( بمناسبة يوم الجزائر ) كتب على الشعب الجزائري الجهاد وهذا هو فيما يظهر حظه على مر العصور . فموقع الجزائر الاستراتيجى جعلها همزة الوصل بين الشرق والغرب وشاء ان تشرف على البحر الابيض المتوسط بساحل يزيد على الالف ومائتين كيلو متر ( ١٢٠٠ ) مما جعل الجزائر منذ عهد بعيد جدا وطنا سهل الغزو تمر به كل القوات الاجنبية وترابط بشطوطه كما كان شان الفينيقسين والرومان والفاندال والاسبان والاتراك والفرنسيين بعدهم .
زحفت جيوش حرارة على الجزائر وهزمها الشعب الجزائرى وصمد امامها قرونا طوالا ، ولم ينته الصراع بعد الى حد الآن فالشعب الجزائرى لا يزال يواجه الى اليوم اشنع زحف عرفه ، زحف مليون جندى فرنسى
وكان ابشع احتلال فرض على الجزائر فيما مضى هو الاحتلال الروماني كانت توغلت الجحافل الرومانية داخل كل البلاد الجزائرية فبنى بفضلها الرومان حضارتهم في الجزائر وركزوها على الحديد والنار فشيدوا مدنا هائلة على كل الساحل الجزائرى وحتى فى كبد البلد " كتيفست " وتاجست " ومادور " " وخميسه " وكويكيلى " .
وبني الرومان في الجزائر الكنائس وبثوا في الجموع الجزائرية الديانة المسيحية وصارت اللاتينية اللغة الوطنية فى الجزائر ، لغة العلم والادارة والدين
وابلغ نجاح حصل عليه اللاتينيون فى الجزائر ، هو ان كونوا القديس اوغستان الاب الاكبر للكنيسة المسيحة الذي يعتبر الى وقتنا هذا احد اساطين الديانة المسيحية واهم المراجع لدى رهبانها لما كان قد خططه من طرق واسعة للمسيحية ، طرق لا تزال تسلكها الى حيث شاءت الاقدار .
ظلم الرومان وقهروا الشعب الجزائري فتعنتوا وعاثوا فى الارض فسادا . فلم ينفعهم طغيانهم ولم تنفعهم عظمة حضارتهم فبادوا عن آخرهم ولا تزال مآثرهم ومعالمهم موجودة بارضنا نشهد على مدى جبروتهم .
بني الرومان في الجزائر ليخلدوا وليتمكنوا وليخافوا . . فراحت فيالقهم تبث في الاهالي الروعة والرعب وراحت كذلك تلقنهم اللاتينية والمسيحية علها تقضي تماما على الشخصية البربرية .
ولم ينفعها ان تنشئ جامعات كجامعة " مادور " التى تعلم بها البربرى القديس او غستان بل ذهبت روما وزالت لغتها واخني الدهر على الرومان فى الجرائر ولم يبق في الجزائر الا الشعب الجزائرى . . ولم يفد روما ان اصرت على بذل الثقافية والسياسية والحربية لمحو شخصية الجزائريين اللذين ارادت ان تخلق منهم كل المحاولات رهبانا وقساوسة وجنودا ومترنمين وكتابا باللغة اللاتينية .
ذهب الكل ولم تغن القلل .. وفي القرن التاسع عشر غزت فرنسا الجزائر . . وسعت منذ ان داست جيوشها الثرى الجزائرى الى ان تسير سيرة اجدادها القدامى اللاتين كما كان الرومان يستبدون في الجزائر في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس المسيحي فسلكت فرنسا مسلك اللاتين وواصلت مجهوداتها الجبارة فى اخضاع القبائل الجزائرية ومحو شخصيتهم ولغتهم ودينهم ونهجت سياسة " فرنسة " القطر الجزائرى.
قننت فرنسا العائلة الجزائرية وجعلتها عائلة فرنسية تخضع للدستور الفرنسي والقوانين الفرنسية واوجبت على الجزائرى الالتحاق بجندها وفرضت عليه رطانتها واصبح الجزائرى غريب الوجه واليد واللسان فى بلاده ، لا حياة له ما لم تتمكن منه فرنسا وحتى فى حياته الشخصية والعائلية .
ورامت فرنسا ان تقيم جسرا على مدى تاريخ الجزائر فأبت الا ان تكون لاحتلالها صلة بفترة الاحتلال الرومانية للجزائر فبدات تحيى ببلادنا تاريخ اجدادها الرومان وشرعت فى تسمية البقاع الجزائرية باسماء رومانية وفرنسية
وغطت فرنسا عن تاريخ الجزائر العربية الاسلامية التغطية التامة وشطبت بخط واحد ثلاثة عشر قرنا عاشتها الجزائر فى احضان العروبة والاسلام .
وكثيرا ما تساءل المستشرقون الفرنسيون ومن بينهم " وليام مارسيه " بالخصوص عن الاسباب الغامضة التى ادت بالشعب الجزائرى الى ان ينسى تماما اللغة اللاتينية والديانة المسيحية والعوائد الرومانية ، الاسباب التى ادت بالشعب الجزائرى الى ان يهرع بكل قواه نحو الاسلام والعروبة ، الاسباب التى بعثت الجرائزيين على ان يلقوا بالحضارة الرومانية وراء ظهرهم وان يقبلوا بكل شغف وتعطش على الحضارة
العربية الاسلامية فينشئوا موضع الجامعات اللاتينية جامعات عربية كجامعة " بجاية " " وقلعة بنى حماد " وقسنطينة " والجزائر " ومازونة " وتلمسان "
ومات وليام مارسيه ولم يسعفه احد بجواب عن تساؤلاته . . فمات وليام مرسيه ولم يقل له احد . . ولم يقل لنا هو ايضا كيف تقلص ظل الامبراطورية الرومانية فى الجزائر . . وكيف لم تصبح لهذه الحضارة الرومانية في الجزائر سوى آثار موحشة أخنت عليها صروف القدر والجواب عن تساؤلات وليام مارسيه هو : ان كل ما يبنى على الظلم والطغيان يقضي عليه الدهر ويعفى آثاره
فارادة الشعب الجزائرى الى قاومت اجيالا واجيالا الاستعمار اللاتيني وقاومت قبله الاستعمار الفينيقي . . هذه الأرادة هي التي تغلبت نهائيا على الطغيان الروماني في الجزائر وهى التى حطمت الرومان وهضمت مدنيتهم كما هضمت مدنية الفينيقين من قبل .
فغريزة البقاء هى التى حملت الشعب الجزائرى على ان يقاوم ويمتنع ويثور الثورة تلو الثورة حتى قهر الرومان ومحا وجودهم في بلاده واعاد المياه الى مجاريها فارادة الشعب الجزائري هى التى ضمنت له الحياة بعد غزو الرومان وهي التي تريد له ان يتغلب مرة اخرى على الغزاة والطامعين فى الجزائر .
فكما قاوم اجداد الجزائريين الاحتلال الروماني والاحتلال الفاندالى والاحتلال الاسبانى والاحتلال التركى كذلك يقاوم الجزائريون اليوم الاحتلال الفرنسى..
فارادة الشعب الجزائري هي ان تعود العربية الى ديارها في الجزائر وان يعود الدين الاسلامى فى الجزائر الى تقاوته وصفائه لا تتطاول عليه الايدى الاستعمارية وان تعود العائلة الجزائرية عائلة مسلمة حقا وان يعود الوطن الجزائري وطنا عربيا مسلما حقا .
قالشعب الجزائرى مصمم على ان يدير اموره وامور دولته بنفسه . . انه يجاهد من اجل رجوع اللغة العربية والدين الاسلامي فى الجزائر . . انه يجاهد من اجل انشاء حضارة عربية مسلمة متطورة مندفعة متفتحة لكل اسباب الرقى متعطشه لكل اختراع وكل ابتكار علمي . . انه يجاهد من اجل بناء مجتمع راق متحضر متعلم . . انه يجاهد من اجل تشييد جمهورية ديموقراطية توفر العمران والازدهار والرفاهية وتضمن العمل والصحة للفلاحين والكادحين .
فمن اجل هذا كله ، يواصل الشعب الجزائري مجهوداته ويضحى بالنفس النفيس لانجاح ثورته العظيمة التى تتمثل فيها كل رغباته .
واذا القى اشياع جدد لوليام مارسيه . . اذا القوا سؤلا آخر من انهم لم يفهموا الأسباب التى ضمنت البقاء للحضارة العربية الاسلامية فى الجزائر فالجواب سهل بسيط .
ان العرب اتوا الشمال الافريقى لتحريره من الرق والاستعباد . . اتوا ليفيضوا عليه نور الله ونور الاسلام . . اتوا لينشروا بين صفوفه الرسالة المحمدية الخالدة...... رسالة الحق والعدل والمساواة القائلة بان لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى .
ولم يكن ابدا في خلد ( ابو زمعة البلوي) او( عقبه بن نافع )او( موسى ابن نصير... ، لم يكن ابدا في خلد ( عمر بن الخطاب ) و (عثمان بن عفان ) و ( معاوية ) ان يستولوا على الاوطان المغربية لاستغلالها او اشعال نار الفتنة بها للتغلب على امرها وجبى اموالها وتجنيد رجالها والانتفاع بخيراتها . . وانما كان في خلدهم ان يبلغوا المغاربة وبهذا كانت الحملات العربية للمغرب حملات تحريرية فتحت عقول المغاربة وانارتها ورفعت عن الجزائريين ربقة الاستعباد الروماني اللاتينى التى اشندت وطاتها على الاجسام والارواح فى الجزائر قرونا .
فكانت حملات العرب في افريقيا حملات تحريرية اشعارية بان لا غالب الا الله وان لا حكم الا لله وان لا بقاء الا لله .
فعادت الثقة الى نفوس المغاربة وغذت التعاليم الاسلامية الجديدة نفوسهم واضطرمت ارواحهم على الطغاة والجلادين الرومان فرموا بدين الغاصبين واعتنقوا الاسلام وكونوا اكبر قوة فى العالم انذاك فاتت فى القرن الثامن المسيحى نسيجة وحدها حيث تمكن القائد البربرى ( طارق بن زياد ) من فتح اسبانيا وحيث استطاع المعز لدين الله العودة الى المشرق العربي وتخطيط القاهرة المعزية .
فالاسلام والعربية هما العاملان الاساسيان اللذان بعثا المغرب واخر جاه من ظلمات الاستعمار اللاتينى وساعداه على تكوين وحدته اللغوية والدنية والسياسية فالاسلام والعربية هما اللذان اشعرا سكان جزيرة المغرب بان لهم شخصية جبارة وان لهم دورا يلعبونه . . فالاسلام والعربية هما اللذان بوتقا وبلورا الشخصية المغربية ولم تكن هذه الشخصية المغربية لتتبلور او تتبوتق خلال الاحتلال اللاتينى فى الجزائر . . تلكم الشخصية المغربية العظيمة التى استطاعت اليوم ان تقف صامدة عظيمة قوية امام جيوش الاحتلال الفرنسى واستطاعت ان تتغلب على اجنى وابشع استعمار عرفه التاريخ الاستعمار الفرنسى .
ان شخصية الجزائر المغربية تبقى ابدا عربية اسلامية والجزائر تشعر بعد تمام الشعور بانها فى مرحلتها الثورية التاريخية هذه سوف تلعب نفس الدور الذى لعبته اثر الفتح العربي الاسلامي لافريقيا اى تحرير كل القارة الافريقية بارجاع الثقة في نفوس الافريقيين واشعارهم ان الجهاد هو خير سبيل لهم للتخلص من سموم النفوذ الفرنسى .
فالجزائر اليوم على غرار جزائر طارق بن زياد وعلى جزائر المعز لدين الله الفاطمى تشعر بانه سيكون لها دور هام جديد فى انهاء تحرير الدول العربيه الاسلامية كلها من السيطرة الاجنبية .
ان من لا يقدر الموقف اليوم بالجزائر حق قدره ومن لا يعتبر لماذا سقط المليون الجزائرى من غرة نوفمبر ١٩٥٤ الى يومنا هذا ضحية الاستعمار الفرنسي . . ومن لا يعلم ان الجهاد الجزائرى يتواصل من اجل حياة حرة كريمة ، من اجل حياة عربية مسلمة انما يعيش على هامش الحياة او قل انه من الاموات الذين خسروا الدنيا والاخرة ذلك الخسران المبين.
ايها الاخوة العرب . . معركة الجزائر معركتكم . . خوضوها مع الجزائريين وابذلوا اموالكم ودماءكم فى سبيل ابقاء كيانكم فى الجزائر . . ثوروا ايها الاخوان على ما تقوم به فرنسا فى الجزائر من حرب ابادية وانشاء مناطق الموت فى كافة اطراف القطر الجزائرى .
ايها الاخوة العرب ، ان الجزائر تقوم مكانكم باعظم ثورة ديمقراطية عرفها التاريخ ان الجزائر تئد بمئات الالاف من ابنائها فى سبيل اعلاء كلمتكم ... ان الجزائر تبنى اليوم فى صميم المعركة دولة دعائمها الجد والبطولة . . ان الجزائر تبرز لكم اليوم من جديد جزء من الامة العربية كاد الاستعمار يقتلعه اقتلاعا من ابنائه ومنكم .
ان الجزائر تحمل لكم شعلة الحرية وشعلة النهضة العربية الصحيحة السليمة . انها تحمل شعلة الحياة والحرية للشعوب التى لا تزال فى افريقيا وآسيا ترزح تحت نير الاستعمار الغربى .
فابناء الجزائر اليوم بكفاحهم البطولى واستبسالهم امام العدو الفرنسي بتضحياتهم الجبارة اصبحوا يحرزون على جميع شروط النهضة وعلى كل مقوماتها ففرضوا وجودهم وكيان وطنهم الجزائرى على العالم طرا
وسيكون احرار الجزائر فى الرعيل الاول من بناة العهد العربي الجديد وبناة المجد العربى وبناة دار الاسلام على اسس العلم والحق وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون .

