اذا تأملنا من الشعر شكلا لا مضمونا ، اى بوصفه نغما وحركة ، نجد انه من الصعب " تنويم " القارىء ، اى الاستيلاء على مشاعره واخذه الى آفاق الاحلام البعيدة ، فى حين انه ليس ايسر من جلب النوم اليه ولئن اخفق الشعر العمودى الموحد القافية الخاضع تماما لأوزان الخليل كما هى ، فى العملية الاولى ، فانه قد نجح بلا ريب فى القيام بالعملية الثانية بفضل ما امتاز به من رتابة وتكلف قافية ، ولبئس الامتياز!
ولكن مراحل تطور الشعر العربى قد شهدت محاولات جدية قصد تلافى هذه العيوب ، وأهم تلك المحاولات الانغام الجديدة التى عزفها الموشح الاندلسى ، والاوزان التى عالجها شعراء المهجر ثم التجديدات الجريئة التى فرضها الشعر الحر الذى حافظ على التفعيلة لضمان نغم اساسي ولكنه يتصرف فى عددها ، بحيث يطول ويقصر المد والجزر فى اببات القصيد حسب مشيئة الشاعر . وبهذه الطريقة يتفادى الشاعر الحشو اذ يقف البيت حيث انتهى المعنى ، ويتجنب الرتابة الناتجة عن تعود القارىء باطوال معينة . وحركات مكررة
ولكن قبل ظهور الشعر الحر هذا ، برزت فى دنيا الشعر محاولات مبعثرة غير ملحة ، ولكنها اكثر تحررا وانطلاقا من الشعر الحر ، سميت بالشعر المنثور ، وهذا اللون معرض تمام الاعراض عن كل وزن وقافية الا ما جاءت به الصدفة ، ولا يعتمد نغمه الاصلى موسيقى الكلمة وروعة الصورة ، وانى وان كنت مبدئيا من أنصار التفعيلة والقافية ، لا أبخل باعجابي على اى قصيد منثور يتوفر فيه الخيال الشعرى والكلم الموسيقى ، وقد وجدت هذين الميزتين فى ديوان " المدار المغلق " الذي وصلتنا منه نسخة هدية الى المجلة من صاحبه الشاعر جبرا ابراهيم جبرا .
ان الشعر المنثور يسمح للشاعر برسم جميع خواطره دونما تحيل لافراغها في القوالب الشعرية التقليدية التى تضعف المعنى او تشوهه احيانا . وقد عرف جبرا ابراهيم جبرا كيف يستغل هذه الحرية فركب خياله فرسا مرسلة اللجام ، وقد ساقه حدسه الشعرى الى اختيار الكلمة التى تعبر وتنسجم اكثر من سواها عن الرؤى التى تلألأ فى مشاهده الظاهرة والباطنة
يستهل ابراهيم جبرا ديوانه بقصيد - البوق - وفيه يشهر بالنفاق ، والمبالغات المصطنعة والفرقعات الفارغة ، مفضلا صوت الانسان الطبيعى متمسكا بقيم الانسان التى لا تباع ولا تشترى :
لو كنت حملت بوقا على فمى
وبه كهربت صيحتي
لكانت منى حتى النحنحة
خدينة الزئر من الاسد
ولكنني ، كأهل جبالنا .
ما زلت اوثر صيحة
من على الصخرة العليا ،
صيحة الحنجرة ،
على آلة تباع وتشترى
البوق هو النفاق
ينصاع لكل خديعة
البوق هو الاشهار الكاذب لقيم مزيفة ، انه الآلة الرخيصة التى يخضعها الادعياء لتافه اغراضهم لايهام الآخرين بامكانيات عديمة . ومن النفاق ينتقل بنا الشاعر الى الغرور فى قصيد - نرجس والمرايا - وتنعكس فيه خواطر امرأة فاتنة ذات دلال ملأت بيتها مرايا تمشى فتجر القلوب خلف قدميها ولكن المرآة ليست سوى الغدير الذى أغرق " نرجس " . والقصيد تتزاحم في أبرع اللوحات وأكثرها جدة وطرافة ، وهذه أبيات منه تعطينا فكرة عن فنه ومعانيه :
خطى الليل فى رأسى عنيده
تدق المطارق ،
والمرايا تسمع الدق ، تراه
فى عينى الكحلاء ، فى
فمى العريض ، تقول لى :
" فى سرير عينيك يركض الليل دوائر
وعلى التيه من شفتيك ليل
من غرف النوم المقفلات
والفحفحات الهوج الحوارق "
هذه الدقات المسموعة المرئية التى تنبعث من عينين وشفتين ، من رأس بخطو الليل فى ثناياه تجد فى المرآة رجع صداهن العميق وباطن رؤياها العريضة فتتملى الغادة من سحرها وبهاها ويزداد دلالها :
صففت شعرى فوق عينى وقلت
انا الحسناء ، ربة الغوانى ،
رقاب الرجال التوت فى اثر كعبى
وما شفقت على أحد
شفاه الليل فحت حول نهدى ،
ولفلفتنى فى فراشى من فرعى حتى القدم
وقالت المرايا ) ملأت بيتي مرايا ( :
" غديرك الغدار نحن ، فاحذرى "
ابراهيم جبرا شاعر انسان ، يتجه الى الانسان ، الى ما يخامره من مخاوف وهواجس ازالية ، ولذلك نجد انفسنا فى مراياه ، فلنسلم قيادنا اليه ولنتبعه إلى " دهاليزه "
أنا الطليق ، طليق
بين جدران ثلاثة
رابعها الدهليز يمتد
امتداد الازل
هذا الدهليز وما اخاله سوى عمر الانسان متاهة لا يبغى الشاعر منها فرارا مهما امتد بها الموت وواكب الحياة ، انها هجرة لارض النوى والغياهب ولكن الشاعر وجد فى الخلق الفنى منفذا وخلاصا . أفليس الادب وسيلة يثأر بها الانسان من حظه ومن الاقدار ؟ :
. . وجدت فى الكلمات الطليقة منفذى
فى الكلمات وجدت الى الفضاء
أخيرا منفذي
امامي يمتد
امتداد الأزل
ولكن الشاعر فى قصيده - رسالة الى توفيق صايغ - ) وهذا الاخير من رواد الشعر المنثور البارزين ( يعيد فى مرارة سؤالا حائرا طالما ردده الشعراء والكتاب لم ولمن يكتب الاديب ؟ وفى هذا السؤال تكمن مأساة من عرفوا تفاهة الحياة وآمنوا بعبثها ففقد كل شىء قيمته . وفى القصيد ايضا تهكم وسخط على الادعياء والمزيفين أعداء الفن الحقيقي
. . ما عدت أريد ان أكتب - ولمن ؟
لمن بربك نكتب ؟ هل سألت نفسك
هذا السؤال حين امطتيت مهرتك البيضاء الفتية
أندخل عراة بين جمع تسربلو بالرقع ،
ام ندخل مرتدين الوشى والجوخ
بين جمع من عراة يربلون ؟
أبين الكسحاء ننطلق على الجياد الاصيلة ؟
ما لنا ولهم ؟ عشرين سنة ورمت قلبي
نقبت عيني ، جرحت حنجرتى ،
أجمع الأفكار والصور وأبثها مع هبات الرياح
تحمل العشق منى والقلق
ورفاقى يخزنون الدنانير لا يقلقهم
عشق لشيء أو أحد .
ويستمر الشاعر فى تصوير ما ابتلى به من عشق " كزكام أبدى " عشق النور والظلام والروح والجسد ، فى حين يعرض الناس عن هذه المتع الجمالية
بوجهى ووجهك يقفون رافعين
فوق العيون ايديهم لئلا تصيبها
رؤية منا تقض مرقدهم فى الزريبة
ويمضى ابراهيم جبرا فى وصف هؤلاء الحمق المتحذلقين
. . مقتعدى المقاهى ، متهجئى الجرائد
. . الفاغرين أفواه البلاهة فى القاعات والسينما
قراء فلان وفلان فى الفراش
: او يعتقد ابراهيم جبرا ان عصرا من العصور خلا من مثل هذه الطائفة المزيفة البلهاء التى تعرض عن العبقرية ولا تقدسها ؟ لقد كان " اوريبيد " يقول : " اني أكتب لرجل واحد هو سقراط " فليكف شاعرنا أنه يكتب لتوفيق صايغ وأمثاله الذين يتحدث عنهم فيقول
نحن الغرباء الآ بدون .
نحن الرافضون ، المخلفون للطين
سلاحف الطين ، النافذون
مصاريع الايام كالرصاص
غبار أرجلنا قصائد
ينتحر بها الآخرون
هذه لمحات خاطفة عن ديوان " المدار المغلق " تكفى لابراز مميزات الشاعر جبرا ابراهيم جبرا الذي يريد ان يصنع مدينة فاضلة تسكنها القيم الانسانية والفن وقد احتوى الديوان على عدد آخر من القصائد أهمها " يوميات من عام الوباء " وفيها مشاهد ورؤى عنيفة لفاجعة انسانية يمكن ان تكون واقعية او رمزية ، وقصيد آخر بعنوان " لعنة برمثيوس " حيث يتقمص شعب الجزائر الثائرة شخصية البطل الاسطورى الذى تمرد على الآلهة ولم تأت الصقور على كبده فانهزمت الآلهة وانتصر " برومثيوس " الذى لعنها .

