الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

، حديث وصراحة

Share

حديث الروح

الصوفيون:

ظاهرة الصوفية قديمة قدم الانسان نفسه فمن الاقدمين من تفرغ كلية لما يؤمن به من طقوس كما هى الحال فى عصرنا وفي كل زمان ومكان . . وهذه الظاهرة في حقيقتها سلوك غريب في الانسان كينونتها نفسه وأسبابها تربيته وظروفه الشخصية . . ولست بعالم متخصص أتعمق فى هذا البحث بقدر ما ستنتج مستدلا بالتجارب المحسوسة في حياتنا.

أن لهذا الصنف من الناس انواعا عدة فمنه من ينحو هذا المنحى نتيجة خواء نفسي يستبد به فينزع به اليها تلقاء ظن منه أنها مالئة فراغه وخواءه ، ومنه من يركن اليها حين يعجزه صراع الحياة ابتغاء الخلاص منه . وعلى أى حال تعددت هذه الاصناف فأن هذا المنزع من التفكير لا ينجأ اليه الا الكسالى والعجزة عن مواجهة الحياة بمشاكلها وصورها المتباينة . . ولا أعني ذلك الصوفي المتلذذ بالمناجاة الروحية ينقي بها نفسه من شوائب الحياة المادية وأرضارها في ذات الوقت الذى لا يترك دوره كأنسان يشارك قدر جهده وطاقته فى بناء الحضارة الانسانية فلعله الجامع بين الحسنيين . وانما عنيت الصوفية المحنطة المتخلفة كلية عن دور العمل الحضارى المادى لتظل اداة استهلاك تأكل من غير أن تنتج ، وتلبس من غير أن تنسج . وتشرب من غير ان تحضر وتخرج.

ولك ان تسميها " كتائب البطالة " أو أكوام من كيف لا تسمى كذلك والإنسان بطبيعة تكوينه مفترض انه خلية عاملة فى

اطار من التحرك والانطلاق ، يحافظ وجوده ، وسلامة نوعه كما وكيفا . . أليم هذا الافتراض الملزم يجعل منها فى هذا المنزع خلايا ميتة يتساوى وجودها وعدمها ان لم يكن هذا العدم أولى وأحق ؛ وقد يدعى معاكس أن هؤلاء هم الصفوة العازفة عن أوضار المادة ضحت بالترف لتبلغ غاية الروح ، همها الآخرة لا تثنيها عنها مباهج الحياة . أليس من الغريب استهجانها ؟ وهنا لا أجد استدلالا على رد هذا الادعاء أعظم من استذكار قصة النفر الذين كانوا على ما يبدو حديثي عهد بالعقيدة جاءوا إلى الرسول(ص)  يحملون فى حناياهم صوفية مجتهدة سألوا عن عبادته فلما عرفوها استقلوها فتحادثوا فيما بينهم فأحدهم يقول : أصوم ولا أفطر ، وآخر منهم يقول:

أصلى ولا أنام . وثالثهم يقول : سوف أعتزل النساء . . فيخرج اليهم الرسول ليقول: أنتم الذين قلتم كذا وكذا . أنا اصوم وأفطر وأصلى وأنام وأجامع النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى . . اليس في هذا الرد الناقد والتعليم الجامع ايضاح ان الانسان  له دوران رئيسيان لا يمنعه أحد عما عن اداء الآخر ؟ فاذا كان دور الروح قطبا هاما في حياته المكلفة فلا يجوز التخلي عنه والا تحول إلى عابد مادى تفرض عليه هذه العبادة التخلص من المثل الانسانية . فان فى الدور المادى قوامه وحياته ، وبدونه يبقى صوفيا متخلفا . فاذا كان هناك تلازم عضوى بين هذين الدورين مما ينفى وجوب الابقاء عليه  ويفصل هذا التلازم فلا بد من نتيجتين يتصورهما العقل المدرك فاما التوحش المادى الرافض للقيم والمثل الانسانية وأما تعطييل طاقة وفي

استغلالها نفع للحضارة على الكون الارضي وفي كلتا الحالتين هدر للتكوين الانساني الصحيح..

الباطن والظاهر فى الادب

ليس بغريب أن يكون لبعض تصرفات الانسان المختلفة صورتان متغايرتان في الدلالة على حقيقة سلوكه ، وليس بمستغرب أن يكون فيه هذا السلوك اذا كان ثمة ما يوجبه فتلك خصيصة لا أقول : انها من طباعه الاساسية ولكنها لازمت بعضه منذ عرف العلاقة مع غيره من بنى جنسه.

والسؤال المطروح أمامنا : هل النفس البشرية الحرة تستهجن هذا السلوك المتغاير وتنفر منه أو تحبذه وتقبله . ومن وجهة نظرى أرى - من حيث العموم - أن يكون للانسان سدو واحد ليتلاقى ظاهره مع باطنه وحقيقته ما لم يكن ثمة أسباب قاهرة تدعو لهذا التغاير عنها الاكره من أنواعه المختلفة وما لا يطاق فى وقت يكون التلاقى غير جائز وفقا لقاعدة : " النور الخافت خير من الظلمة " . وفى القرآن الكريم دلالة على اباحة مثل هذا السلوك الظاهر فى وقت الشدة والمخاطر : " من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه

مطمئن بالايمان" . واذا اخذنا هذا فى اطار العلاقات الاجتماعية وجدنا الانسان قد يحمل في ظاهره صورتين مختلفين فى الدلالة على نفسه كما قلنا ، فقد يكتئب فى ذاته ويضحك عند غيره ، ويكون حربا على بعض جنسه ، وسلما على البعض

وما هو بالغافل ، ويتجاهل حتى يظن أنه الجاهل وان كان في حقيقته غير ذاك وهكذا.

ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا

تجاهلت حتى ظن أني جاهل

واذا أخذناه في اطار الفكر حق لنا التساؤل:  هل يكون للفكر ظاهر وباطن ؟ وما أخال الجواب الا القول بداهة بأن الفكر يظل بلا قيمة ما لم تكن نفس المفكر قد طبعت يفكره حتى طغت أحاسيسه ومشاعره عليه فى صفاء ونقاء . . بلا رتوش . . بلا واجهات ليقول ظاهرا ما يعتقده باطنا ،

ويحكى جهارا ما يخفيه أسرارا . وبالتالى تكون روحه معبرة بجلاء عن كنهها وحقيقتها دون تغاير الا ما أوجبته قاعدة الضرورات وفى نطاق محدود وما سوى ذلك يوصف بأنه تجارة مادية مستهلكة وكفى . قل هو المديح لماذا يوصف بأنه " نفاية الفكر"

ألم يكن لانه غير معبر عن حقيقة المادح وباطنه ؟ اليس لأنه قد يهدح من يكره ويذم من يحب ؟ لا يعبر عن وجدانه وروحه الا بقدر ما تمليه ظواهر العلاقة العارضة والمناسبة المادية الرابحة . . وبالتالى يحلو القول بأن الفكر ما كان ليصاب بأخطر من التغاير في دلالته . وما كانت الامم لتبتلى بأشد فجيعة فى حضارتها وتاريخها من أن يرقي بفعل هذا الفكر أناس هم فى حقيقتهم فى السفح ، ويهبط آخرون وهم فى حقيقتهم فى القمة.

الأحياء والأموات

اعتاد الناس خطأ على اعتبار الكم مقياسا للاعتداد بالشئ . . لعل ذلك شعور نفسى بأن الكثرة فى الشىء دليل قوته وقيمته ، وأن القلة ما كانت الا الضعف فى ذروته.

مثلا : الاعتقاد بأن كثرة البنين وكثافة العشيرة من مقومات القوة امام الاضداد ،

وان الامة ذات الملايين خير من ذات المئات  من الآلاف . ومئات الملايين خير من عشرات الملايين وهكذا . . ولا مرية فى أن ذلك تصور قريب للعقل والتصديق . . ولكنه خاطئ إذا أخذ على أطلاقه ، ان القدرة لا تعنى العدد ولكنها تعنى العدة وهى لا تعنى المقدار بقدر ما تعنى القدرة ، والقيمة ، فما هو نقص أمة عددها قليل ، ولكنها تقدم للانسان أحلى ثمار علومها العقلية ؛ وما هى اهمية امة تعد بالملايين ولكنها لا تقدر على صناعة مبيد كيماوى يقتل الجرذان التى تحتاج محاصيلها الزراعية؟ ولاتستطيع ايجاد الوسائل العلمية لزيادة هذه المنتجات..

ارى أن بين النوعين فارقا كبيرا فالاولون  وان كانوا هم الاموات طبيعة فهم الاحياء حضارة وتاريخا . علومهم العقلية أساس فى الوجود الحضاري وأساس في استمراره وان كانوا هم الاحياء فهم الاموات حقيقة ، هم عبء على الانسانية يكلفونها باستهلاكهم المتكاتف الشئ الكثير . . ترى أهي البائع الأشياء أم ماذا ؟ لست أدرى

اشترك في نشرتنا البريدية