الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

آراء في الادب

Share

سوف لن ادرس فى هذا البحث الأدب من ناحية عناصره التى يتكون منها : كالخيال والعاطفة والذكاء وما الى ذلك من ضروب العوامل التى تدخل فى الأدب ، ولكننى سأحاول تبيان الصلة بين الذات الفنانة وبين الأدب الذى تنتجه ، ومقدار اندماج هذه الذات بالعالم حولها ، والتأثر الذى يحصل لها من وراء ذلك من عناصر أساسية تدخل فى تكوين الأثر الأدبى . وذلك يكون باعتبار أن النفس الفنانة التى تنعكس عليها مظاهر الحياة على اختلافها هى التى تخلق الأدب ، وباعتبار أن هذا الأدب النابع من النفس هو الذى يخلقها ويصقلها بدوره . فنحن اذن أمام حلقة تفضى بنا نهايتها الى نقطة البداية فيها . فالعلاقة انطلاقا من هذا الأساس هى علاقة تأثر وتأثير بين الفنان وعالم الأشياء والناس (I) .

فما هى اذن وجهة هذا التأثير وكيفية هذا التأثر ؟ وكيف يمكن أن يتجسم ذلك فى صياغة أدبية فنية ؟ يقول رامبو : (( ان الشاعر ليس له هدف الا تغيير الحياة )) معنى ذلك أنه يعيش فى عالم خاص بذاته ، يراه أعلى من مستوى عالم الآخرين فى مفاهيمه ومقاييسه ، فيحدث له شعوره بالهوة بين مقاييسه الحياتية الخاصة ، ومقاييس حياة الآخرين عدم الرضا فى نفسه ، الشئ الذى يدفعه الى محاولة التغيير وتبديل المفاهيم القديمة بمفاهيمه الخاصة التى يرى فيها الحق والخير والجمال .

ومع وجود الفارق بين مفاهيم الشاعر للحياة ومفاهيم المجتمع لها ، فان الشاعر يستمد عناصر شعره ومادته من مكونات اجتماعية ، قد لا تكون موافقة له ، ومسايرة لرغباته ، ولكنه يحورها ويقولبها قبل ان تصبح جاهزة فى الأثر ، وهذا التحوير يكون حسب مفاهيمه الخاصة . . . وحسب ميوله ومتطلبات نفسه . فيتجسم من ثم ما سماه القدماء (( بالبرج العاجى )) الذى يبنيه الشاعر من ذاته ، فيكون موافقا لأحلامه ومطامحه .

ومن هذا (( البرج العاجى )) يستمد الفنان عناصر الهامه فتأتى الآثار متميزة عن غيرها ، تحمل طابعا خاصا يميز شخصية صاحبها . الا أن بعض الفنانين

تكون (( طبيعتهم مزودة بقدرة خارقة على الابداع الفنى مرجعها شعور مفاجىء عير مسبوق بتفكير عقلى ولا اختبار تجريبى ، ولا عمل إرادى )) (2) .

فهذه القدرة الخارقة تفاجئ الشاعر بفعل انغماسه فى عالمه الذاتى او قل بفعل ملازمته لبرجه العاجى الذى هو عبارة عن النظرة الخاصة بالشاعر ، التى برى على ضوئها الأشياء والناس ، ويعمق هذه النظرة وسمو مفاهيمها تكون قيمة الأثر .

وفى اللحظة التى سماها الغزالى بالاشراق تتكشف للشاعر او الفنان الفكرة ، التى تبدو حقائقها له جلية واضحة بفعل المعاناة المستمرة لفكرة مسبقة اختمرت فى ذهنه ، فتأتى من ثم القصيدة أو القصة مكسوة بلغة ذات أسلوب معين ، ومحملة بتأثير معين . فيكون المضمون من ثم أيضا تختلف قيمته باختلاف عمق المعاناة أو سطحيتها ، ويبدو كذلك التأثير مختلفا باختلاف المادة التى يختارها الشاعر لموضوعه . فلا يمكن أن يكون الموضوع الذى يصف فيه الشاعر قضية من القضايا الانسانية ، له نفس التأثير مثل وصف شاعر آخر لأكلة لذيذة على مائدة ، وهذا يمكن أن يبدو لنا بديهيا اذا عرفنا ان الشاعر يهتم كثيرا بالقضايا (( الغيرية )) وأن تفاعله مع جل القضايا التى تتصل بالعالم الخارجي يثير أعصابه ويوترها .

أن انفعالات الشاعر مع الجو الذى يحيط به بالاضافة إلى حالات نفسه الباطنية غير كفيل حسب رأيى بتوفير النجاح فى الأثر الفنى ، فمثل الشاعر فى ذلك مثل الرسام ، لا يمكن ان تضمن الألوان مزيدا من النجاح الفنى للوحاته . بل لا بد أن تؤدى الأشياء الخارجية وظيفتها فى الأثر ، وذلك بتوجيه الشاعر أو الفنان ، الذى يكون بتسليط قدراته ومواهبه عليها ، واخضاعها للقوالب التى يريدها فى عملية خلقه . ويتسنى هذا الاخضاع بارتباط الأشياء الخارجية المحيطة به ، بالمشاهد التى يحسها فى نفسه والكامنة فى لا شعوره ، وهذه الصور المستمدة من العالم الخارجى تبرز فى الأثر فى اللحظة التى يحس فيها بتعاطف مع الأشياء ومع الآخرين ، أى تلك اللحظة التى يعتد فيها بنفسه وتتحفز فيها أحلام نفسه ، وأحلامه (( الغيرية )) ( أحلام افراد المجتمع التى تبناها الشاعر ) عند ذلك يحس الشاعر بما سماه عز الدين اسماعيل (( بالفورة الحسية )) التى تسبب له دفق الالفاظ اللغوية من مستوى شعوره الى مستوى ما قبل الشعور فيحدث عندئذ ميلاد الأثر فى حالة من الحلم تخالف أحلام النوم ، كما أنها تخالف أحلام اليقظة . . . فالشاعر هنا يخلق حلما جديدا يجسمه فى أثره ، إذ أن هذا الأثر أو غيره قد ولد بين مستويين مستوى اللاشعور الموغل فيما فوق الواقع ، ومستوى الشعور المنغمس فى الواقعية . فيكون ، من ثم ، الأثر متضمنا لحلم الانسانية المتطلعة ، الى غدها البكر . . .

يقول ستيفنوس : (( ان العمل الحقيقى يقوم به مساعد غير منضويبقيه داخل حجرة عالية مغلقة . . ينجز للمؤلف نصف عمله ، وهو مستغرق فى نومه ، وينجز الباقى أثناء اليقظة )) .

ويزعم (( قوته )) أنه كتب أحسن رواياته وهو فى غيبوبة تشبه حالات السبات الانتقالى ( التجول اثناء النوم ) ويصيح (( فولتير )) وهو يشاهد إحدى مسرحياته ، أحقا أنا الذى كتبت ذلك ؟

ويصرح ابن سينا بأن كثيرا من وجوه المشاكل قد تكشفت له اثناء المنام (3) .

هذه الشواهد تؤكد لنا بأن الفنان يخلق أثره فى حالة هى بين الوعى واللاوعى ، كما أنها تبين لنا أن فى هذه الحالة حالة الخلق التى لا تتسم بالوعى الكامل أو حالة الحلم تنطلق رغائب الشاعر أو الفنان من قيودها لتعبر عن نفسها من خلال أثر الفنان ، ولذلك غالبا ما يكتسى الأثر الادبى بصبغة رمزية ، لأن تلك الرغائب قد لا تكون متماشية مع قيم المجتمع ومفاهيمه الأخلاقية والسياسية ، فيوارى لذلك الكاتب أو الشاعر آراءه تحت ستار من الرموز ، ولنا فى كتاب ابن المقفع (( كليلة ودمنة )) أكبر مصداق على ما نقول :

الرمز الادبى اذن هو الستار الخفى الذى يتوارى تحته الفنان عندما يريد التعبير عن وجهة نظره الاجتماعية فى مناخ تكبته السياسة ، ويخيم عليه شبح الدكتاتورية . كما لا ننسى بأن للرمز غاية أخرى كالتلميح دون الاطناب ، ووضع الجمهور أمام الحوار المباشر مع الجمهور .

ومما سبق نستطيع أن نقول : بأن الادب هو عبارة عن تنظيم أفكار الفنان وانطباعاته عن العالم الخارجى ، تنظيما يتماشى وحاسته الجمالية . لكن اذا أثر محيط الشاعر فى نفسه ، فانطبع ذلك التأثير فى موضوعه هل يكون ذلك كفيلا بأن يوفر عنصر التأثير فى الادب ؟ وهل هناك عوامل أخرى تتدخل فى هذه القضية ؟

- عنصر التأثير فى الأدب :

عرف علماء الأصوات بأن اللغة هى عبارة عن مجموعة من الاصوات المقطعة الى مقاطع تمثل تتابعا زمنيا لحركات وسكنات فى نظام آصطلح الناس على أن يجعلوا له نظاما معينا (4) . بحيث تحمل هذه المقاطع أنغاما موسيقية تختلف بدورها فى الطول والقصر باختلاف المقاطع اللغوية . فاذا ما صادفت هذه اللغة التى تحمل قدرا معينا من الموسيقى الذوق الشاعرى الحساس ، استطاعت

أن تنتظم وتنسجم فى وحدة تتآلف فيها المقاطع الطويلة والقصيرة ، بحيث يمكن ذلك الانتظام الشاعر من إيصال فكرته وعاطفته الى الآخرين عن طريق التأثير الموسيقى . أضف الى ذلك أن الشاعر يقوم بعملية انتخاب الكلمات التى تحتوى على نغمة موسيقية معينة ، تناسب حالته النفسية ، فان كان فى موقف رثاء ، فان النغمة الموسيقية التى تتضمنها مقاطع الكلمات هى التى تشعرنا بالحو المأسوى الذى يعيش فيه الشاعر ، هذا بقطع النظر عن القافية والوزن ؛ يقول الهادى المدنى فى رثاء مصطفى آغا :(5)

إيه يا مصطفى سلام على رو             حك ثم العزاء ثم العزاء

ابكت تلكم الحمامة هل نا               حت على الغصن تلكم الورقاء

أترى مات إلفها فأصاب ال              ـروض فى ازدهائه إقواء

هى تبكى فترسل الشجو فى الليـ           ـل فتبكى لها النجوم الوضاء

فالشاعر هنا قد اختار الكلمات التى تتناسب مع موقفه الحزين فنلمس فى مقاطع هذه الكلمات نغمة موسيقية تحتوى على ما يشعر السامع بجسامة هذا الخطب ، كتأكيد العزاء فى البيت الاول ، وذكر النواح والبكاء والشجى .

ونلاحظ فى الشعر الغزلى ان الشاعر يحاول أن يؤثر فى نفوسنا وذلك باثارة احساساتنا الجنسية من خلال تجربة عاشها الشاعر نفسه . يقول جعفر ماجد فى قصيدة (( وراء الأفق )) : (6)

سلونا ام ترى وهنت قوانين              وعدنا وحدنا أم من دعانا

وكنا كالخيال بلا جناح                   نطير على الزمان فلا يرانا

فأنت اليوم يا قلبي غريب               على بعد المكان ترى المكانا

وتلهث كالجريح على ضلوعى           وتنفث فى شرايينى الحنانا

تضج الذكريات فأمتطيها                وأرمى فى السماء لها العنانا

فانفض فى أقاصى الارض حزنى          وأصحب فى مغانيها الحسانا

وكم فترت جفون تحت ثغرى             وكم ثغر على شفتي لانا

وكم عثر النسيم على ذراعى             فطار الشعر ذعرا واحتوانا

وكانت كالفراشة فوق صدرى            فلم تملك على صدرى اتزانا

يخون الحرف رغبتها فتبكى               وأفهم ما تريد لها لسانا

فنمشى فى دروب الصمت حتى          برغم الصمت تجمعنا يدانا

فويحى حين اذكر ما اتينا                 وويحى حين اذكر ما اتانا

فالشاعر هنا قد انتهج منهجين لايصال تجربته الى نفوسنا المنهج الاول هو اشعارنا بمأساة حبه الضائع ، وذكراه المريرة التى تعصف به عصفا ، وتبدو لنا المرارة التى يحسها الشاعر من خلال الفاظ اللغة التى انتخبها ، كى توصل الينا بأمانة ما يحسه من ألم ، كلفظة الوهن والغريب والجريح .

اما المنهج الثانى فهو اثارة احساساتنا الجنسية وذلك بوصف مواطن الاغراء فى المرأة . كالثغر والشعر وغيرها ، وما أريد الوصول اليه من وراء هذا ، هو أن التأثير فى الادب عامة والشعر خاصة لا يعتمد على الوزن . بقدر ما يعتمد على الحالة الشعورية التى نحن فيها ، ومقدار الدلالة اللغوية التى صيغ فيها القصيد من حيث الحزن أو الفرح أو المواقف العاطفية . ويكفى للدلالة على ذلك ان نذكر مطلعين لقصيدتين ذكرهما عزالدين اسماعيل فى كتابه التفسير النفسى للادب وهما للشاعر أحمد شوقى .

فالقصيدة الاولى احدى مرثيات الشاعر يقول فى مطلعها :

الضلوع تتقد                      والدموع تطرد

أيها الشجى أفق                  من عناء ما تجد

والقصيدة الثانية يصف فيها مرقص وبدايتها :

حف كأسها الحبب                    فهى فضة ذهب

فالقصيدتان من نفس الوزن ولكن كل واحدة تؤدى نغمة خاصة وذلك بفضل الايحاء اللغوى ، والدور الانتخابى للكلمات .

فبالرغم من أن أوزان الخليل فيها بل فى القصائد التى صيغت فى اطارها ما يناسب النفس البشرية فى حالاتها الشعورية ، الا انها لم تستوعب أحاسيس النفس ككل بل استوعبتها كاجزاء فاقتصر الشعراء على الفخر والمديح والهجاء والرثاء ، اذ أن هناك مواقف أخرى نشعر فيها بمشاعر تخالف هذه الاغراض الاربعة ، بل تتصل بوجودنا مباشرة وبوجود الآخرين ، كما تتصل بالاشياء حولنا . . . اذ كثيرا ما نقول إننا مهما تكلمنا شعرا او نثرا فاننا لا نستطيع التعبير عما فى ذواتنا نحو الحياة والعالم فذلك معناه أن الشعر الذى هو أكثر اتصالا بالوجدان لا يفى بحاجة التعبير عن أنفسنا . الا أنه يزيح عنا كبتا عاطفيا أكثر مما يزيله النثر . وذلك بواسطة التأثير . على أننى لا أحصر لتأثير فى الشعر فقط لايحائه اللغوى الواضح ، أو لتخبطه فى أوزان الخليل . بل فى النثر ما يهز كيان الانسان هزا ، وخاصة ذلك النوع الذى نسميه

(( قصائد منثورة )) وهو يعتمد كذلك على انتخاب الكلمات وتوقد العواطف والنظرة الكلية للاشياء يقول محمد محمد مصمولى فى قصيدة منثورة تحت عنوان : (( الراحلة بلا ميعاد )) :

(( ذا وجهك الحائر يا أمى ، من نافذة الموت ، فى انحناءة حنان ، يطل علينا ويحاول أن يبتسم .

وجثتى المشدودة بهيكل الأيام وخفقة الضوء تنادى أن (( خذ الحياة ولا تضع قدمك بين تراب الصحو ، وهاوية الغيبوبة الأبدية .

وبناتك ذوات الحزن الممطر ، قد نام المساء فى عيونهن ، ففقدت الدقائق طفولتها ، وامتصت الاشياء ظلالها . وعلى زجاج نافذتى لهاث النهار الراكض بألف ساق مثل أحمق يسابق النور بين الصفر واللانهاية .

وبالأمس قد حملتك عربة الموت ، الى شاطئ الظلام تاركة يا أماه محبيك فى زنزانة الحياة .

ولئن اختلفت سبيلى وسبيلك يا أماه فأنت فى غيابك حاضرة ، وموعدنا لدى التقاء البداية بالنهاية لأنك أيتها الراحلة بلا عودة ، رحلت بلا وداع )) (7) .

فالكاتب هنا يرثى أمه فاستطاع بالنثر أن يوصل لنا لوعته وآلامه ، ويسجل بذلك تجربة بشرية رائعة لكل من نكب فى أمه . ويشهد الله بأننى أحس احساسا عميقا بأن مرثية الهادى المدنى السالفة الذكر لتبدو ضعيفة كذئب البحترى أمام هذه القطعة الرائعة من النثر الشعرى . وليتجلى لى كذلك أن التأثير فى الشعر لا يكون رهنا لارتباط القصيدة بالاوزان الخليلية ، بدليل أن من النثر ما يفوق الشعر تأثيرا فى بعد النظرة وشمولها ، واتصاله بمصير الانسان وقضاياه .

ولكى نربط العنصر الاول فى هذا البحث وهو كيفية اتصال الفنان بالعالم ، واستلهامه آثاره من نفسه ومن الوسط الذى يؤثر فيه ، بالعنصر الثانى وهو عنصر التأثير فى الادب ، لا بد أن نضيف شيئا من التحليل ، كى يتوضح لنا السبب الذى جعل الامثلة السابقة متفاوتة من حيث التأثير على القارىء .

ان قصيدة جعفر ماجد (( ما وراء الافق )) تصور لنا حبه الضائع ، فهذا الحب قد اصبح حلما من احلام الماضى ، لذلك فهو يرجع الى ذاكرته كي يستمد الظروف التى احاطت بهذا الحب ولكى يبنى هيكل القصيد ، وينفخ فى مضمونه ما يحسه من ألم الذكرى . . . فهذا الحب فى الواقع قد صار حلما من أحلام اليقظة ، ولكنه جلم لن يتحقق من جديد ، فهذا الشعور الذى ينتاب الشاعر ، وهو عدم عودة الحب ، وتجسمه فى عالم الواقع مرة ثانية هو الذى صبغ القصيد بصبغة الاسى والمرارة ، الشئ الذى يجعلنا نشعر من خلال ذكراه بمأساة

الانسان مع الزمن ، فنتفاعل مع القصيد ونشعر بالتجربة الأليمة التى أحس بها الشاعر . . أضف الى ذلك أن حب الشاعر الضائع هو (( سبب مباشر )) ألم بنفسه ، فأنطقها شعرا يعبر عن خيبتها .

وقل مثل ذلك فى القطعة النثرية لمحمد مصمولى فموت أمه هو (( سبب مباشر )) حرك أعماقه ، معنى ذلك أنه أثار العاطفة الصادقة فى نفسه ، مما جعل القطعة النثرية تتميز بالصدق فى التعبير عن ذات صاحبها . . أما رثاء الهادى المدنى لمصطفى آغا فهو عبارة عن القيام بمجاملة لصديق ، دون أن يكون هناك (( سبب مباشر )) يربط الشاعر بهذا الذى يرثيه ، فلم يتوفر من ثم فى أبياته الشعور الذى يؤثر فينا ويجعلنا نشعر بحقيقة المصاب ، وسبب ذلك - فى رأيى - خروج الشاعر من المستوى الشعورى (( الوسط )) الذى قلنا أنه يهيىء للشاعر حالة تشبه حالات الحلم ، والذى يوجد بين اللاشعور الموغل فى اللاواقعية ، وبين مستوى الشعور الموغل فى الواقع ، وقد قلنا بأن هذا المستوى الشعورى (( الوسط )) كفيل بأن يوفر فى الأثر عناصر الخلق ، فاذا ما خرج وعى الشاعر من هذا المستوى الى مستوى الشعور العادى ، فان اللغة تفقد مسحتها التأثيرية ، وبالتالى يتأثر التعبير والتركيب والصياغة بالفراغ الشعورى الذى يوجد فيه الفنان فى تلك اللحظة ، وسبب ذلك أن الاشياء المحسوسة التى لا تحمل معنى فى ذاتها لا تكيف فى حالة الشعور العادى حسب الآراء المجردة التى يحويها ذهن الفنان ، بحيث لا تكون الرسالة الاجتماعية والفنية التى تحملها تلك الافكار متضمنة فى الأثر .

أما كيف يكيف الفنان الاشياء حسب منهجه الفنى ؟ . هل يكون ذلك بالفكرة ، أم باللغة ، أم بالطريقة ، أم بكلها معا ؟ ؟ الجواب على هذه الأسئلة هو موضوع حلقة آتية .

اشترك في نشرتنا البريدية