة التي تبحث عنها » روح  الراوى منذ زمن بعيد (49) وقد علمته ان يكون عربيا شريفا (50) وكذلك يقف  سامي في رواية « أصابعنا التي تحترق » موقفا نفعيا من الحضارة الغربية  ، فالتعامل هو اساس العلاقة مع الثقافة الغربية مهما كان لونها وعلى قدم  المساواة سعيا الى مصلحة الفكر العربي (51) ولكن المنطق النفعي يرفض  الاستلاب ويتبنى النقد فعندما علم سامى ان المؤسسة التي يعمل فيها تهاجم  الثقافة الارجوانية تركها معتقدا أن الثقافة الارجوانية لا تتمتع بحرية الفكر  وهذا مأخذ رئيسي .. عليها ولكنه رأى « ان الثقافة الغربية قد تحرم ايضا من حرية الفكر وتتجه اتجاها يمينيا رجعيا ، (52)

وفى « موسم الهجرة الى الشمال ، يتكامل موقفا الراوى ومصطفى سعيد ، فهذا الراوى يدعونا الى اخراج « الغرب » من اطار القداسة والتعظيم الذي وضعه فيه الشرق والوطن العربي خاصة بحكم عصور التفوق الحضاري . واذا كان مصطفى سعيد يرد على العنف الاروبى الذى عاشه بذاكرته التاريخية الطويلة بالعنف فان الراوى يرى ان هذه العادلة التي لا تزال تقر عليها أروبا معادلة ستتغير بحكم الصيرورة التاريخية . فالاستعمار سيتحول مع مرور الزمن الى خرافة عظمى وسيتحقق ذلك الحلم الذى عاش من اجله مصطفى سعيد في لقائه المأسوى مع جين موريس ، فقد عاش لحظة فريدة على حد عبارة استاذنا توفيق بكار كأنها خارجة عن هذا الزمان ماحية لما قبلها وما بعدها يتطهر فيها الحب من الاخطار الموروثة وسيمر عن الاباطيل الى قمة الصدق . لقد عظم سعيد في عين جين لانه وهو يقتلها قد استطاع ان يرتفع عن ذلته التاريخية كمستعمر الى مستوى الكرامة الذاتية والعزة الحضارية وكبرت هي في عينه لانها اذ قبلت منه الموت بذلك السخاء . قد ارتفعت عن كبريائها العرقية الى درجة المرأة العاشقة والانسانية الصافية ، فكان التساوى بينهما لاول مرة والتطابق الذي هو منتهى الحب وما كان ليكون الا بالموت الا في الموت (53) .

وفي النهاية يبدو موقف توفيق فياض - الروائى الفلسطيني - من خلال روايته « حبيبتي ميليشيا » موقفا انتقائيا ، ففى الغرب الطيبون المضللون والمظلومون . ولذلك فدهرية ايضا لا ترفض بل تسعى الى الدنو من المجتمع الغربي قصد افهامه والاستفادة من موقفه لكسب قضية الحرية (54)

هكذا يبدو لنا الغرب في علاقته بالشرق كما يصوره الروائي العربي المعاصر .

اشترك في نشرتنا البريدية