الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

، مطالعات، ديوان "المدار المغلق" ، ،

Share

اذا تأملنا من الشعر شكلا لا مضمونا ، اى بوصفه نغما وحركة ، نجد انه من الصعب " تنويم " القارىء ، اى الاستيلاء على مشاعره واخذه الى آفاق الاحلام البعيدة ، فى حين انه ليس ايسر من جلب النوم اليه ولئن اخفق الشعر العمودى الموحد القافية الخاضع تماما لأوزان الخليل كما هى ، فى العملية الاولى ، فانه قد نجح بلا ريب فى القيام بالعملية الثانية بفضل ما امتاز به من رتابة وتكلف قافية ، ولبئس الامتياز!

ولكن مراحل تطور الشعر العربى قد شهدت محاولات جدية قصد تلافى هذه العيوب ، وأهم تلك المحاولات الانغام الجديدة التى عزفها الموشح الاندلسى ، والاوزان التى عالجها شعراء المهجر ثم التجديدات الجريئة التى فرضها الشعر الحر الذى حافظ على التفعيلة لضمان نغم اساسي ولكنه يتصرف فى عددها ، بحيث يطول ويقصر المد والجزر فى اببات القصيد حسب مشيئة الشاعر . وبهذه الطريقة يتفادى الشاعر الحشو اذ يقف البيت حيث انتهى المعنى ، ويتجنب الرتابة الناتجة عن تعود القارىء باطوال معينة . وحركات مكررة

ولكن قبل ظهور الشعر الحر هذا ، برزت فى دنيا الشعر محاولات مبعثرة غير ملحة ، ولكنها اكثر تحررا وانطلاقا من الشعر الحر ، سميت بالشعر المنثور ، وهذا اللون معرض تمام الاعراض عن كل وزن وقافية الا ما جاءت به الصدفة ، ولا يعتمد نغمه الاصلى موسيقى الكلمة وروعة الصورة ، وانى وان كنت مبدئيا من أنصار التفعيلة والقافية ، لا أبخل باعجابي على اى قصيد منثور يتوفر فيه الخيال الشعرى والكلم الموسيقى ، وقد وجدت هذين الميزتين فى ديوان " المدار المغلق " الذي وصلتنا منه نسخة هدية الى المجلة من صاحبه الشاعر جبرا ابراهيم جبرا .

ان الشعر المنثور يسمح للشاعر برسم جميع خواطره دونما تحيل لافراغها في القوالب الشعرية التقليدية التى تضعف المعنى او تشوهه احيانا . وقد عرف جبرا ابراهيم جبرا كيف يستغل هذه الحرية فركب خياله فرسا مرسلة اللجام ، وقد ساقه حدسه الشعرى الى اختيار الكلمة التى تعبر وتنسجم اكثر من سواها عن الرؤى التى تلألأ فى مشاهده الظاهرة والباطنة

يستهل ابراهيم جبرا ديوانه بقصيد - البوق - وفيه يشهر بالنفاق ، والمبالغات المصطنعة والفرقعات الفارغة ، مفضلا صوت الانسان الطبيعى متمسكا بقيم الانسان التى لا تباع ولا تشترى :

لو كنت حملت بوقا على فمى

وبه كهربت صيحتي

لكانت منى حتى النحنحة

خدينة الزئر من الاسد

ولكنني ، كأهل جبالنا .

ما زلت اوثر صيحة

من على الصخرة العليا ،

صيحة الحنجرة ،

على آلة تباع وتشترى

البوق هو النفاق

ينصاع لكل خديعة

البوق هو الاشهار الكاذب لقيم مزيفة ، انه الآلة الرخيصة التى يخضعها الادعياء لتافه اغراضهم لايهام الآخرين بامكانيات عديمة . ومن النفاق ينتقل بنا الشاعر الى الغرور فى قصيد - نرجس والمرايا - وتنعكس فيه خواطر امرأة فاتنة ذات دلال ملأت بيتها مرايا تمشى فتجر القلوب خلف قدميها ولكن المرآة ليست سوى الغدير الذى أغرق " نرجس " . والقصيد تتزاحم في أبرع اللوحات وأكثرها جدة وطرافة ، وهذه أبيات منه تعطينا فكرة عن فنه ومعانيه :

خطى الليل فى رأسى عنيده

تدق المطارق ،

والمرايا تسمع الدق ، تراه

فى عينى الكحلاء ، فى

فمى العريض ، تقول لى :

" فى سرير عينيك يركض الليل دوائر

وعلى التيه من شفتيك ليل

من غرف النوم المقفلات

والفحفحات الهوج الحوارق "

هذه الدقات المسموعة المرئية التى تنبعث من عينين وشفتين ، من رأس بخطو الليل فى ثناياه تجد فى المرآة رجع صداهن العميق وباطن رؤياها العريضة فتتملى الغادة من سحرها وبهاها ويزداد دلالها :

صففت شعرى فوق عينى وقلت

انا الحسناء ، ربة الغوانى ،

رقاب الرجال التوت فى اثر كعبى

وما شفقت على أحد

شفاه الليل فحت حول نهدى ،

ولفلفتنى فى فراشى من فرعى حتى القدم

وقالت المرايا ) ملأت بيتي مرايا ( :

" غديرك الغدار نحن ، فاحذرى "

ابراهيم جبرا شاعر انسان ، يتجه الى الانسان ، الى ما يخامره من مخاوف وهواجس ازالية ، ولذلك نجد انفسنا فى مراياه ، فلنسلم قيادنا اليه ولنتبعه إلى " دهاليزه "

أنا الطليق ، طليق

بين جدران ثلاثة

رابعها الدهليز يمتد

امتداد الازل

هذا الدهليز وما اخاله سوى عمر الانسان متاهة لا يبغى الشاعر منها فرارا مهما امتد بها الموت وواكب الحياة ، انها هجرة لارض النوى والغياهب ولكن الشاعر وجد فى الخلق الفنى منفذا وخلاصا . أفليس الادب وسيلة يثأر بها الانسان من حظه ومن الاقدار ؟ :

. . وجدت فى الكلمات الطليقة منفذى

فى الكلمات وجدت الى الفضاء

أخيرا منفذي

امامي يمتد

امتداد الأزل

ولكن الشاعر فى قصيده - رسالة الى توفيق صايغ - ) وهذا الاخير من رواد الشعر المنثور البارزين ( يعيد فى مرارة سؤالا حائرا طالما ردده الشعراء والكتاب لم ولمن يكتب الاديب ؟ وفى هذا السؤال تكمن مأساة من عرفوا تفاهة الحياة وآمنوا بعبثها ففقد كل شىء قيمته . وفى القصيد ايضا تهكم وسخط على الادعياء والمزيفين أعداء الفن الحقيقي

. . ما عدت أريد ان أكتب - ولمن ؟

لمن بربك نكتب ؟ هل سألت نفسك

هذا السؤال حين امطتيت مهرتك البيضاء الفتية

أندخل عراة بين جمع تسربلو بالرقع ،

ام ندخل مرتدين الوشى والجوخ

بين جمع من عراة يربلون ؟

أبين الكسحاء ننطلق على الجياد الاصيلة ؟

ما لنا ولهم ؟ عشرين سنة ورمت قلبي

نقبت عيني ، جرحت حنجرتى ،

أجمع الأفكار والصور وأبثها مع هبات الرياح

تحمل العشق منى والقلق

ورفاقى يخزنون الدنانير لا يقلقهم

عشق لشيء أو أحد .

ويستمر الشاعر فى تصوير ما ابتلى به من عشق " كزكام أبدى " عشق النور والظلام والروح والجسد ، فى حين يعرض الناس عن هذه المتع الجمالية

بوجهى ووجهك يقفون رافعين

فوق العيون ايديهم لئلا تصيبها

رؤية منا تقض مرقدهم فى الزريبة

ويمضى ابراهيم جبرا فى وصف هؤلاء الحمق المتحذلقين

. . مقتعدى المقاهى ، متهجئى الجرائد

. . الفاغرين أفواه البلاهة فى القاعات والسينما

قراء فلان وفلان فى الفراش

: او يعتقد ابراهيم جبرا ان عصرا من العصور خلا من مثل هذه الطائفة المزيفة البلهاء التى تعرض عن العبقرية ولا تقدسها ؟ لقد كان " اوريبيد " يقول : " اني أكتب لرجل واحد هو سقراط " فليكف شاعرنا أنه يكتب لتوفيق صايغ وأمثاله الذين يتحدث عنهم فيقول

نحن الغرباء الآ بدون .

نحن الرافضون ، المخلفون للطين

سلاحف الطين ، النافذون

مصاريع الايام كالرصاص

غبار أرجلنا قصائد

ينتحر بها الآخرون

هذه لمحات خاطفة عن ديوان " المدار المغلق " تكفى لابراز مميزات الشاعر جبرا ابراهيم جبرا الذي يريد ان يصنع مدينة فاضلة تسكنها القيم الانسانية والفن وقد احتوى الديوان على عدد آخر من القصائد أهمها " يوميات من عام الوباء " وفيها مشاهد ورؤى عنيفة لفاجعة انسانية يمكن ان تكون واقعية او رمزية ، وقصيد آخر بعنوان " لعنة برمثيوس " حيث يتقمص شعب الجزائر الثائرة شخصية البطل الاسطورى الذى تمرد على الآلهة ولم تأت الصقور على كبده فانهزمت الآلهة وانتصر " برومثيوس " الذى لعنها .

اشترك في نشرتنا البريدية