الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

، قراءات في فكر و أدب الكاتب التونسي، محمد مزالی

Share

(*) - 2 -

- رسالة رجل الفكر والثقافة :

والكاتب محمد مزالى يرى ان لرجل الفكر رسالة وواجبات .. ازاء الفرد..  وازاء الوطن لان « الكتابة مسؤولية » وبما ان كل فرد في المجتمع مسؤول  فالكاتب هو الآخر مسؤول شأنه شأن الصانع والفلاح والتاجر والطبيب  والمربى والموظف ، هم جميعا متكاملون في المسؤولية ، في هذا الشأن .

كتب محمد مزالى فى عام 1954 في مجلة « الندوة » التونسية يقول تحت  عنوان :( مسؤولية الكاتب) :(( فأنت تتبين مما سبق وظيفة الكاتب  وخطورتها فهو يسمى الاشياء باسمائها ويكشف عنها كما يقول ( سارتر )  فيؤثر بذلك في مواقف الناس وفي علاقات الناس بعضهم مع بعض . واذن فهو  مسؤول عن كل ما يقول ، أى عن كل ما يفعل ، وحتى عما لم يقل ، لان  سكوته في ظرف من الظروف وتجاهله ( الحالة)  في وقت من الاوقات له معنی)) (16)

 والكاتب محمد مزالى يرى ان الرجل الفكر رسالة لذلك نو، بدور الامام  المازرى ، وبفضل المفكر علي البلهوان الذي خصصه بدراستين : ( علي  البلهوان المناضل ) (17) و ( علي البلهوان المفكر ) (18) .

فرجل الفكر لا بد ان يعمل وان يجاهد ، وان يخلص الى وطنه الاخلاص  الكامل .. ورجل الفكر في فكر محمد مزالى يتأكد عليه الاختلاط بالطبقات   الشعبية ويحبب التضحية ويحث على الايثار ويقف بجانب المستضعفين المهددين في حقوقهم ، ويحث على التكتل ويقود المناضلين لاسترجاع الحرية موفيا بما عاهد الله والوطن عليه .

ورجل الفكر عند محمد مزالي أيضا يتأكد عليه ان يكون واعيا بالمسؤولية التى اضطلع بها مختارا لانه يمثل قيادة الحضارة وعليه ان يكيف شؤون الحياة حسب مشيئته.

ورجل الفكر الواعي عند محمد مزالى هو حر فيما يخلق وينتج ، لكن عليه  ان يسهم في اثراء الثقافة القومية وبلورة الاصالة الوطنية ولا ينغلق على نفسه  فالكاتب والمثقف حر لكنه مسؤول .. يقول مزالى في هذا الشأن :

" على انه اذا كان الكاتب حرا فيما يخلق وينتج فانه بوصفه مواطنا وانسانا لا يمكنه ان يبقى مكتوف الايدى ازاء ما يجرى فى الدنيا ، مغمض العينين امام ما يعترى الافراد والمجتمعات فى كل مكان من علل وما يلحقهم من ضروب الاهانة والغبن ، ولا مبرر - اخلاقيا - لبقائه على الربوة متصامما عل نداء المعذبين فى الارض ، الساعين الى النور والعدالة ، المجاهدين فى سبيل الحرية والكرامة ، فهو حر ، ولكنه مسؤول فلا يليق به ان يبقى فى غفلة عن قضايا التقدم ، والسلم ، والازدهار ، وحماية مكاسب البشر فى كل المجالات ، ومكافحة الاستعمار والميز العنصرى واستغلال الانسان لأخيه الانسان (19).

وعلى ضوء هذه الرؤيا يتشدد محمد مزالي في التصوف الفكرى عندما يقرر ان رجل الفكر عليه ان يتصفح كتاب الوجود اللامتناهى ويعطى الالتزام  محتواه التقدمي(20).

ونظرة محمد مزالي لرجل الفكر تستطيع ان تستشفها حتى من خلال حياته الشخصية ، لكنه عندما طرحها اراد بها ان يشعر الآخرين باعتبار ان الحياة ملحمة والانسان بطل فى هذه الملحمة ( 21).

والمثقف في فكر محمد مزالى ليس من فاز بنعمة العلم وظن انه في حل من شعبه المثقف الواعي هو من تواضع ، واخلص الى أمته والتزم بخدمتها  وعمل عملا صالحا لا ينقطع ، وفهم من الحياة انها تأدية رسالة والتزم بهذه الرسالة (22) .

- خصائص فكره

هذا جانب من حوانب فكر محمد مزالي الخصب ، على ان هناك جوانب طريقة اخرى من هذا الفكر وهى تترجم عن اصالة هذا الكاتب وعن وعيه بمشاغل جيله .

 ان لهذا الكاتب اهتمامات كثيرة وشغلت هذه الاهتمامات باله طويلا  فرجل الفكر هو صانع التاريخ والحضارة ، وهو يتحمل مع رجل السياسة  مسؤولياته .. ورجل الفكر عليه ان يعمق فكرة الاصالة في جيله حتى يشب  متجذرا بها ، والادب ليس هو مأساة كما يرى محمود المسعدى ، بل ملحمة  والانسان هو القادر على صنع مصيره ، ونحت كيانه (23) ، والاديب الحق فى  نظره هو صاحب المبادىء الذى يجعل من حياته موقفا ، لذلك رأيناه يكتب  في مقال ( شباب الادب وأدب الشباب ) فيقول : « الكاتب الاصيل هو الذي  يأخذ دائما موقفا من دون مواربة وفى غير التواء ، لانه يؤمن بقدرة  ارادة البشرية على تغيير الواقع ، ولانه لا يفكر بشيء بأسطورة حتمية التاريخ  وترديد بعضهم لمأساة الانسان فى عالم تدير شؤونه قوى ما وراثية عمياء  أو نواميس اقتصادية ومادية قاهرة .

والكاتب الاصيل يأخذ دائما موقفا فى شجاعة واباء ، لانه يأبى أن يعوى  مع العاوين ، اذ هو يرفض مجتمع الذئاب ، ويأبى ان يهتف مع الهاتفين لانه  يحتقر المنافقين ، ويرفض ان يصمت مع الصامتين لان الصمت ليس دائما من ذهب ، (24) .

وعالج محمد مزالى في كتاباته أيضا ظاهرة التقية التي بدأ ظهورها في  الادب العربي في بدايات عهد بني أمية حينما التهبت الفتن الكبرى..)) وتيار  التقية ، هذا يتمثل فى انعدام العلاقة التقابلية بين رجالات الفكر والسياسة...

ان السياسيين خشوا من الفكر فلم ينزلوا أصحابه المنزلة اللائقة بهم.....   وأهل الفكر احتقروا أنفسهم ونشأ عن كل هذا فراغ في العقل وفي الوجدان  أدى الى ظهور أنواع من المفاخر والاهجية لا صلة لها بالادب الحي الصادق.....   فمن هنا جاءت دعوة محمد مزالى الى ضرورة بعث فكر عربي جديد وهو في  نداءاته ينطلق من تصور ( سقراط ) لدور المفكرين في الحياة الاجتماعية ...  محمد مزالى شأنه شأن ( سقراط ) فهو يود ان يصبح أهل الفكر من شعراء وفلاسفة هم ساسة العالم (25) .

واهتم هذا الكاتب بعدة قضايا أخرى : قضايا أدبية وسياسية وفكرية  وفلسفية وتربوية .. فهو مثلا في مجال تأصيل الكيان التونسي يحرص على  تعميق فكرة ( الوحدة القومية) فنراه في مقال : ( في الوحدة القومية ) يحمل  على المتعالين والادعياء وانصاف المثقفين ، الذين تأثروا بآراء الاجانب واعتبروا  انه من الموضوعية ان يقولوا عن انفسهم ما اثبته الاجانب عنهم .. هؤلاء  شككوا في الوحدة القومية .. وقالوا عن هذه الوحدة هي مهلهلة وضعيفة  باعتبارها تكونت بدافع كره الاجنبي ومقاومة الدخيل ... رد محمد مزالى على  هذا المفهوم الخاطىء مشيرا الى ان وحدة الكفاح تحققت من اجل شعور قومی  مرهف هو احياء أمة وبعث دولة ، وان وعي التونسيين لم يكن سلبيا حتى  ولو بدا كمظهر لرد الفعل ضد سياسة الفرنسة والاذابة لان وحدة الشعب  الحقيقة انبتت من جذع حضارى ، ويثبت هذا الكاتب حقيقة فلسفية هو انه :  لا توجد وحدة قومية من دون جذع حضارى مشترك ومثل عليا واحدة ،  واذا ما توفر ذلك فلا خوف على الامة من التلاشى والفوضى حتى ولو كثرت الآراء وتضاربت المدارس الفلسفية » (26)

ويقول عن « الوحدة القومية » وعن « طرافة الشخصية » : أن وحدة تونس  القومية تتطلب منا الايمان باننا أمة ، وحث هذا الكاتب شباب تونس على  التعلق بالجذع الحضارى ، لان لتونس كيان وروح قوية ، وتميز وتفرد  بخصائص حتى وان كانت هذه الخصائص تتطور .. لكن الثابت هو ان تونس

كبلاد لها كيان ، وان الشعب التونسى له خصائص منذ العهود الغابرة ، وهو متأثر بمناخ معين وقد حافظ على روحه الخالدة وعلى روحانياته وخصائصه الذاتية رغم كثرة الغزوات العسكرية وملاحقات القهر والعسف ، وأكد على  وجوب المحافظة على هذا الطريق ، لان واجب الشباب اليوم يتمثل في احياء الامة وصيانتها والتوفيق بين الاصالة والمعاصرة)) (27) .

ولم يهمل محمد مزالى قضية ( المدارس القرآنية ) في عهد الحماية ، اذ في  بداية حياته الادبية - وبالتحديد فى عدد « الحرية » الصادر يوم 18 فيفري  1951 - نجد مقالا ثوريا بعنوان : ( ماذا بالمدارس القرآنية ؟ ) دافع فيه عن  ( الجامعة القومية للتعليم) التي وقفت الى جانب مدرسى هذه المدارس وحمل  فيه على المستعمر الذي يريد المس بحرية البرامج التعليمية المعترف بها طبق  الأمر المؤرخ في 1942 (28).

وهكذا يتضح ان محمد مزالى كتب في كل مشاغل جيله ، وفي كل ما يهم  التونسي والعربي عموما مثل : قضية الجزائر ، قضية فلسطين ، وفي مستقبل  علاقات الشغالين ، ولم يهمل نضال حشاد كرمز للعاملين ، ولم يتخل عن  حرية الفكر ، ولا عن مسؤولية التحية ، ولا النظام التربوى المشوه ، ولا  الماضي ، ولا أولئك الذين ظلموا الادب التونسى ، كما نوه بدور الثقافة ،  و نادى بدعم الروح العلمية وتشجيع التكنلوجيا.

في مجلة « الفكر » : وفي مجلة « الفكر » الصادرة منذ 1955 حرص هذا الكاتب على بلورة  ( تيار التونسة ) وحسس بطرافة الشخصية التونسية ، وعرف باتجاهات  الادب التونسي قديما وحديثا ومكن الكثير من الاقلام من الظهور على الساحة  الأدبية والفكرية.

ومجلة « الفكر » كلفت صاحبها الكثير من التضحيات واثبتت انه بامكان  الاديب ان يناضل .. وفعلا اضطلعت هذه المجلة بدور ريادي في جمع النخبة  وتنشيطها في مجالات الخلق والابداع ، وركزت جملة من المبادىء والقيم أعطت  الحياة الفردية والجماعية معنى ، ووجهت الشباب الى رؤية الكون واستشفاف  الحقيقة المجردة فيه.

وفي مجلة « الفكر » يرى محمد مزالى ان لومضة الفكر رسالة ، وان الكتابة  مسؤولية ، وان طرافة الاصالة خدمة الانسان ، وان الاديب بامكانه ان ينجح  ويفرض نفسه مهما كانت العراقيل ، وتتحسس اعجابه بالكثير من الادباء  والشعراء والقصاصين التونسيين .. فهذا المسعدى في ( السد ) يكاد يكون  خلق العربية من جديد من حيث العبارات والصور ، وهذا محمد فرج  الشاذلي ، وعلي الدوعاجي ، ومحمد العروسي المطوى ، والبشير بن سلامه ،  ورشاد الحمزاوى ، وعز الدين المدني ، الذين استطاعوا ان يبدعوا بمستوى  أهلهم لان ينتقى شيء من انتاجهم في كتب مدرسية ، وفي دفاعه عن اللغة  العربية كتب مخاطبا بعض الثوريين الذين احترم افكارهم وشجعهم على نشر  انتاجهم في « الفكر » قال لهم قولة ( فولتار ( الشهيرة :(( اني أخالفك في  كل كلمة تقولها ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في قولها ، ..)) ناقش  هؤلاء وبين خطاهم عندما اعتقدوا ان (( الثورة في ترك اللغة العربية)) ، ولكن  العربية التي يوصى بها هى العربية المبسطة والمسيرة ، يشير الى هذا فيقول :  ((فلغة الشعب ليست اللغة العامية بل العربية مع التسهيل والتبسيط والتطوير)) (29).

وفي « الفكر » نراه يتوسم الخير في الشباب الادبى وفي الاقلام الشابة ،  ففتح المجال امامهم ليعبروا عن اتواقهم وينشروا تجاربهم لان الشباب هو  العرق النابض للامة والقوة الواقية من التحجر ، ومن دفاعه عن حرية الكاتب  كتب قائلا :(( أنى لا أو من بالتفرغ لانه ليس ضروريا ولا شرط كافية ، ولانه قد يحد من حرية الكاتب ويحرجه)) (30) .

ومحمد مزالى يرى في تجربة الخلق الادبى الاصيلة ، يراها عفوية تلقائية  و « الفكر الخالد ، عنده : مناخه الحرية ، والاديب الذي يكتب لاجل المادة فقط فمن يضمن حرية ؟ (31) .

و « الفكر » بفضل منشئها واسرها المتوالية (32) اضحت اليوم احسن  بطاقة تعريف للثقافة القومية والعمود الفقرى للادب التونسي الحديث شأنها

شأن بعض مجلات تونس في الماضى كـ ( العالم الادبى ) في الثلاثينات ، ثم ( المباحث ) و ( الثريا ) و ( الافكار ( في الاربعينات ، و ( الندوة ) في الخمسينات.

- محمد مزالي الكاتب :

ان محمد مزالى من كتاب تونس الكبار دون ريب ألف عدة كتب  وعبر عن مشاغل انسان هذا العصر اكثر من مرة ، واسهم ـ وعن طريق  في الكثير من المشكلات ، التي تتقاذف المجتمع كتب مزالى كثيرا ،  ولكنه ما كتب للكتابة فقط ، ولا كان يكتب من فراغ ، هو في دروبه الفكرية  العديدة تتحسس انه طرح قضايا التونسيين ، والعالم الثالث ، كتب عن  هذه القضايا بحرارة الكاتب المؤمن برسالته المعتز بمضاهيه التواق الى  مستقبل أفضل.

دروب فكره كلها تجسم وعي كاتب صادق ، واجه حيرة الانسان ،  الانسان الذي يحلم بالعدل والحرية .. ويتوق الى الخير والمساواة ..

والكاتب محمد مزالى تفاعل بمنتهى الوضوح مع ابناء جيله ، فلم يركن  امام الصعاب ولم ينزو . فضل ان يكون صريحا مع من يكتب لهم .. توجه  اليهم باللائمة ككاتب مسؤول ، ووضح لهم الكثير من المفاهيم والدروب  بضمیر اخلاقی محاولا بذلك الاسهام في بناء انسان عربي جديد يعتمد على قدراته وذواته فيحقق بها أحلامه ومطامحه

يشير الى هذا في مقدمة كتابه ( دروب الفكر ) :(( لقد حاولت ، یا قارئی  الكريم ، ان اطرح بين يديك قضايا هي قضاياك ، وان اثير مشاكل هي  وان اجابه متناقضات هى متناقضاتك ، وان اواجه تساؤلات هي  تساؤلاتك ، وان اقف من الوجود مواقف ، دعوتك الى التفكير فيها بكل جد ،  ورجوتك امعان النظر في ابعادها بكل صبر ومعالجتها بكل شجاعة)) .

ولقد كان ديدني في كل ذلك ان اكون معك صريحا ، اذ كنت اطمح بآمال الى ان أفيد قومى وشباب بلادی (33) .

وكلما استوقفك هذا الكاتب في ( دروب فكره ) ، وفي ( مواقفه )  و ( وجهات نظره ) وغيرها .. تراءت لك صورة عن هذا المثقف الذي حبا  ( الفكر ) ، وتفاعل مع ( المواقف ) الحرة ، وشده العقل والضمير الحي .. هو  انسان منحاز انحيازا كاملا اليه ... لكنه يتميز بذهن متقد وعقل مفكر (34) .  هو جرىء في بحثه وتفكيره يعتصم بالفكر والعقل .. يتوخي في بحوثه  منهجا نقديا واضحا ينقد بهذا المنهج النقدى مختلف القضايا الفكرية  يكفر بأسطورة حتمية التاريخ ولكنه كما يقول الناقد أبو زيان السعدى :  ( له صلة ما قد تكون قوية بفكر أبي حامد الغزالى صاحب كتاب ( المنقذ من  الضلال) (35) ) وكلما تعددت قراءتك لانتاجه تتحسس انه (( كاتب أديب  صاحب اسلوب في التعبير واسلوب في التفكير)) (36) . كما يشير الى ذلك  الناقد العربي رجاء النقاش

هذه صورة اجمالية عن فكر الرجل والقيم الايجابية فيه التقت في هذا  الفكر الاصالة المستنيرة والتحرى والنضال من اجل الغد الافضل ، ومثلت  دروب فکره » شهادة تصور ومشاركة في بناء الفكر العربي الجديد  والناضج ، الذي يحمل على التفكير ، ويأخذ باللب ، ويسهم في تطوير المجتمع وفي افادة الناس (37) .

ان محمد مزالى أديب يمتلك شخصية قوية ، يعايش الناس ويحترق من  أجل الضمير الاخلاقي ، وفكره يؤثر فيك لانه أحاسيس وتجارب معاشة وفيه  ظواهر القدرة والمسؤولية والرؤى البناءة وما يشد الانسان الى الكفاح المتواصل وما يحفزه الى نشدان الحقيقة وتبيان الطريق .

اشترك في نشرتنا البريدية