لقد تكلمنا في مقالنا المنشور فى " المنهل " عن استلهام الشعراء آثار القوم وماضى الاوطان وظهور ظاهرة الآثار فى الشعر العربي ، ووضحنا أنه حين اتسعت الحضارة وسارت البشرية قدما أصبح الشعراء يقفون على الآثار الحضارية التى ذهب أعلها وولوا ، وكان أول من وقف هذه الوقفة هو البحترى رائد هذه الظاهرة الجديدة فى الادب العربي ، اذ نراه يقف في قصيدته السينية على ايوان كسرى ويستروح على ماضى ايوان كسرى وحاضره ولكنه ليس بالباكى المتندم ، اذ نراه يرسم صورة لكى نتعظ بها وهو ان رأى هذه الامجاد التليدة قد تطاولت فذهبت ، فانه ليلفت انظارنا إلى أن نعتبر بذلك ،
وقد تبعه الشعراء يتناول الآثار واستخلاص العظة والاعتبار منها .
ومن الآثار التى أثارت عواطف الشعراء آثار الاندلس . . والمعروف ان الاندلس كانت من اهم المراكز العلمية والأدبية وكانت معقل الاسلام والعروبة اذ كان فيها عدة مدارس أدبية وعدة مدارس علمية كما تحكى لنا الآثار وسجله لنا التاريخ . وهذا المركز العظيم كان قد بلغ شأوا عظيما ولكنه كانت هناك رواسب تكمن فى طيات تلك المعيشة الراغدة التى اغتربها بعض القواد لتلك المنطقة ، فبدأ دور الظلام وبدأت الوجهات السليمة تظلم طرقها أمام الزحف المتحضر فنجم عن ذلك أن أفلتت تلك المنطقة العظيمة من أيدى أبنائها المسلمين وهزمت راية الاسلام التى كانت ترفرف على قلاع تلك الجنة الخضراء
) ماجستير في الادب العربي ( جامعة الأزهر
وهذه الواقعة المؤلمة لم ينسها الشعراء بل لقد صوروها ونقلوها لنا كمستند تاريخي من جهة ، وللاعتبار بها من جهة أخرى اذ وقفوا على آثارها وبكوا على ضياعها واخراج الأمة المسلمة منها ، واستبكوا على آثارها ، مساجدها وقبابها وعلى الجنة الخضراء حيث الآفاق الفسيحة والحياة العطرة ، والطبيعة العذراء ، والحدائق الغناء ، والبساتين الفيحاء ، والمروج السندسية ، والخمائل الجميلة ، والأودية المنبسطة ، والمغاني الحالمة ، والروابي المشرقة ، فنرى ابن زمرك يصور وطنه الجميل الذي تغرب عنه يصف غرناطة كأنما يصف جنة الخلد :
يا من يحن الى نجد وناديها
غرناطة قد ثوت نجدا لواديها
قف بالسبيكة وانظر ما بساحتها
عقيلة والكثيب الغرد جاليها
تقلدت بوشاح النهر وابتسمت
ازهارها وهي حلي في تراقيها
أو كما صور ابن خفاجة هذا الاندلس الفردوس
يا اهل اندلس لله دركم
ماء وظل واشجار وانهار
ما جنة الخلد الا في دياركم
ولو تخيرت هذى كنت اختار
لا تختشوا بعد ذا ان تدخلوا سقرا
فليس تدخل بعد الجنة النار
هذه الروضة الجميلة التى ضاعت من ايدى المسلمين بعد أن تنكبت الأمة الاسلامية طريق الصواب وجار الزمن عليها وطوى الدهر صفحة تاريخها وأسدل الستار على
تلك المناظر المنهجة المشرفه وانتقلت صور هذه الديار من عالم واقعي الى حلم مغيب وعكر تاريخها الزمان حتى الآن وأصبحت موضع التاسى والاعتبار ، يرثيها الشعراء بقصائدهم الباكية الحزينة أسفا وحسرة على هذه الكارثة الاندلسية :
وهذا هو تصوير ابي ابار القضاعى لهذه الكارثة في قصيدته :
يا للجزيرة أضحى اهلها جزرا
للحادثات وأمسى جوها تعسا
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم
مما ينسف النفس أم ينزف النفسا ) * (
مدائن حلها الاشراك مبتسما
جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وحيرتها العواري الفائشات بها
يستوحش الطرف منها ضعف ما انسا ) ١ (
أو كما نجد عند الشاعر ابي البقاء الرندى صورة مبتكرة على هذا المجد الضائع اذ يقول :
لكل شئ اذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش انسان
هى الامور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته ازمان
وهذه الدار لا تبقى على احد
ولا يدوم على حال لها شان
وللحوادث سلوان يهونها
وما لما حل بالاسلام سلوان
دهي الجزيرة امر لا عزاء له
هوى له احد وانهد ثهلان
فاسأل " بلنسية " ما شان " مرسية "
وأين " شاطبة " أم اين " جبان
واين " قرطبة " دار العلوم فكم
من عالم قد سما فيها له شان
واين " حمص " وما تحويه من نزه
ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كن اركان البلاد فما
عسى البقاء إذا لم تبق اركان
تبكى الحنيفية البيضاء من أسف
كما بكى لفراق الالف هيمان
على ديار من الاسلام خالية
قد اقفرت ولها بالكفر عمران ) ٢ (
هكذا نرى وقوف الشعراء على آثار الاندلس ورثاءها بأجمل شعر بكل ما يجيش فى النفس البشرية من احساسات حزينة نحو هذه النكبة وزوال شموسهم عنها ، وقفوا وقد ذابت قلوبهم حسرة من الذكريات ، وأضرمت حزنا من لوعة الحزن والأسى وقفوا وقد كانت وقفاتهم كلها الحيرة والحنين الى السلف ، فحملوا في هذه الوقفات عواطفهم الجياشة والقوية التى كانت تلهبهم وتملؤهم بالأسى والألم .
وممن بكى واستبكى ووقف على آثار الاندلس الشاعر أحمد شوقي في قصيدته السينية التى أظهر فيها مقدرته على الخلق والابداع الفني ، وتعمق في التقاليد الفنية الموروثة ، وأخذ قيثارة الشاعر البحترى فى سيره على عمود الشعر العربي " والطريف انه التزم هذا العمود مع انه جدد كثيرا من أغراض الشعر العربي بل ادخل أغراضا جديدة ولكنه استطاع أن يؤلف بين
العمل تأليف شاعر ضليع يعرف كيف يحكم ذبذباتها وتموجاتها ضبطا دقيقا واستطاع ان يتفاعل مع البحترى وان يكون لنفسه موسيقى ساحرة تعتمد على صياغة عربية أصيلة ولعب على أوتار قيثارته فأحس الى أبعد الحدود ولم يحرف في الموسيقى ولم يحرف في الصياغة بل ابقى عليهما معا واستغلهما خير استغلال " ) ٣ (
فاستهل قصيدته بالحديث عن حنينه وشوقه الى وطنه وملاعب شبابه وتحدث فيها عن حوادث الأيام وتقلبات الزمن بقيام الممالك وسقوطها :
يا فؤدى لكل امر قرار
فيه يبدو وينجلى بعد لبس
فلك يكسف الشموس نهارا
ويسوم البدور ليلة وكس
ومواقيت للأمور إذا ما
بلغتها الامور صارت لعكس
دول كالرجال مرتهنات
بقيام من الجدود وتعس
حكمت في القرون خوفو ودارا
وعفت وائلا والوت بعبس ) ٤ (
ثم ينتقل الشاعر من هذا الحديث عن ويلات الممالك ونكبات الشعوب الى الموضوع ، ويتذكر أيام المسلمين فى الاندلس ، فيمتلىء قلبه بالأسى على هذا الحاضر الأليم الذي يراه وتنهال عليه ذكريات المجد القديم فبكى واستبكى على عرش المسلمين وازدهارهم الماضى وقصورهم الاندلسية التى بليت ، ويذكر خلفاءهم وملوكهم كلما رأى الديار :
اين مروان في المشارق عرش
أموي وفي المغارب كرسى
سقمت شمسهم فرد عليها
نورها كل ثاقب الرأي نطس
في ديار من الخلائف درس
ومنار من الطوائف طمس
وربى كالجنان في كنف الزيتو
ان خضر وفي ذرى الكرم طلس ) ٥ (
بعد هذا الاستعراض يذكر الشاعر " قرطبة " التى كانت عاصمة المسلمين فى الاندلس فى عهد الخلفاء فيرى قرية مغمورة بعد أن كان لها مجدها الكبير ، ولم يملك الشاعر نفسه الا ان يدعو الله ان يحفظه ويتحسس بوجدانه وخاطره آثار المسلمين فى ثراها بعد ان أخفق الزمن في ارشاده . لبعد العهد فى زوال تلك الآثار ، بل ان الدهر نفسه ليسترشد بخاطر الشاعر ) ٦ ( فهو يرى قصورها العالية ومن فيها من الملوك وسكانها من عز ومجد وحضارة ، وتمر أمام الشاعر صور ما شاد العرب في قرطبة من مساجد للعلم ومدارس للدرس يفد اليها الناس من الشرق والغرب :
لم يرعني سوى ثرى قرطبى
لمست فيه عبرة الدهر خمسى
يا وقي الله ما اصبح منه
وسقي صفوة الحيا ما امسى
كما أن الشاعر يقف على المسجد العتيق الذى مر عليه اكثر من ألف عام ويعجب بهذا البنيان الشامخ ويسجل أثره الذي أحس به عند وقوفه أمام هذا المسجد العتيق الذى لا يزال محافظا على بهائه ويصفه وصفا رائعا حتى اننا نحس ونرى ما يدور فى هذا المسجد من ذلك المرمر الرائع لحيطانه وأفنيته المرمرية وسواريه العالية المستوية
ورقيق من البيوت عتيق
جاوز الالف غير مذموم حرس
مرمر تسبح النواظر فيه
ويطول المدى عليها فترسي
وسوار كانها فى استواء
الفات الوزير في عرض طوس
والقصيدة حافلة بالوان من الصور الفنية لآثار الاندلس ) ٧ ( .
وتمثل حسن قيام الشعر على الآثار . وهي لا شك درة تتألق على جبين الشعر العربى ، فالشاعر يستشعر الأسى على المجد الغابر ويستظهر الاعجاب بروعة آثار الاندلس ويستخلص منها العبرة والموعظة
امرة الناس همة لا تتأتى
لجبان ولا تسنى لجبس
واذا ما اصاب بنيان قوم
وهي خلق فانه وهي اس
وهنا يرى انه يذكر الحكمة الموجزة الرائعة ان أساس المجد والعز وأساس كل شئ هو الأخلاق إذا انهرت ينهار الاساس والبناء ، ويدعو المسلمين الى التحلى بالاخلاق والأوصاف الحميدة والخروج من الظواهر الخبيئة حتى يسترجعوا عزهم ومجدهم وتعلو رؤوسهم ويصبحوا روادا ومرشدين وحاكمين ونظارا للأقوام والانسانية ومصداقا لقول الرب الحكيم " ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون " .
وأخيرا يودع الشاعر تلك الديار وينتقل من الحديث عما مضى وآلت اليه من بلى وعمران على الاندلس ويختم قصيدته بدعوة الى التأسى والاعتبار بماضى العرب المجيد
قائلا : واذا فاتك التفات الى الما ضي فقد غاب عنك وجه التاسى
ومن الشعراء الذين وقفوا على الآثار وسجلوا عواطفهم ومشاعرهم نحو عظمة الأمم السابقة ، وأشادوا بما خلفوه من جهود تنطق بسمو مكانهم وعلو كعبهم ، الشاعر عبد المجيد بن عبدون الذي بكى واستبكى على دولة بني الأفطس ببطليوس الواقعة فى غربى قرطبة على نهرانه فهو يقول
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
فلا تغرنك من دنياك نومتها
. فما صناعة عينيها سوى السهر
ما لليالي ؟ اقال الله عثرتنا
من الليالي ، وخانتها يد الغير
تسر بالشئ لكن كي تغر به
كالأيم ثار الى الجانبي من الزهر
كم دولة وليت بالنصر خدمتها
لم تبق منها - وسل ذكر من خبر
هوت بدارا ، وفلت غرب قاتل قاتله
وكان عضبا على الأملاك ذا اثر
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت
ولم تدع لبني يونان من اثر
والشاعر يستمر في ذكر دول العرب في العصور المختلفة متعرضا للحوادث المختلفة للدول والرجال الذين اطاحت بهم الحروب والفتن حتى ينتهى الى دولة بني الأفطس فيقول باكيا :
بني المطفر والأيام ما برحت
مراحلا والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما ، ولا حملت
بمثله ليلة في غابر العمر ) ٨ (
وهكذا نرى الشعراء يقفون على آثار الامم الماضية ويأخذون العبر منها ، والقصائد التى
تمثل الوقوف على الآثار جد كثيرة ، ومات تحت يدى الآن يضيق بنا المقام معه ، ولذا فنحن نكتفى بعرض قصيدة الشاعر العربى المعاصر عبد العزيز محمد خليل ، فهو يقف على الآثار الاندلسية ويعطينا صورة عن مجد العرب الزائل لكى نتعظ بأهوالها ونترسم الطريق المستقيم :
نسخ الدهر آية الأعراب
بين هذه الربا وتلك الهضاب
نباتني البرنات ان ذراها
اقفرت من وشائج الأنساب
وغدا مجد طارق ونصير
بددا بين دارس وخراب
وخبت شعلة الخلائف لما
وهنت بينهم عرى الاسباب
وانقضت دولة وطاحت عروش
بعظام الملوك والحجاب
واذا ادبر الزمان وولى
اجفل الصقر من نعيب الغراب
وبعد استعراض آثار العرب في الاندلس يبكى ويتحسر ويدعونا للمشاركة فى بكائه ويحث على التمسك بالحكمة والاعتبار
فاذكروا ذاك يا بني الشرق وابكوا
بالدم الطهر مصرع الانجاب
انما تنهض الشعوب بذكرى
سالف المجد في عصور الشباب ) ٩ (
فهل تشارك الشاعر - أيها العربى الأبى - فى تحسره على الماضي وتستجيب نداءه لاسترجاع المجد السالف ؟
