الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

آثار نكبة فلسطين، في الأدب الحديث

Share

ان كارثة فلسطين أشد نكبة وأضخم وأفدح كارثة نكبت بها الامة الاسلامية والعربية ، بل أفدح مأساة انسانية فى هذا القرن ، هذه النكبة المؤلمة التى هزت القلوب وأثارت العواطف وأضرمت الاحاسيس وألهبت المشاعر وأذابت القلوب لوعة وحسرة وأسى ، مما جعل الشعراء يستوحون أحداثها ويسجلون وقائعها ويتبادلون ما يعتلج فى نفوسهم وما توحى به قرائحهم من آلام وأفكار وما يتأجج بين جوانحهم من عواطف ووجدانات وما يراود نفوسهم من أحاسيس وصور ورسوم ، فبكوا على مجد العرب الضائع وعزهم وتاريخهم المشرف وتراثهم المجيد واستبكوا على مقدساتها ومساجدها ومآذنها ورثوا المدن والبلاد التى جرد منها الطابع الاسلامى ولونت بالطابع الصهيونى واستلهموا هذه الكارثة بقلوب تنحدر منها الدماء وتنثر الدمعة الحارة من أعينهم .

من الصدق الواقعى وانفعال نفسى صادق بل انها صدرت بدافع عربى اسلامى وحافز انسانى ، فالشعراء صوروا هذه النكبة الاليمة من خلال حالتهم النفسية مطابقا تصويرهم لها لما يختلج فى نفوس الامة العربية والاسلامية من نزعات واحاسيس ، فخرجت صورهم ترجمة صادقة لعواطفهم وانفعالاتهم المفعمة بالحزن والكآبة .

والأدب الحزين أدب المأساة كان وما يزال أدبا مثاليا (١) يتصل بأنبل العواطف الحيوية ، هذا الادب الذى أضيفت اليه الصور المبدعة الخيالية التى تنفذ الى أسوار الوجود واكتناه الحقائق المستكنة وراء مظاهر الاشياء فتجعله يحلق طليقا فى أجواء وعوالم جديدة ممتلئة بالرؤى الجذابة والصور الخلابة والموسيقى الساحرة (٢)

هذه النكبة والكارثة وضياع ديار العرب والمسلمين من أيديهم تذكرنا بنكبة الاندلس فى الماضى ، وان لم نكن نعتقد أن فلسطين تضيع كما ضاعت الاندلس فهى تضارعها فى المقدمة لا النتيجة فقد أخرج المسلمون منها كما شهد التاريخ تشريد المسلمين من الاندلس .

ونحن نرى الشعراء والادباء سموا هذه النكبة بالاندلس الثانية يقول محمد محمد صادق فى ملحمته تحت عنوان الاندلس الثانية :

دونك الخطب بعد اندلس الزهرا (*)

                  ء ناهيك ما له من ثان ؟

هل ثوان من الفجائع ما حل

           يعيد المصاب للأذهان ؟

هل كما قيل للملك فى الحمرا

         ء لما بكى على الجدران :

أبك ما شئت خير ملك مضاع

            لم تذد عنه طارق الحدثان (٣)

أو كما يصور الشاعر كمال النجمى أساه وشجونه على هذه الكارثة الاليمة يبكى ويستبكى على تلك الديار التى خلت من ساداتها النجب واقفرت من أبنائها ، ويشبه الشاعر هذه الديار المقفرة (( فلسطين الضائعة )) بالشاطئ المهجور الذى طارت عنه حمائمه ، واقلعت سفن الاسلام والعرب ، ويعلن الشاعر بخياله الاسترجاعة الى الماضى ويذكر ويتصور نكبة الاندلس وحضارتها الزاهرة ومجدها الغابر وتدور فى ذهن الشاعر كارثة فلسطين بماضيها الغابر وحاضرها المؤلم فيجد شبه التأسى والاعتبار بين النكبتين بذلا وتضحية وطول صبر على الاهوال والاخطار :

يتأثرون بالحاضر وبالحاضر فحسب ، وقل منهم من تنفذ بصيرته وتصل تيارات شعره الى مدى أبعد ..

على أن منهم الملهمين الذين يحلق طائر خيالهم الى الاجواء البعيدة .. والشعراء الذين يتحدث عنهم الاستاذ كاتب المقال ويورد لنا أشعارهم المتشائمة قصروا نظرهم على مشاهداتهم فى الظروف الاولى للنكبة الفلسطينية ، ولم تستطع مجاهر شاعريتهم استكشاف ما بعد .. ونحن من رأينا أن فلسطين لم تضع ولن تضيع ان شاء الله وليس بثقوب نظر تشبيهها بالاندلس ، فشتان بين عصر وعصر ، ولن يضيع حق وراءه مطالب وهذه مؤتمرات القمة تعقد مرتين فى أمد وجيز ، وهى تستهدف انقاذ فلسطين ، وسيتم ذلك باذن الله .

(٣) رسالة الشعر القومى لمحمود محمد صادق ،

خلت فلسطين من ساداتها النجب

                واقفرت من بني آبائها الشهب

طارت عن الشاطئ الخالى حمائمه

                 واقلعت سفن الاسلام والعرب

يا أخت اندلس بذلا وتضحية

                وطول صبر على الارزاء والنوب

ذهبت فى لجة الايام ضائعة

                ضياع اندلس من قبل فى الحقب

وطوحت ببنيك الصيد نازلة

                بمثلها أمة القرآن لم تصب

أو كما نرى عند الشاعر بدر الدين أحمد فهو يستوحى فى قصيدته مأساة فلسطين واحداثها وفواجعها ويرسم فى ألواحه صورا صادقة حية نابضة بفداحتها وأهوالها ، وقد أبدعت ريشة الشاعر فى رسم مناظرها وقد امتلأت ميادينها بالدموع ، ونزح أهلها والخيل قد كبت فى ساحة الحرب وابطالنا قد وجموا . وقد صور الشاعر العرب فى صورة قطعان الأغنام التى تملأ السهل ، ومن خلال حالته النفسية وبتلك الصور الحقيقية يصور الشاعر مهد المسيح يبكى ، والمسجد الاقصى ينوح ، هذه الصور المبدعة الناطقة بالآلام والاهوال لمأساة فلسطين الانسانية ،

صور بلغت أشد تضرم والتهاب لدى الشاعر تبعث فينا الاسى وتثير الحزن والالم وقد عاد الشاعر الى اعماق الماضى يذكر ويتخيل صورة المأساة الاندلسية ويستعيد فى ذهنه الصورة التى رسمها الشاعر ابن الرندى على مأساة الاندلس ، فيستودع دموعه ثرى فلسطين الضائعة كما سبقه ابن الرندى برثائه وبكائه على ثرى الاندلس فأصبحت صوره والواحه نموذجا بشريا ناطقا بتلك الآثار

لربوع فلسطين وذلك حيث يصور الشاعر :

فى ميادينك دمع ودم

              نزح الاهل وديس الاجم

ومضى التاريخ لم يحفل بنا

              فبكى المهد وناح الحرم

ما لتلك الخيل فى الساح كبت ؟

              ما لأبطال الوغى قد وجموا ؟

ليتهم ما جردوها حملة

              ضحكت منها علينا الامم

وطوينا صفحة الحرب فما

              لعزيز بعد هذا كلم

نحن كالقطعان فى رحب الفضا

               نملأ السهل ولكن غنم

أحبس الآه بصدرى ألما

               أى آه ولقد كم الفم

يا فلسطين لك الذكرى ولى

              مدمع بعد النوى منسجم

ان بكى (( الرندى )) ثرى اندلس

            فلمغناك بشعرى مأتم

يا فلسطين وداعا باكيا

           شملنا أنبت فهل يلتئم ؟ (٤)

هكذا نرى وقوف الشعراء على ديار فلسطين وتصوير الشعور بالاسى والحزن يمثل أصدق عاطفة وأنبلها وتتجلى النزعة الجماعية فى هذا التأسى على آثار فلسطين وديارها وربوعها التى أصبحت بالنسبة لاهلها أطلالا تندب وآثارا تستلهم .

ومن الشعراء الذين استوحوها

ويجب أن يستوحوها كوفاء بحق الاوطان والاحبة ونزوحهم والآثار وما له وقع فى النفوس ، الشاعر هاشم رشيد فانه صور عاطفته المشبوبة بالشوق والحنين العاصف الى ملاعب صباه وصبابته التى كان يتمتع فيها بالحب والهوى والهناء وقد وقف على دياره المسلوبة ويرى انها أصيبت اصابة الاغماء وانطوى البساط ،

واختفى الندماء ، وأصبح موطن العز مسكنا للاذلة فأهله غرباء ، وقد صمت الآذان وبكت النواقيس قد عراها الذهول والعراء :

اين منى القيثار والصهباء

            والغناء الجميل أين الغناء ؟

يا لنفسى ويا لحرقة نفسى

             طوى الحب والهوى والهناء

انا بعد الذى اصاب بلادى

                 من بلاء كأنه بكماء

وفلسطين غادة الشرق قالوا

               قد أصيبت أصابها الاغماء

فجأة وانطوى البساط وجفت

                   خمرة الكأس واختفى الندماء

فاذا الوطن العزيز ذليل

             واذا الأهل أهله غرباء

خيم الصمت أى صمت مريع

               لبسته المآذن البيضاء

مات فيها الأذان فهو نواح

                وتلاشى الدعاء فهو رثاء

والنواقيس في الكنائس تبكى

            قد عراها الذهول والاعياء

ونوجز القول فى هذا الصدد فان الادب الحديث زاخر بالقصائد والاشعار التى

قيلت فى هذه النكبة الاليمة ، واننا قد استعرضنا بعض الصور على وقوف الشعراء على آثار فلسطين واستثارة الذكريات ورجوعهم الى الماضى ، والعهد السالف , واستلهام العظة والاعتبار من خلال تلك المآسى والمؤلمات :

الحق للمدفع القصاف ليس لمن

             يريد من مجلس التضليل احسانا

لكن قومى وان كانوا ذوى عدد

           ليسوا من الشر فى شئ وان هانا

يا أيها القوم هبوا ذا أوانكم

              عار عليكم اذا ما نمتم الآنا

الله اكبر أن يبن اليهود لهم

              بأرضكم عنوة ملكا وسلطانا

ايقطع الظلم من احشائنا وطننا

           ويخلق الافك من صهيون انسانا؟ (٥)

فهل آن لنا أن نتعظ بأهوالها ؟ وهل آن لنا ان نترسم الطريق المستقيم ؟ .

( المدينة المنورة )

(٥) الشعر العربى فى ماساة فلسطين ص ٥٣٩ ونحن نود من القارئ مراجعة هذا الكتاب نظرا لما لاحظناه من انه رائع ومستوف لهذا الموضوع فقد حاول الباحث فيه جمع الاشعار والقصائد التى قيلت قبل النكبة وبعد النكبة وتكلم فيه عن تاريخ هذه المأساة والوقائع والاحداث المرتبطة بهذه الكارثة وكذلك (( عبرة فلسطين ))  لموسى العلمى و (( الاتجاهات الادبية فى فلسطين والاردن )) و (( من وحى فلسطين )) ونداء الدماء و (( فلسطين )) و ((كبرياء الجرح )) لحسن عبد الله القرشى .

اشترك في نشرتنا البريدية