يشرفني ان افتتح باسم المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة اعمال المجلس العلمي للمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات (بيت الحكمة) في دورته الأولى.
واني لسعيد بأن اتحدث امام هذا الجمع من جلة العلماء وصفوة الأدباء ونخبة المحققين واهل الفن وكافة الضيوف وان اتقدم اليهم جميعا باخلص التحية ، وارحب بالسادة اعضاء المجلس العلمي الذين قدروا المعاني الكامنة في بعث هذه المؤسسة الوطنية ، فلم تقعد بهم اعمالهم عن الاستجابة الكريمة ليكونوا من اعضائها الدائمين واسرة عملها ورواد خططها بما ستقدمه تجاربهم الثرية في مجالات الانتاج والابداع . ان انتماء هذه النخبة من العلماء والباحثين والأدباء والفنانين المنتسبين الى اقاليم شتى من عالمنا المعاصر من اصدقائنا واشقائنا ورجال الثقافة ببلادنا ، من ذوي الخبرة المتميزة ذات العطاء الانساني الثر ، ومنهم من أهلتهم قدراتهم العلمية الى منازل التقدير العالمي التي توجتها جوائز عالمية ان انتماء هؤلاء لهذه المؤسسة (بيت الحكمة) لأحسن ضمان لسلامة مسيرتها ونجاح اعمالها وتحقيق اهدافها.
ان الفعاليات التى تتلمسها الدولة من ارساء هذه المؤسسة والتى اعتبرتها في مبدأ تكوينها ، نابعة من تقدير مسؤوليتها العليا فى خلق المناخ الحضاري الذي يرعى الافكار البناءة ويساعد على لقاحها وتوالدها - فى
مضمون شمولي- يسمح للثقافة بان تجنح الى مبدإ التواصل بين الشعوب على اساس الاخذ والعطاء ويضفي عليها روح العالمية بفضل تفتحها واحتكاكها بسامي القيم وان الصيغة التي أخرجت عليها المؤسسة لهي صيغة جديدة في بعض المناحي ، اذ حاولت ان تستفيد من محتوى التطور التاريخي لمضمون الاكاديمية واساليب عملها وفي حقيقة الأمر فان الاكاديمية في الدول ذات التقاليد العلمية المتواصلة يمكن ان تظل ثابتة الطريقة ، محافظة على الاسلوب الذي شبت عليه وعلى التزامها بحدودها المرسومة ، لانها محاطة بمجموعة من المؤسسات ومراكز البحث ودور النشر تقف الى جانبها بنفس الكفاءة لاستكمال الحلقات التي يمكن ان تجعل من الثقافة والمعرفة الانسانية كلا مشاعا بين الناس.
ونحن ان فاتنا في عصور التوقف والتبعية أن نركز مثل هذه المؤسسات ونصلها بجهدنا ، فان فكرة المؤسسة هي ان تكون المنطلق والوسيلة لتحث خطى العمل المنتظم في مستوى موازين العصر وتستدرك ما فاتنا في ظروف التقلص والانطواء وتعبر عن الحركة والجدوى والامتداد في سبيل خدمة الثقافة وقيم الانسان.
وقد اتخذت المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات اسم بيت الحكمة مضمونا وشعارا لها استيحاء منها لرمز تاريخي وحضاري في احدى حركات تراثنا البارزة ، ايام الخلافة العباسية ، اذ كانت بيت الحكمة آنذاك مجمعا علميا ومرصدا فلكيا ومكتبة عامة استقطبت صفوة العلماء ونخبة من كبار المترجمين عكفوا على نقل امهات الكتب من السريانية واليونانية والفارسية والهندية والقبطية والعبرانية واللاتينية منهم : يوحنا بن البطريق والحجاج بن مطر وابن لوقا البعلبكى وعبد المسيح ابن ناعمة الحمصي وثابت ابن قمرة الصابي وحنين بن إسحاق الذي ترجم وحده الى اللغة السريانية مائة رسالة من رسائل جالينوس ومدرسته العلمية ونقل الى اللغة العربية تسعا وثلاثين رسالة والعديد من الكتب الفلسفية من اعمال افلاطون وأرسطو وبطليموس وغيرهم.
ولم ينقض القرن الثالث الهجرى ، / التاسع الميلادي / ، حتى كانت اكثر الكتب اليونانية في العلوم والرياضيات والفلك والطب والفلسفة قد نقلت الى اللغة العربية.
وانه لمن أجل الاحداث واعظمها شانا في تاريخ الانسانية انتقال العلوم والفلسفة انتقالا مستمرا من الشرق القديم الى اليونان وبلاد الروم ثم الى دار الاسلام شرقا وغربا بما في ذلك افريقية وصقلية والاندلس ومنها الى عامة اروبا.
ان الحضارة العربية الاسلامية لمدينة لبيت الحكمة بما يسميه ابن خلدون باليقظة الكبرى.
ولقد كان من اثر ذلك ان يجد نظام ( بيت الحكمة) تحقيقا له في مدينة رقادة ايام امارة الاغالبة فيما يذكر بعض المؤرخين ، وفي هذا ايماء للأصول الحضارية التي ألمعنا اليها والتي تقدم السند الثقافي بافريقيا منذ عهد القيروان المبكر ، وهو السند الموصول الذي يعلل ابن خلدون بامتداده تواصل العمران البشري . ان ذاك السند هو الذي مكن الاسهام تونس في الثقافة العربية الاسلامية من أن تشع اولا في القيروان وسائر مدن افريقية ثم خارج حدودنا في الآفاق المغربية والاندلسية . وان السند العلمي المتواصل في المدرسة القيروانية هو الذي امتد الى جنوب ايطاليا في دير منتي كاسينو (Monte Cassino) الذي انشأه الملوك النرمنديون وسيره لاول مرة القسيس المسيحي قسطنطين الأفريقي في القرن الحادي عشر للميلاد وامتد ذلك السند العلمي الافريقي الى جامعات نابولي وَبُولُونِينَا وَبَنَادُوفَا وكان من أقوى الأسباب لانطلاق النهضة العلمية في ممالك اروبا مرورا بايطاليا والاندلس.
وهذا السند الثقافي نفسه هو الذي عمل على ابراز المدرسة الطبية القيروانية التى اوجدت حركة تأليف وتجارب جادة ، فبرز العدد الجم من الرجال الذين مللأوا الدنيا بانتاجهم كالطبيب الصيدلانى احمد ابن الجزار
المتوفى حوالي 369هـ / 980م ، وهو الذي غمرت شهرته بقية اسرته المتضلعة في علم الطب والصيدلة الغالبين عليه ، بين العلوم العقلية والنقلية ، فكان تأثيره عميقا في الثقافة كما كان نافذ الاشعاع في اروبا عن طريق الترجمات اللاتينية واليونانية والعبرية الى اواخر القرن السادس عشر ، ولم يزل اهل الاختصاص في الطب والصيدلة يستظرفون الى يومنا هذا كتابات ابن الجزار ويجدون فيها رؤى عصرية في طب الاطفال وطب هذا المشائخ وطب الفقراء ومنافع الاغذية.
وان تونس ، وفاء منها لذكراه ، تحتفل بألفية ابن الجزار وذلك باشارة من الرئيس الحبيب بورقيبة وتحت سامي اشرافه وقد كان لي شرف الاعلان على انطلاق برامج احتفالاتها يوم 24 أكتوبر 1983 بكلية الطب بسوسة.
واني لأعبر عن ارتياحي وتشجيعي المبادرة وزارة الشؤون الثقافية الى جلب صور من مخطوطات ابن الجزار الكثيرة النفيسة والمنتشرة في مكتبات العالم شرقا وغربا ، وان ذلك ليقوم دليلا على الاهمية التي تكتسيها هذه المخطوطات وعلى حرص الناس من مختلف الاجناس والبلدان على اقتنائها وحفظها.
كما انى ابارك الشروع في تحقيق كتابه الشهير (زاد المسافر) بعناية الباحثين التونسيين المنتمين الى كليات الطب والصيدلة والاداب باشراف المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات.
وانما الذي جرني الى الحديث عن شخصية ابن الجزار هو انتماؤها في مألوف اصطلاح ابن خلدون - الى ( سند ثقافي صحيح » تدعم بامتزاج الثقافات أخذا وعطاء ، عن طريق الترجمات ومنتوج صفوة علماء وادباء القيروان وسائر عواصم افريقية زمن دولة الاغالبة وخلافة الفاطميين والامراء الصنهاجيين وغيرهم وتواصل بهم السند الثقافي بافريقية وسائر بلاد المغرب وتجاوز الى ربوع قلورية (Calabre) وقوصرة (Pantellaria)
وصقلية وسردينيا ومالطة وبلاد الأندلس ولم تتراجع هذه البنية الحضارية الا بانكماش العرب وعزوفهم عن الاصغاء لما يجد ويبتكر في الساحات الثقافية العالمية ، خصوصا في الاقطار التي تحولت اليها علومهم وفنونهم وبالاخص أوربا فبنى عليها الغرب المسيحي بتطعيمها وتطويرها النهضة العلمية ثم الثورة الصناعية من بعد . فلم تعد الكفاءات العلمية والفنية المبدعة تظهر بافريقية وسائر انحاء العالم العربي والعالم الاسلامي في عصور التدني الحضاري بها الا صدفة ، وتظل تلك الكفاءات مغبونة مجهولة مقبورة في مواطنها الاصلية بل ينظر اليها نظرة استنكاف من بدع محظورة فلا يستفيد منها العالم العربي الاسلامي حيث نبتت وابدعت وانما تستاثر بها الثقافات الناهضة آنذاك باروبا عن طريق الترجمات كما حدث بالنسبة الى ابن خلدون علامتنا المبتكر لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع الذي سماه عمرانا بشريا وهو علم يبحث في شؤون البشر من حيث الملك (أي الدولة) والكسب (اي الاقتصاد) والصنائع والعلوم وكان ابن خلدون قد عرف في الترجمات اللاتينية باسم (سيلادون) كما أفادنا بذلك مثلا ( بيار تيي )(Pierre Tillet) في دراسة له نقلها الى العربية المرحوم محمد فريد غازي في مجلة الفكر بعدد مارس 1961 ، فكان تواصل السند الثقافي الصحيح العربي الاسلامي الذي علل ابن خلدون بانقطاعه تراجع عز حضارتنا في عصور الانحطاط موكولا الى الثقافات الناهضة شرقا وغربا وخصوصا باروبا التي ادركت جدوى الفكر الخلدوني فافادت منه كثيرا واعادته الينا اولا عن طريق الجادين من علماء الاستشراق قبل ان يكتشفه الباحثون من علمائنا . وهذا المثال المستمد من تاريخ التزاوج الثقافي العربي الاسلامي والعالمي من شانه ان يعمق مقاصدنا في انشاء ( بيت الحكمة) مجدداً في عهد الاستقلال الزاهر.
ان اندفاع حركة الترجمة في تراثنا القديم ، حول المعارف والثقافة الراقية وقتها الى لغتنا ، أرسى قاعدة للعمل الرصين ، وكان من آثار ذلك اثراء المصطلح والاتصال باحدث ما انتهى اليه الفكر الانساني من آفاق إذ ذاك، وقد ساعد ذلك على وضع الانسان العربي في مستوى المعاصرة الحقيقية ، مثلما بثقافة جيله.
الا ان الترجمة وقتها كانت عملا يتم من جانب واحد : فلقد أخذنا ما يُغذينا ويُشْرِينا ويُسْرِدُ عَلَيْنَا عندما أحسسنا بضرورة التفتح على الغير والاخذ عنه ، واخذ الغرب عنا عندما ألمت به الحاجة نفسها ، فالسعي الى نقل العلوم وفنون الثقافة لم يكن هدفا مقصودا في الماضي ، بل هو سمة نبيلة يتفوق بها عصرنا . لذلك عندما نفكر في الترجمة وفتح النوافذ من خلالها على غيرنا نجهد الجهد الأوفق بان ننقل اليهم ثقافتنا وفنوننا طلبا للتعارف والتقارب والتفاعل ، واملا في ان تتصافح الاجيال المتعاصرة تحت مظلة الثقافة في خدمة حضارة الانسان.
وان التحقيق لهو من الايمان بوحدة الثقافة الحضارية ، فكما ان روائع الابداع العالمي هي روائعنا ، فان في حضارتنا كنوزا لم يرها الناس ولم تخرج الى الثقافات المعاصرة لتقدم صورة التجربة الناظمة العميقة ، وبذلك فان هذا التراث يمكن ان يسهم في اثراء الثقافة والحوار بقدر ما يكمن فيه من طاقات واشعاع ، فالمحققون هم رواد الاكتشاف والتوثيق ، ومهمتهم جلية جليلة.
لقد تحدثت بشيء من الاطناب عن ( بيت الحكمة) وتواصل السند الثقافي العربي الاسلامي الصحيح بافريقية - وهو اخص خصائص الشخصية التونسية -اذ ان الحضارة الاسلامية هي صنو لغتنا وهي في اصل سلوكنا ونظرتنا الى الوجود والروح الطابعة لأنماط عيشنا والينبوع الدافق فينا ، فذاك لا يعني ابدا نكرانا لامجاد افريقية قبل الاسلام كالعالم الفلاحي ماغون (Magon) ورائد القصة أبوليوس (Apulée) وفقيه المسيحية القديس اغستنوس (St Augustin)
الا ترى ان سندنا الثقافي - على تنوع مصادره - ظل صورة لهويتنا عبر العصور وتعاقب الدول والحضارات وحتى توالي الغزاة الطامعين فينا ولم تكن العناصر المكونة لسندنا الثقافي نسخا طبق الاصل للمؤثرات الثقافية الواردة علينا من خارج حدودنا بل ظل سندنا الثقافي متميزا هاضما لجميع المؤثرات مضيفا اليها الجديد ، موسوما بسمات
شخصيتنا ، فلا اللوحات ، واصالة ايحاءاتها الافريقية التونسية ، هي نفس الانماط الفسيفسائية المحفوظة في متاحف شبه الجزيرة الايطالية ، ولا فن العمارة الإسلامية عندنا بطرازه الفذ ، هو عين معمار المدن المشرقية وان كان بين آثارها و آثارنا تشابه وتناغم في روائع النقائش وبدائع الزخارف و لطائف الاشكال .
وان تونس بطبيعة تفتحها شرقا وشمالا على ضفاف البحيرة السخية لحوض البحر الابيض المتوسط - مهد الحضارات - وغربا وجنوبا على شقيقاتها وصديقاتها في المغرب والمشرق والقارة السمراء ، ثم بحرصها القوي على ان تتحمل بكل دقة واخلاص قدرها المتمثل في كونها مصهر الحضارات وارض اللقاء والاخاء قد لعبت دورا هاما ايجابيا يتجاوز حدودها عبر العصور.
ومازالت - على صغر حجمها الجغرافي - فى ذاك الدرب مواصلة مسيرتها الانسانية مضطلعة بدورها الحركى ، مساهمة فى انماء التراث البشرى الذي ما كان قط وقفا على احد بل هو كسب متجدد لحضارة الانسان.
واذا ظلت تونس مخلصة لنداء الانسان الجبلي فيها - وانها لارض اللقاء والمحبة-فلا عجب ان يجهر احد شعرائها اللاتينيين في القرن الثاني قبل مجيء المسيح - وهو ( تيرانس القرطاجي ) ( Térence de Carthage) الذي اصبحت مسرحياته الهزلية امثلة محاكة من قبل الكلاسيكيين الفرنسيين خصوصا «موليار - بقولته الشهيرة : ( انا انسان ، وكل ما يخص الانسان ليس غريبا عني ) ، فيعانق تيرانس القرطاجي ( نسبة الى قرطاج) بنفثاته الانسانية مع الفارق الزمني الشاسع والتباين العقائدي والتكويني الكلي - قول الشاعر الناقد الاندلسي التونسي ابي الحسن حازم القرطاجني (نسبة الى قرطاجنة المرسى الاندلسي) ، المتوفى عام 684هـ / 1285م ، من كتابه (منهاج البلغاء وسراج الادباء ):((وجب ان تكون اعرق المعاني في الصناعة الشعرية ما اشتدت علقته باغراض الانسان)) وان هذه النظرة ذات الشمول الانساني التي تشد حازم القرطاجني الى تيرانس القرطاجي لتمر بقطاع )
آخر من مقاطع المعرفة في هذا الوطن هي المعرفة الطبية التي كان ابن الجزار احد روادها النافذين يردد : ( إن اكثر الناس فضلا واظهرهم للخير فعلا من صرف رأيه وهمه ولطيف عنايته وفكره الى الاجتهاد في مصلحة كل من كان) وان ( لا دليل على سعة علم من يدعي صناعة الطب الشريفة اكثر من اظهاره وشرح غوامضه وبذله لعامة الناس فضلا عن الخاصة ) وكل هذه المعاني الانسانية لتتناغم منذ قرون عدة خلت مع تعريفي بالثقافة القومية في كتابي مواقف) بانها ( مع احتفاظها بالجوهر واستيحائها المصادر القومية لا تبقى على الدهر ولا يثبت لها اصل الا اذا جرت الى غاية المروءة الانسانية).
وإنا لنستمد انسانية تفكيرنا وعملنا من الفكر البورقيبي الذي غير وجه هذا الوطن بالبناء والتشييد ونحت المجتمع الناهض الجديد معتبرا الانسان التونسي غاية كل عمل تنموي بعد ان حرره من ربقة الاستعمار وحقق له الكرامة .
ورغم المصاعب الجمة التي كانت البلاد تواجهها غداة الاستقلال وقلة الامكانات فان الدولة الفتية قد وجهت عناية بالغة للثقافة ولعل تونس هي من أولى البلدان العربية واقطار العالم الثالث بل ربما هي السابقة في ذاك المحيط الجغرافي الى انشاء وزارة خاصة بالشؤون الثقافية ، ووضع خطة لتنمية ثقافية متكاملة مع مخططات التنمية الشاملة فانشأنا لهذا الغرض اجهزة لحماية التراث ونشر الكتاب وتوزيعه وانتاج الفيلم وترويجه ، وركزنا هياكل مساعدة على تفجير الطاقات المبدعة ، ومؤسسات لتكوين الاطارات الثقافية وشبكات للتنشيط الثقافي من دور للشعب والثقافة ومن مكتبات عمومية بمختلف اصنافها ومراكز للفن الحديث ، ومتاحف تزخر بالكنوز ، واستصدرنا القوانين لحماية المبدعين وتشجيعهم على الخلق والانتاج.
وبعد ثلاث سنوات اخذنا منعرجا جديدا متمثلا فى ادراج الثقافة فى الدورة الاقتصادية للبلاد باعتبارها قطاعا منتجا على المستوى المعنوى والمادي لا باعتبار الثقافة مظهرا من مظاهر التنمية ونتيجة من نتائجها فحسب
وانما باعتبارها عاملا لبناء التنمية على أسس اقتصادية وحضارية متينة حرية بتحقيق توازن المجتمع التونسي وحمايته من ضروب القلق والتشاؤم والهزات وبتوفير مجالات كريمة لعمل الناس.
واذ صفت رؤيتنا وصح عندنا العزم على اعطاء الثقافة دفعا جديدا فان الحكومة التونسية قد وفرت ومازالت توفر المزيد من الاعتمادات لتطوير ميزانية وزارة الشؤون الثقافية من جهة كما اهتدت من جهة اخرى الى مسالك غير مطروقة من قبل لتمويل برامج التنمية الثقافية وتشجيع الانتاج.
وها هي تقدم الآن على انشاء صندوق يتدخل في التمويل المباشر للابداع الثقافي والانتاج بدءا من السنة القادمة . وهذا مصدر تمويل جديد ينضاف الى امكانات ميزانية وزارة الشؤون الثقافية المتطورة بصفة ملحوظة منذ ثلاث سنوات . وان الصندوق المذكور سيجسم نوعا آخر من تصورنا لمسالك غير مالوفة فى تمويل العمل الثقافي وتحقيق الرؤية الطلائعية.
ليس المقام بسامح لي ان أتبسط في الحديث عن كل الانجازات الهامة التي حققناها في الميدان الثقافي منذ الاستقلال وخصوصا ما ظهر للوجود في السنوات الأخيرة واردنا به اعطاء دفع جديد للثقافة واحلالها منزلتها الحقيقية في التنمية الشاملة للبلاد كتطوير معاهد تكوين الاطارات ، وإحداث معاهد اخرى عالية ، وبعث مراكز دراسات الحضارة التي تعاقبت على هذا الوطن ، ومركز التوثيق والدراسات للتنمية الثقافية الذي دخل الآن طور الإعلامية.
وجاء قانون الدولة التونسية عدد 90 لسنة 1982 الباعث للمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ليضيف كسبا جديدا لهياكلنا التنموية الثقافية أملته حاجتنا الى مؤسسة مجمعية علمية بموجب المسؤولية الحضارية.
اجل ! ان المسؤولية الحضارية الرائدة لوطننا عبر مراحله التاريخية مسجلة محفوظة بما لا يحصى من الوثائق الخطية والاثرية.
وان ما قطعته تونس من خطوات في مجال التنمية التربوية والثقافية قد ابرز بالاضافة الى تعليلاتنا السابقة حاجتنا الى مؤسسة ثقافية مجمعية علمية ومخبرية تجريبية وعملية تنشر ما تنتجه فروعها واقسامها وتكون ملتقى للشرق والغرب مؤهلة لاستقطاب دارسين ومبدعين تونسيين وغير تونسيين مستعدة لخدمة الثقافة بشتى انواعها وباساليب وطرق لا تتسع لها مؤسساتنا الأخرى ، مصغية الى ما يجد في الساحات الثقافية العالمية من خلق وابداع.
واننا لنريدها مؤسسة تعمل على دعم الحوار الجاد الدائر باستمرار بين الثقافات والحضارات ، وتربط أواصر التعاون مع المؤسسات العالمية التي ان لم تكن بالضبط نظيراتها فقد تتحد معها في بعض الاهداف ، وذلك لاستكشاف اهم المستحدثات الثقافية والانتفاع بالتجارب الميدانية الطريفة والتفاعل معها تأثرًا وتأثيراً أخذا وعطاء ، حفزًا للهمم الصادقة على الابتكار والابداع الفكرى والفنى.
وما يسهل مهمة المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ويكسبها مرونة في التصرف انها تستمد أصول قانونها الاساسي من تشريعات المؤسسات الاقتصادية وتنفرد عنها بطابعها الثقافي العلمي الاكاديمي ، وهذا نمط جديد طريف في مؤسساتنا وتشريعاتنا.
ولا شك انها بهيكلتها المُشتملة على اقسام علمية ومختبر للتجديد والابداع ستكون مصدر انتاج متنوع مكتوب ، ومسجل مسموع ، ومرئي يجمع بين الترجمات الأدبية والعلمية من العربية واليها ، والبحوث والدراسات ووضع المصطلحات وتحقيق النصوص واستغلال المستحدثات التقنية والآلات العصرية لإجراء التجارب المخبرية الطريفة في الميادين اللغوية والفنية كاختبار عقاقير جديدة لمعالجة المخطوطات واجراء التجارب لتطوير الطباعة العربية الخ .. تجاوزاً واستكمالا للاستكشاف والتقصي النظريين. واننا لنعتقد ، بفضل ما ننتظره من انتاج خصب ، ان مؤسستكم ستكون حريصة كل الحرص على الإكثار من قنوات الاتصال واقامة
العديد من الجسور بين الثقافات لتنقل إليها تراثنا وفكرنا وتحمل لنا منها أروع ما أبدعته فتكون بذلك خادمة فى الآن نفسه حضارتنا وحضارة الآخرين بما يحقق حضارة الانسان.
وان وجود هذه الصفوة من العلماء الذين ينتمون الى عدد كبير من البلدان - التي تربطنا بهم اكثر من صلة سواء في القديم او في الحديث مع نخبة من العلماء التونسيين من شانه ان يعمل على استمرار هذا السند الثقافي الضارب في القدم بهذه الربوع وان يحقق ما نطمح اليه من وجود حلقات دائمة من العلماء في هذا البيت يتم فيها الحوار الحقيقي بين الثقافات المجسم في الاعمال الملموسة التي ستتولى المؤسسة نشرها وترويجها .
فاليهم اتوجه بالتحية البليغة واشكرهم على ما أولوا مؤسستنا من عناية فائقة ومن ثقة بهذا المشروع الثقافي الذي يسهمون فى بعثة ونموه وتطويره عسى ان نحقق به الآمال ونبلغ عن طريقه شانا فى مجال التعاون.
لقد تعلقت همتنا باهداف انسانية نبيلة في هذه المؤسسة التي اخترنا لها ( بيت الحكمة) اسما مختصرا بليغا اضفنا اليه صورة الاسطرلاب في شعارها رمزا للمعرفة والتوجه الصحيح والتفتح على العالم . وانا لنأمل ان تكون هذه المؤسسة بحق تواصلا مجددا لبيت الحكمة الذي نبعت منه اليقظة العربية الاسلامية الكبرى وازدهرت بواسطته العلوم والفنون ، وكان ملاذا وموثلا للعلماء الوافدين اليه من اقطار الارض.
ان مستقبل حضارة الانسان لا يعترف بصراع الثقافات وغلبتها وتفوقها ، فقد كان ذلك تقليدا من اساليب الماضي مستمدا من تقاليد التحدي المستمر ، وانما يتجه بثبات الى تصور مثالية ثقافية مشتركة ، تصل ما بين الثقافات المتقابلة ، وتدخلها في حوار متفتح حميم يقربها من التلاقي والتمازج ، وفي ذلك قرب من غاية الانسان التي جاهد في سبيلها عبر حضارات التاريخ.

