ان الكمال الحقيقي للنبوة هو الرسالة والهداية ، والعبادة فطرة الانبياء والمرسلين . الرسول يعبد الله قبل بعثه الى العباد ولا يقطع عبادته بعد لقائه سبحانه وتعالى لذا يعتبر العبادة من كمالات الرسول .
أصل كمال الرسول هو نشر رسالة الله ودعوة الناس الى دين الله الحنيف مستعملا جميع قواه ووسائله وطاقاته . فنشر الدين الالهي وهداية الناس هما المعيار الحقيقي لكمالات الرسول .
وبناء على هذا فان النبي محمدا صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين وامام الانبياء والرسل وخاتم النبيين ياخذ مقاما عاليا بين الانبياء والرسل . وهو افضل وأعظم صفوفهم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن رسولا لقوم أو لزمن خاص ، ولكنه بعث لجميع الأقوام والامم في مشارق الارض ومغاربها . وشريعته ودينه هداية وسعادة ونعمة أبدية للبشرية .
الدين العالمي والوحدة الانسانية
كان لا بد للدين العالمي أن يشيد دعائم الاتحاد وآسسه ، ولا يكون اختلاف الالوان والالسنة وحدود الاوطان في الدنيا مانعا من اعتناق هذا الدين الواحد المتكامل ، الذي يولد وحدة العقيدة والمذاهب ويطهر الانسانية من فتنة المقاتلة والخلافات والشتات التى كانت قائمة باسم الوطن والقوم واللون والجنس . . فنرى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم يقوم بتعاليم الاسلام الخالصة ، فيجمع شمل البشرية التى كانت فرقا وقبائل حتى اصبحوا بنعمة الله اخوانا وامة وسطا عدلا حاملة راية العدل والنظام خفاقة تستظل بها الانسانية المظلومة وتطمئن بها واليها .
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أسس الاتحاد والوحدة وهذه الاسس تقتضيها الفطرة والحكمة .
وهذه المبادئ ليست قواعد فلسفية أو نظريات اعلانية بل هي واقعية ، عمل عليها النبي صلوات الله وسلامه عليه وانشأ امة ومجتمعا اعطى العالم صورة صادقة للوحدة الحقة ( وها نحن نذكر بعضها فيما يلى) :
١ - الدعوة العامة :
ان سبل الهداية و النجاة كانت مختلفة قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام حسب اختلاف الاقوام والمذاهب . فمثلا التوراة كانت هداية خاصة لليهود . كما ان الأنجيل كان هداية مخصوصة للنصارى وهكذا .
لكن رسالة " رحمة للعالمين " كانت عامة للبشرية جمعاء ، ولم يخصص القرآن دعوته لقوم خاصين او قبيلة خاصة بل فتح باب النجاة والهداية للعالم كله ، كما نطق به القرآن المجيد حيث قال : ( انا ارسلتك كافة للناس بشيرا ونذيرا ) . وبين ان الناس لن يفلحوا إذا سلكوا سبلا متفرقة ، وان سبيل النجاة واحد وهو الصراط المستقيم الذي هو الدين القيم والفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم . فكانت هذه الدعوة العامة أول خطة للاتحاد والتضامن العالمى .
٢ - احترام قادة المذاهب
ولا ينكر أحد ان الشتات والفوضى بين الاقوام كانا بسبب اهانة قادة المذاهب والمسالك الصحيحة العالية وكان ذلك عاما شائعا بين الامم وجاء النبي المصطفى عليه افضل الصلاة والتسليم فسد هذا الباب حيث اوجب الايمان بالله وتصديق جميع الانبياء والرسل . كما قال الله تعالى في القرآن الحميد : ) وان من أمة الا خلا فيها نذير ولكل قوم هاد ) ومنهم من قص الله على رسوله ومنهم من لم يقصص عليه .
٣ - نشر الاسلام بالحكمة واللطف
ان فرض النظريات والمذاهب والعقائد على الآخرين رأسا بالقوة والغلظة كان من الاسباب التى ولدت الجدل والخلاف بين الامم . وقد امر الله تعالى نبيه صلى .. الله عليه وسلم فقال تعالى : ( ادع الى سبيل
ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) . ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا وعلي بن ابي طالب رضي الله عنهما الى اليمن اوصاهما بأن يعرضا الدين بلطف ولين .
واذا كان الاسلام قد امر باخذ السيف فذلك لاستئصال جذور الشر والفساد حينما قامت قريش حائلا بينه وبين القبائل وصدت الناس عن سبيل الله وآذته بصنوف الايذاء فأمر اصحابه بأخذ السيف ليدافعوا عن أنفسهم ودينهم وليرفعوا كلمة الحق في العالم بعد ان تمادى المعاندون في عنادهم بعد ان ظهر لهم ان الدين الاسلامي حق وخير وسعادة للبشر . . فى العالم .
٤ - انهاء الظلم السياسي :
كان القوى فى الجاهلية يظلم الضعيف وينهب حقوقه مما يسبب القتال والصراع والجدال . فالاسلام عني بحقوق الذميين واعطاهم حرية الفكر فى المذاهب ونظم قوانين خاصة بهم واعطاهم حقهم كما اعطى المسلم حقه . دماؤهم كدمائهم ومالهم كمالهم ، وهكذا يمضون حياتهم ويعيشون حياتهم في امن وسلام .
ولا يخفى انه لا يجرأ مسلم على الاعتداء على حقوق الذميين في ظل الخلافة الاسلامية ولا يستطيع ان يهدم صوامعهم ومعايدهم فالذمي في العهد الاسلامى حر فى دينه ومذهبه ولا يمكن ان يمنعه عن ذلك احد . وهذه المبادئ هي التى دفعت الامم والطبقات المختلفة الى القيام جنبا الى جنب مع المسلمين وكان هذا العدل السياسي هو الذي جعل اقوام العالم يستقبلون المسلمين استقبالا حارا ويقبلون سلطتهم وحكومتهم ليعيشوا في ظل الحكم الاسلامي العادل .
٥ - المحبة
التنافر والتباغض والتحاسد خلائق عامة شائعة قبل الاسلام كان الابيض ينفر من اخيه الاسود والسيد ينفر عبيده منه . فجاء الاسلام ونادى الامم جمعا ء، ١ عباد الله لا تنافروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله اخوانا) . ينبغي ان لا نكره الانسان لذاته بل
نكرهه لأعماله السيئة فان الانسان سواء اكان أسود ، أحمد ام اسمر ، عبدا أم سيدا هو من خلق الله الذين خلقهم من نفس واحدة فجعل منهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ان اكرمهم عند الله اتقاهم وان اباهم آدم وآدم من تراب .
وكانت قريش تفتخر بحسبها ونسبها ، وتعتز بسياستها وسيادتها فاعلن سيد البشر وخاتم الانبياء والمرسلين صلوات الله عليه يوم حجة الوداع انه لا فضل للعربى على الاعجمي الا بالتقوى . . وكان هذا أعلى نظام ابدى فقد غرس الرسول في العالم بذور الاتحاد والتعاون والتضامن والتكافل البشري العام بما لا نظير له في تاريخ الاديان والعالم .
واثمرت هذه الخطبة فحلت المؤاخاة محل المنافرة والمشاجرة فاقبلت القبائل على الاسلام حيث راوا أن الاسلام يمنحهم حياة كريمة ويفتح سبل التقدم والرفاهية والأمن والسلام لهم . .وهكذا تبدد الظلام وزهق الباطل وخرج الناس من الظلمات الى النور وعن الضلال إلى الايمان والهدى .
٦ - التكامل فى الاقتصاد
كان عدم التعامل في الإقتصاد سببا لاختلاف الناس فكان الرجل يحصل ثروة ومالا ويعيش فى ظلها في رغد . وكان الآخر يعيش في فقر مدقع لا يجد قوته اليومي الذي يحتاج اليه هو وعياله . . فازال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الانحلال الاقتصادى واوجب فى مال الاغنياء ، حقا للفقراء يؤخذ منهم سنويا ويوزع على فقرائهم وحرم الاحتكار واوجب حق الاجير واعلن فضيلة العمل . وبين حدود المعيشة الصالحة . وحرم لبس الذهب والفضة والحرير على الرجال ، ومنــــع القمار والخمر والرقص والاسراف . وهذا هو النظام المتوازن في الاقتصاد حدده النبي الى اخر الزمان .
وقد لمس العالم ان نظام المعيشة والاقتصاد في الاسلام اتى بالرفاهية الجماعية بين افراد الامة وازال الفقر واذهب حب المال الى حد الشح . . حتى كان الرجل يخرج الزكاة من ماله ويلتمس المحتاج اليها فلا
يجد من ياخذها . فهذا هو النظام الاقتصادي السليم الذي محا الفروق بين الغني والفقير ، وازال الصراع بين الطبقات وعمم الالفة والمحبة والمؤاساة والتعاون بين أبناء البشرية أينما كانوا وحيثما وجدوا .
٧ - نداء إلى الامة الاسلامية :
وبعد فنحن في هذا العصر أشد حاجة الى التضامن والتكافل وهما السبيل القويم في الاتحاد الاسلامي العام وهما من العمل بمبادئ الاسلام واصوله وفروعه المتمثل في السعى والدعوة الى جمع المسلمين والى اصلاح ذات بينهم ، والسعي في تحقيق التضامن الاسلامي يعتبر جهاد في سبيل الله .. هذا اصل الجهاد الذي لا يستقيم الا باتفاق الكلمة ولا يتم ارتباط المسلمين الا به . وفي هذا الزمان حقق توفيق الله جل وعلا ، التضامن الاسلامي على يد عبده خادم الحرمين الشريفين وامام المسلمين فيصل بن عيد العزيز المعظم
انه لواجب على جميع طبقات الامة الاسلامية ان تنفذ احكام الاسلام ، وواجب على كل منا ان يرتبط برابطة العالم الاسلامي ، وان نجاهد لنحقق الاخوة الاسلامية التى امرنا الله بتحقيقها فى انفسنا .
ولقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ان تكون فى مقدمة الخلق قوة وشجاعة ووحدة ومن افضل الاعمال المقربة الى الله القوة الحربية فى ظل الاخوة الاسلامية لكى نجني النصر والتسديد والتأييد . ويجب على المسلمين ان يحذروا غاية الحذر من المغتالين المرجفين والمفسدين فان هؤلاء اضر عليهم من العدو .
وندعو الله تعالى ان يحقق آمال المسلمين وان يوحد كلمتهم وان يسدد خطاهم انه على ذلك قدير ، وبالاجابة جديو .

