بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله الذي جعل الإسلام رحمة للمؤمنين ، وسراجا للمتقين ، والذي لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ولا يريد لكم العسر بل يريد لكم اليسر . نحمدك اللهم على نعمة الإسلام وفضله ؛ وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين ، الذي بعث بالحق المبين ، وتلا قول ربه " لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي
عباد الله ، كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتعملون لدنياكم كأنكم تعيشون أبدا ، ولآخرتكم كأنكم تموتون غدا . فمالي أراكم تتواكلون ، وعن الجد تعزفون وعن قول الحق تزيغون
كلام جميل انتشر بالمدينة وبلغ أسماع المصلين ، وغير المصلين ، ووعاه ناس ، ولم يدرك آخرون أبعاده . ثم أقبل الليل ولف المدينة ظلام قاتم قاتم ، فسكتت ثم سكنت ، فأوى كل إلى فراشه وأخذ يسأل النوم حتى أجابه . فأراحت أبدان أراد لها ربها راحة ، وأمنت نفوس قدر لها ربها أمنا .
وما هي إلا ساعات معدودات ، مرت كأنها الحلم ينفتح على عالم الوهم ، أو كأنها البهجة تسرى فى النفس ، حتى شق
الصمت والظلام صوت ليس كأصوات البشر ، اهتز من هوله النائمون ، فانتزعوا من عالم الوهم والطمأنينة ، فانهزم السلام ، وتاهت السكينة ، وتقلبت أبدان ، وهامت أنفس . وما هي إلا لحظة أو بضع لحظة حتى أدرك الجميع سر الموقف : إنه اذان الفجر ينطلق من صومعة الجامع ، تقذفه آلة شيطانية مزعجة . فرددوا " لا حول ولا قوة إلا بالله " . ثم آخذوا يصيدون النوم ، والنوم يستعصى عليهم ، فقد انقطع حبله ، واوقف سيله . ولن تشرق الشمس قبل ساعات . فانسابت الهواجس
" أوراق المكتب تحتاج إلى تنظيم . سيهجم الزبائن . سيصل الصغار إلى المدرسة متأخرين . نباح الكلاب . يشاع أن وباء الكوليرا يعيث فسادا . الحذر من الخضر والغلال . والفواضل ؟ ماذا نفعل بآلاف المطرودين من المدارس ؟ معاهد التكوين المهنى وبعد ؟ الله مدبر حكيم . التضخم المالي من مشاكل الخير وفتح ؟ ومونيخ ؟ وأيلول الأسود . أسود كظلام الليل . لابد من الخروج من التخلف . أحب من أحب وكره من كره . ومن يكره ؟ يكرهه الذين في قلوبهم مرض . لن يشرب الناس خمرا بعد الثامنة . والعيد ؟ بأية حال عدت يا عيد . ماذا يفعل الناس بأطنان الموز وملايين البيض ومئات الرؤوس من البقر والغنم ؟ يحتكرون . قاتل الله الاحتكار أزمة السكن مرض مزمن فلابد من تحديد النسل لابد . وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت . صوت عبد الباسط . البحر الأبيض المتوسط بحيرة سلام
- السلام عليكم . - وعليكم السلام .
يلتقي سكان الحي كل صباح في المقهى ويتبادلون قبل التوجه إلى العمل كلمات . لكنهم هذا الصباح قد طال لقاؤهم . فقد عزموا أمرا . الحلول كثيرة :
- علمت أن بعض الجيران قد سكنوا منازل بعيدة عن الجامع : - لن نهجر ديارنا من أجل آذان الفجر . - لو حررنا لائحة - لن تصل إلى أولى الأمر - إنك لا تنوى اغتيال المؤذن - لا أنوى - ولا قطع خيوط الكهرباء - ولا ذلك - فما الحل إذن ؟
وكان نصر قد اشتهر بين جيرانه بالغفلة . وقد حاولوا عديد المرات مساعدته على ما به من لوثة فرفض لعلمه علم اليقين انه أعقل الناس وأحكمهم . إلا أنه لا يرضى الضيم ، ولا يصبر على العدوان . فانطلق من زاوية المقهى كأنه الثعبان أو كأنه المارد الجبار ، وشق لنفسه طريقا وقرع الطاولة وصاح في القوم
- عندى الحل الذي عنه تبحثون : نحرق الجامع - تلك بيوت أذن الله أن ترفع
ولم يسمع الاعتراض . فقد صح منه العزم ، واندفع فى اتجاه الجامع يحمل نارا فى يده ونارا في صدره عند ذلك شعر القوم بخطورة ما نوى ، فتفرق شملهم ولحقوا بنصر ووقفوا
دون تحقيق مبتغاه . فضج الناس ، وفر المؤذن لينجو بنفسه تاركا صومعته وآلته واسطوانته : فهو يعلم أن نصرا لن ينثنى عن عزمه ، ويذكر أن نصرا كان ذبح كبشا وجده فى حديقته يقضم الأغراس الفتية ، وانه مزق كرة رماه بها الصبيان عن غير قصد ، وانه شد إلى شجرة متسكعا سكران كان يريد مظلمته . لكنه هذه المرة قد غلبه الرجال وافتكوا ما بيده من نار لكنهم لم ينتزعوا ما بصدره من نار
وهم على ذلك إذ ظهر الإمام ، ساكن الجأش ، ثابت الاقدام - لقد عزمتم شرا فإياكم والفتنة فالفتنة أشد من القتل - آلتك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان إنه صوت الحق يدعو إلى الله - إنه صوت الشيطان يرجم الأسماع - أعوذ بالله من الملحدين - نعوذ بالله من المعتدين - سألعنكم على المنبر - سنشكوك إلى الناس ورب الناس ثم اتفقوا على أمور وتفرقوا
- اللهم اهد عبادك الضالين - آمين - إلى الصراط المستقيم - آمين
- واجعلنا على أذاهم من الصابرين - آمين - وعمر قلوبنا بالإيمان - آمين وجنبنا الفتنة في الإسلام . - آمين يا رب العالمين . والصلاة والسلام على سيد المرسلين
كلام جميل انتشر بالمدينة وبلغ أسماع المصلين ، وغير المصلين . ثم أقبل الليل . فأوى كل إلى فراشه . وما هى إلا ساعات معدودات مرت كأنها الحلم . أو كأنها البهجة . حتى شق الصمت والظلام صوت ليس كصوت البشر . اهتز من هوله النائمون . وانتزعوا من عالم الوهم والطمأنينة . ثم أخذوا يصيدون النوم ، والنوم يستعصى عليهم ، فيتقلبون على الفراش . ويتقلبون إلى الصباح .
- السلام عليكم - السلام على من اتبع الهدى - يجب وضع حد لهذه الحالة المتعبة للأعصاب والأبدان أهملت أعمالنا ، وغارت عيوننا ، وشحبت وجوهنا ، فما العمل ؟
وكان بشر قد عرف فى المدينة برصانته وسديد رأيه . وقد لازم الصمت كامل أيام المحنة . إذ لم يرض لنفسه اشعال نار الفتنة . ولكنه مع ذلك يتألم لما أصاب البعض من تحجر ، وما
أصاب الآخرين من هيجان . كان يفضل حل المشكل بالحسنى . وذهب فى ظنه أن التفاوض مع الإمام طريقة مثلى فلما ادرك بنفسه المأزق الذي وصلت إليه القضية اوصى جيرانه بالالتقاء فى المقهى للتفكير في حل . فاتجهت إليه الأنظار :
- إن القضية لم تبلغ بعد أوج تأزمها . فأبواب الانفراج ما زالت كثيرة . إن ما يفعله الإمام هذه الآيام يعتبر بدعة دخيلة على سنة محمد . فبلال كان يؤذن في المدينة بصوته فيهز المشاعر ، ويبعث الخشوع ، ويدعو إلى الرحمان والقانون في هذه الذيار لم يقر الآذان بمضخمات الأصوات ، وطول المئذنة وتعدد المآذن في المدينة يبلغ الصوت البشرى جميع الأسماع . وهذه الحقائق : لا تغيب على أولى الأمر ، فيحسن التفاوض معهم . - لو رفعنا قضية إلى العدالة - لن نرفعها إلا إذا يئسنا
ثم احتد النقاش : محام . وكيل الجمهورية . الحرية . العدالة . من أولو الأمر ؟ العمدة ؟ رئيس الشعبة ؟ المعتمد ؟ رئيس البلدية النائب النقابي ؟ النائب في مجلس الأمة ؟ رئيس مركز الأمن ؟ من أولو الأمر ؟ مفتى الديار التونسية ؟ مدير الشعائر الدينية ؟ من أولو الأمر ؟ من أولو الأمر فى هذه البلاد ؟
عند ذلك لم يطق نصر صبرا فصاح : " نخاطبهم جميعا . " فضحك منه الصحاب . لكنهم جمعوا ضحكتهم عندما سمعوا بشرا يدعو إلى نفس الأمر : " ولم لا ؟ ليذهب كل منا إلى رجل من هؤلاء ، فيفسر له القضية ويسأله حلا . لعلهم يتشاورون ويتوصلون إلى ما فيه خير العباد .
وفي فجر اليوم الموالي شق الظلام صوت بشرى دافىء يدخل القلوب بلا استئذان : الله أكبر الله أكبر .
