الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

آدم يبوح ...

Share

عبر الذهول عند انحناءة خط الضوء ، وضعت قلبي على الورق ومعه تاريخه ...                                   م . م .

خلقتنى جميلتى بعد أن نسجت كيانها من ارتعاش فى حسى ، وانتشاء فى روحى ، وحنين فى أضلعي .. كان مولدى ، انبثاقا من نهاية نحتها بازميلى الخلاق .. وكنت قبلها ، في وحدتى الصحراوية بين أحضان فردوسى ، حروفا مرصوفة خرساء حائرة على شفة الحياة ، شوقا ملحا الى مجهول حبيب الى النفس ، قريب الى الخاطر ، غريب عن وجه الشمس ...

ولما أقبلت - حوائى المنشودة - كانت الحرف السحرى الذى بلور جوهرى ، وتأنسن به الوجود فى مداركى ... اذاك ، عمت البهجة الطافحة في الوجود ، وتوشحت الدنيا بهالة من نور ، هو قبس من روح حبيبتى ، وركضة دافئة من الحب فى قدس أقداسى ... لم تعد الطبيعة ، بما تحتويه من آفاق وأبعاد ، سوى ألحان متناغمة ، متكاملة ، راقصة مازجة ، مفردة حينا و " اوركاسترية " حينا آخر . تعزف سمفونية الامتزاج ،

في عمق وخشوع " النيرفانا " وشفافية ولطف الندى الربيعى فى كؤوس النرجس . لم تبق ذرة فى الوجود الا كانت بعضا من معانى حبيبتى ، هاتفة باسمها ، عاكسة اشعاعها ،

وذات صباح فياض بعرائس المنى والرؤى والأطياف ،

استنشقت شفاه جميلتى ، وتطهرت بدموعها ، وألفيت لغز الأبدية فى أحلام عينيها . كانت فى روعة كل شىء نخلقه فى شغف وذهول ، حرية بالمجازفة ... فتاة أثيرية كنفحة من ايمان ، خمرية كذهول حسى لدى ساعات الكشف عند المتصوفين ، حالة كواحات عذراء ، تشجيها زفرات ناي غير منظور ... لطيفة كابتهالات الياسمين ، أو انحناءة أم حنون ...

تحت ظلال التفاهم ، في حضن الغرام المطلق ، عشئا زمنا من روح الخلد ، كمعسول الرؤى ، ورقيق الأمانى . . عشنا زمنا ، تساقينا فيه رحيق الآلهة ،

وتمازحنا في صفاء طاهر ، سجدت له الملائكة ، وزهقت فيه الأبالسة . . كانت - حوائى - تناجينى وهى صامتة ، وكنت أشدها الى أحضانى فى حرارة وهى خلف الأفق الساجى ، فى البعيد البعيد .. وأراها وأجفانى مطبقة ...

وذات مساء رصاصى ، وجدتنى وجها لوجه مع كآبة ، بلا موعد ، ودون سابق لقاء ... كانت انذار عاصفة ولحن سواد .. كآبة أكول ، امتصت شفافية الوجود ، وأطفأت نجوم الحياة فبدا الكون فى مأتم بلا ميت .. ومات الصدى ، واختل الوزن ، وانتفي الايقاع ، وامتدت الظلال فى أشكال "هيولية" رهيبة ... تلقص الربيع وأزهاره حبلى بعطره ، وعصافيره لم تنه بعد أهازيجها ،

انسدل الستار والرواية بين قلبينا ، فى فصلها الأول ، فى عنفوانها ، انتهت قصتنا قبل النهاية ، بلا عنوان ...

وكنت آخر من علم أننى الضحية ، وأن حواء ، آية ابداعى وفنى ، لم تكن الا فكرة صفراء من وهم مريع .. فيها ما فى كل صنع بشرى - اذ هى تمثالى - معنى من معانى الغرور ، ولمعة من لمعان السراب ، وحيلة من حيل الشيطان . .

وعندما أميط اللثام ، وعندما سقطت الأقنعة ، وتم النزول الى الصراع مع الواقع الأرضى المر ، دون الحاح الملائكة ، أدركت أن حواء ليست الا نسيجا من ثلاثة خيوط : شاعرية آدم ، نداء الفاكهة المغرية ، ورطوبة ابليس .

اشترك في نشرتنا البريدية