انثق نور الاسلام من شبه الجزيرة العربية فاجتاح معظم بقاع العالم القديم ناشرا تعاليمه الهادفة الى تحسين وضع الانسان دينبا ودنيويا وازالة النظم الفاسدة التى كانت تسيره .
وكنتيجة لاندماج الحضارات بعضها ببعض بفعل انتشار الاسلام نشأت حركة فكرية اسلامية عظيمة لا تزال آثارها شاهدة عليها فى الكتب التي وصلت لأيدينا وفي الدراسات التى تخرجها المطابع كل يوم ، عن أولئك الرجال الأفذاذ الذين سيروا موكب العلم الى الذروة وسموا به إلى القمة وبلغوا به مبلغا لا يستهان به .
من أولئك الرجال العظماء واحد يعد من اعظمهم . . أمير عربي ترك حياة الترف والمجون التى كان يحياها بعض كبار قومه - ومنهم أبوه وأعرض عن الحياة السطحية لينصرف إلى عمق البحث والترجمة والتأليف .
ذلك هو أبو هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .
كان خالد في زمانه حكيم قريش ومثلها وكان الذكاء والفراسة متأصلين فيه بالفطرة اذ كان شاعرا مجيدا وخطيبا ، بل كان وزير خلفاء بني أمية ، ذكروا له حوادث كثيرة يدلى فيها بالرأى الصائب لينقذ الوضع من الحرج ، من ذلك ما ذكره ابن الاثير والبلاذرى وغيرهما في سبب ضرب الدنانير العربية بدلا من العملة الرومانية :
و يقال في سبب ضربها أنه - أى.
( قل هو الله أحد ) وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع التاريخ "
فكتب اليه ملك الروم : ( انكم قد أحدثتم كذا وكذا فاتركوه والا أتاكم في دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون )
فعظم ذلك عليه ، فأحضر خالد بن يزيد ابن معاوية فاستشاره فيه .
فقال : حرم دنانيرهم واضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالى ، فضرب الدنانير والدراهم .
وكان خالد مبايعا بولاية العهد بعد مروان بن الحكم . ذكروا أنه بويع لمروان على أن يتولى الخلافة بعده خالد لانه كان حينذاك صغيرا فلما تولى مروان الخلافة تزوج بأم خالد وعهد بالخلافة لابنيه عبد الملك فعبد العزيز .
وقد ذكر المسعودي في سبب موت مروان أن أم خالد بن يزيد زوجة مروان قد خنقته بمخدة جلست عليها هي وجواريها بعد أن وضعتها فوق وجهه .
على أن الذي شغل مؤرخ الأدب والعلم في العصور التى تلت عصر خالد بذكر أخباره هو أنه كان سابقا لعصره بمراحل ، فاشتغل بعلم يعد من أرقى العلوم الى يومنا هذا وهو علم الكيمياء إلى جانب أنه اهتم بعلوم طبيعية أخرى كالفلك والطب .
ولكن المؤرخين لم يذكروا كثيرا عن حياته العلمية وحياته الخاصة لانهم كانوا بعيدين عن عصره فأتوا بمعظم أخباره مقرونة بحوادث لا صلة له بها .
قال ابن خلكان : وأخذ الصنعة - أى علم الكيمياء عن رجل من الرهبان يقال
احداهن ما جرى له مع مريانس المذكور وصورة تعلمه منه "
وحديث ابن خلكان هذا يدل على أن خالدا استقى من راهب رومى ومن المرجح انه كان من الإسكندرية . . اذ من المعروف أنه كان بالاسكندرية مدرسة مشهورة للتدريس اقامها البطالسة وكان قد بدأ نجمها بالافول عندما فتح العرب مصر ثم حدث حريق بعد ذلك ذهب بمكتبتها ولكن جماعة من الرهبان كانوا لا يزالون مقيمين في الإسكندرية فبعد أن تعلم خالد من مريانس علم الكيمياء استقدم جماعة من مصر وأمر بترجمة الكتب التى تبحث في علم الكيمياء من اللغة اليونانية والقبطية الى اللغة العربية فنقلها له راهب اسمه ( اصطفن ) نعته ابن النديم بالقديم تمييزا له عن اصطفن بن باسيل الطبيب المترجم الذي عاش في عصر الدولة العباسية . فصار كل من بحث عن اسم الذي نقل لخالد كتب الكيمياء ووجده في كتاب الفهرست نقله كما ذكر ابن النديم هكذا : ( اصطفن القديم) .
ونظرا لغموض شخصية خالد بن يزيد اختلفوا في وفاته فقال بعضهم : توفي سنة ٨٢ ه وقال آخرون سنة ٩٠ ه ولكن أكثر المؤرخين في العصر الحديث يذكرون أن وفاته كانت سنة ٨٥ ه ( ١ )
وقد كان من أثر قيام خالد بأعمال سبق بها عصره ، أن وقع المؤرخون في كثير من المغالطات التاريخية وهم يحللون شخصيته وسأحاول فيما يلى أن اتعرض لبعض المغالطات
التى وقع فيها المؤرخون واعرض آراءهم فيه مقارنة بآراء غيرهم علنا نخرج بصورة واضحة عن شخصية خالد بن يزيد :
أولا :
ذكروا أن سبب انصرافه الى علم الكيمياء هو رغبته في جمع الاموال عن طريق تحويل المواد الى ذهب ، روى ابن النديم عن خالد أنه قال : ( اني طمعت بالخلافة فاختزلت دوني فلم أجد منها عوضا الا أن أبلغ آخر هذ الصناعة فلا أحوج أحدا عرفنى يوما أو عرفته الى أن يقف بباب سلطان رغبة أو رهبة )
ولكن خالدا في طلبه للعلم كان بريئا من هذه الغاية فهو ابن خليفة وجده خليفة ، ولا بد أنه قد ورث منهما ما يغنيه عن طلب المال . ثم انه لم يكتف بعلم الكيمياء ، بل كان له اهتمام واضح بالطب والنجوم ولفلسفة والادب ، فانصرافه الى هذه العلوم واهتمامه بها ان دل على شئ فلربما يدل على أنه كان يطلب العلم من أجل العلم فقط وليس من أجل غاية أخرى .
ثانيا :
استهل ابن النديم فصلا من كلامه عن خالد بما يلى : ( كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان . وكان فاضلا في نفسه وله همة ومحبة فى العلوم . خطر بباله الصنعة ( الكيمياء ) فأمر باحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر وقد تفصح العربية وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليونانى والنبطى الى
العربى ، وهذا أول نقل في الاسلام من لغة الى لغة )
والملاحظ في أول كلام ابن النديم أنه وقع في خطأ لم يفطن له الذين نقلوا عنه هذا الكلام ، فهو قد نسب خالد الى مروان بن الحكم عندما قال " كان يسمى حكيم آل مروان " وهو خطأ واضح فخالد وممروان لا يلتقيان الا في الجد الاكبر أمية بن عبد شمس .
ثالثا :
وحاول بعض المؤرخين أن ينفى كون خالد قد درس العلوم حقا فقال ابن خلدون فى " مقدمته " : انه من الجيل العربي والبداوة اليه أقرب فهو بعيد عن العلوم والصنائع ) .
ولعل ابن خلدون مخطئ لسببين :
١ - ان خالدا وان كان من الجيل العربى فان أنداده كانوا قد بدأوا ينعمون في الحضارة ولكن من أبوابها المضرة كالتمادى في اللهو والمجون . أما خالد فقد عرف انه قريب من مناهل العلم فسعى للحضارة من بابها المفيد .
٢ - ان الذين رووا عن خالد انشغاله بالعلم هم أقرب الى عصره من ابن خلدون فهم أكثر تأكدا من صحة ما يروون حتى ان ابن النديم عدد له بعض الكتب التى ألفها في الكيمياء ( ٢ ) وذكر له المسعودي شعرا في هذا العلم .
رابعا :
زعم بعض الباحثين في العصر الحديث - فى محاولة لنفى اشتغال خالد بالعلم ، أن ابن النديم هو أول من تكلم عن خالد بن يزيد ثم تبعه كل الذين أرخوا له .
وهذا كلام ليس مطابقا للواقع . فقد تكلم عن خالد قبل ابن النديم المسعودى في ( مروج الذهب ) والجاحظ في ( البيان والتبيين ).
خامسا :
وقد حاول جرجى زيدان أن يجعل حلقة اتصال بين خالد بن يزيد وجعفر الصادق حين أشار إلى ما يفيد بأن الاخير تتلمذ على الاول وذلك بقوله : (( وأول من اشتغل بنقلها الى العربية خالد بن يزيد نقلها عن مدرسة الاسكندرية وعنه أخذ جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٠ ه )
ولكن ليس من المعقول أن يتتلمذ جعفر الصادق على خالد بن يزيد لعدة اسباب منها :
١ - الخلاف المستحكم بين البيت الاموى والبيت الهاشمي بحيث يبعد أن يلتقي أحدهما بالآخر في أى مجال ، والامام جعفر الصادق من أحفاد على أبي طالب رضي الله عنه كما هو معروف .
٢ - أن خالد بن يزيد توفي سنة ٨٥ ه حالما ان جعفر الصادق ولد سنة ٨٠ ه
سادسا :
وقد قال ابن النديم في معرض حديثه عن خالد : ( ويقال والله أعلم أنه صح له عمل الصنعة ) وهذا تعبير معناه أن خالدا استطاع
أن يحول المواد الى ذهب كما كان القدماء يظنون عن هدف علم الكيمياء .
وقد علق ابن الاثير على ذلك في حديثه عن يزيد بن معاوية والد خالد قائلا :
( وكان له من الولد معاوية وكنته أبو عبد الرحمن وأبو ليلى وهو الذى ولى بعده وخالد ويكنى أبا هاشم . يقال انه أصاب عمل الكيمياء ولا يصح ذلك لأحد )
فقال الإستاذ خيرالدين الزركلى في ذلك : ( وشك ابن الاثير في بعض نواحي علمه فقال :
فالظاهر من قول صاحب " الاعلام " انه لم يفهم ما قصد اليه ابن الاثير في كلامه عن خالد . وقصده كما أوضحنا انه لا يصح أن يحول المعادن الى ذهب ( ١ )
وبعد ، فان كتابة التاريخ تحتاج الى دقة وعناية وفهم ، وجل من لا يسهو ولايخطئ يطئ ، فكل كتاب معرض لعدة أخطاء فيه ، فمن المحتمل جدا أن كون قد أخطأت وأنا أحاول أن آتى على بعض أخطاء غيرى فعلم ذلك عند الله ومن لاحظ على شيئا أظهره كي يعلم الغير ذلك فى محاولة للوصول الى الحقيقة .
( جدة )
لطف الله قارى

