الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

، مطالعات، صوره ، قراءة الأشعار « كتابات على حائط الليل

Share

جاء العدد 27 من منشورات » الأخلاء » التي يديرها الشاعر الصادق شرف  يحمل مجموعة شعرية لعبد الله مالك القاسمى تحت عنوان : « كتابات على  حائط الليل » .

هذه المجموعة مقسمة الى قسمين ، قسم من الشعر الحر ، وقسم  إبداعي ، والقصائد الابداعية استهلها الشاعر بومضة شاعرية لمحمد أحمد القابسي « واحد قلبى وكثيرة أعراس الموت » .

هذه الومضة المدخلية اعتراف من القاسمي لمكتشف موهبته النثرية  الشعرية بعد تحوله من مرحلة الاغتراب عندما كان يكتب شعرا بالفرنسية  ، و محمد أحمد القابسي هو الذي احتضن هذه التجربة عندما كان محررا  بجريدة « بلادي » فعبد مالك القاسمي يكتب بماء الحريق ... شجرة يسرى  في عروقها نسخ التعب يلاقحها الوجع المر فيثقل فروعها بفاكهة العذاب  .... فما أروع لحظات الاثمار عند هذه الشجرة المعطاء ! وهي تقف في مهب  الرياح : « بعيدة عن حمى البيانات التي تكبل الابداع » .

وشاعرنا ينحت بازميله صوره الشعرية فتنساب رشيقة تغمرها شفافية  مرهقة كأنها مكتوبة في لحظة ما بين الحلم واليقظة ،، والقاسمي يلغى مدلول  الكلمات المتعارف عليها محاولا اخضاعها لتجربته الذاتية فتفرز على يديه  خصوصية شعرية متفردة في أكثر الحالات رغم تأثره ببعض الشعراء الرواد

13كما تفطن لذلك الاخ محمد بن رجب في عرضه لكتاب على صفحات جريدة  «الصباح » . .. ومن القصيدة الاولى في المجموعة تغمر القارىء النزعة الصوفية فتتضوع  ليصلى لآلهة الشعر رائحة العنبر والمسك .. ويبدأ الشاعر تطريز السجاد  صلاته الاولى ،

آلهة الشعر

- مهلا -

لاترتحلي

٠٠٠٠٠

هاتي

فانا الصوفي المتعبد في خلواته - ص 10 -

في هذه الباقة الشعرية تتكرر عدة مفردات مثل : الله الخمر - ؟ الملكوت - الوجد - الروح - المولى - السجاد - الصوفي - التجلى - . وهي كلمات مستهلكة في قاموس التجربة الصوفية الا أن القاسمي  يصعد الشطحات الصوفية بالاضافة لا بالمحاكاة وقصيدة قراءات أولى في  سفر التوحد ترتقى سلم الابداع الصوفي فيتوحد فيها - الحسي  بالجوهر - ومن التقنيات المستعملة عند الشاعر » فلاش باك ، وهي طريقة  سنمائية بدأ استعمالها حديثا في الشعر ، بطريقة « الفلاش » ينقل لنا  القاسمي بعد سته مشهدا دراميا يتحرك ببطء يهز الاعماق ويعطى اشارة ... ضوئية حمراء في طريق المبدعين ...

كنا . .

خلف جنازة شعر نمشى

نحمل تابوتا للشمس

وقد غاب نهار - ص 21 -

هذه اللقطة السنمائية الدرامية تظل من أروع الصور الشعرية والنثرية التى تعبر عن منور صماح المأساة المتحركة فى شوارع العاصمة ، والقاسمى قصيدته النثرية : مرايا الحلم المهداة إلى صديقه الشاعر عبد الحميد خريف يقفز القاسمي فوق الاخوانيات يشق المتاريس يعبر حدود الانتماء ليلتحم بموقف انساني لا يصدر الا عن نفس شاعرة بما فى هذه الكلمه من معنى ، ففي سنة 1978 تاريخ كتابة هذه القصيدة : كان عبد الحميد خريف يعيش فترة عصبية يلفها الضياع والمرارة . فتألم القاسمى لذلك وتحرك

ضميره وقلمه وأفرز قصيدته التي تنبأ فيها بانقشاع الغيوم وعودة الهدوء والطمأنينة في درب حياة رفيقه عبد الحميد فيقول :

غدا ....

تعود الحمائم تلوح بمناديلها للعاشقين

وفي هذه القصيدة بالذات جنوح الى البادية حيث الطهر والنقاء

يأتيني من خلف المتاريس صوتك البدوى

يشق المتاريس .... يعبر حدود الانتماء - ص 64 -

الطفولة : يقول بودلير:

العبقرية هي الطفولة المستعادة قصدا

ويقول سمير الحاج شاهين عن رامبو:

٠٠وهو طفل عاجز عن بلوغ مرحلة النضج والرجولة...

والنعمة التى اغدقتها عليه الطبيعة بسخاء هي أسطورة الطفولة

وعبد الله مالك القاسمى عكس رامبو» فهو شاعر ناضج يغازله حنين الى  الطفولة نبع البراءة والنقاء وهذا الجنوح الفطرى للطفولة ليس بغريب عن الشاعر التونسي بدءا من الشابي ...

يا مملكة الاطفال

يا مملكة الشذا والندى

إني أطرق بابك

أفر إليك - ص 60 -

موال رأس السنة - قصيدة تنقل لنا حالة المدينة وهي تحتفل بحلول رأس السنة الميلادية ، ومن التصوير الفنغرافي والنفسي يصطدم القارىء  بعري الواقع المخزي لشباب غارق حد النخاع في التذيل وراء الغرب ، وتطفو  على سطح الواقع في هذه القصيدة المرأة العربية الغارقة في أقبية الخطيئة  المرأة السطحية والسلبية التي أفرزها الانبتات الحضارى (وهي غجرية تحرث الليل وتزرع الشهوات ) :

وهذى فاطمة البدوية

تمزق الخمار والاستار

تسرح نهديها من حبس الازرار - ص 68-

والمرأة في مجموعة القاسمي تتداخل في إثنينية متناقضة بين الواقع  والرمز ، ففى حضورها الرمزى تكون غيمة وحبيبة فمطرا وهي التغير الجذري  لمنطق القوة السائد والحيف الاجتماعي تبدو هذه المرأة مكبلة مسكونة  بالليل بالتيه بالضياع مطوقة بخيوط العنكبوت ( بينها وبين التوهج لحظة دم ) :

فيا امرأة مسكونة بالليل والتيه

كيف تتشوفين المدى

كيف تبصرين الثنايا

وقدامك ... تنسج العناكب بيوتها - 70 ص-

الواقع العربي : في قصائد القاسمي حضور مكثف للواقع العربي  المشلول فيستحضر الشاعر الجانب المضىء من التراث الذي لا يمحى من  الذاكرة العربية للاتعاظ به دون السقوط فى النظرة التمجيدية لهذا التراث :

قف لحظة ...

أحدثك عن صلاح الدين

وعن القبائل التي مرت من هنا

قف لحظة

أحدثك عن النخوة العربية- 71 -

والى جانب استحضار التراث هناك تعرية للمجتمع العربى الراسف فى سلاسل التعفن والغارق فى الرجس وأبار النفط......

قد ضيعتنا الليالي

وعلب القمار........ وأجساد النساء

قد ضيعتنا عكاظ

ودوختنا روائح المعدن - ص 73 -

( ومن الحى العربى الكبير تخرج طفة باكية دامعة مشوهة الوجه

ولما بكت طفلة الحي بيروت

لما بكت - كلها من عطور الصبابا

مدائن عشقي خلت - ص 47 -

وانتفاء العطر من مدائن الشاعر هو انتفاء الحب والنبض والحياة عن بيروت  الصاخبة والهادئة..... الغارقة في الوحل والملطخة بدم الخطيئة ... والقاسمي  يعي المرحلة بادراك ، ومن خلال وعيه للاشياء طغت على جانب هام من أشعاره  المسحة السوداوية :

تروعني ايام العمر

تمتد نحوى

ترسم بالفحم ، وجهى ، قدرى - ص 77-

ومن اللوعة والألم يخرج صوت القاسمى مناديا حبيباته مستفسرا عن موعد المخاض:

..... فأنادي من لوعة الحب - الغضب

كل حبيباتى .....

اه . . طالت مواسم الحمل الكاذب ..... طالت

متى يأتي المخاض - ص 78 -

لكن النداء يتبخر فيصطدم الشاعر بخيبة مريرة يتضح هذا من خلال القصيدة الاخيرة بالمجموعة ، وينسى القاسمى أنه بشرنا بميلاد طفل عربی يخرج من ذاكرة الاشياء :

طفل عربى

يخرج من تحت الانقاض

ينهض من ذاكرة الاشياء

مسكونا بالغضب ......

مغسوولا بدم الشهداء - ص 44-

- تبقى هذه القراءة مساهمة مني في تحريك السواكن ، ودعوة ملحة  للنقاد الاكاديميين للالتفات الى ما يصدر من حين لآخر من مجموعات شعرية  وقصصية واعدة ومبشرة بميلاد جيل جديد مسكون بالتأسيس والاضافة

اشترك في نشرتنا البريدية