الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

آراء في مذكرات الشابي ورسائله

Share

يبدو أن الباحثين قد اتفقوا على خطوط كبرى تمثل شخصية الشاعر التونسى أبى القاسم الشابى وتضبط حدودها فاذا تصفحنا ما كتب حول هذا الشاعر نلاحظ بسرعة أن محاور البحوث لا تتعدى الاربعة وهى : الوطنية والمرأة والطبيعة وأخيرا الرمنطيقية . وقد أقر جل الباحثين إن لم نقل جميعهم بتلمذة الشابى على الادب الغربى والمهجرى لذا فشعره لم يكن سوى ترديد لما استقى من هذين المصدرين المعاصرين . أهذا هو الرأى النهائى ؟ ألا يجدر بنا أن نعبد النظر فى هذه المحاور المتفق عليها ؟ ألا يحق لنا أن نتعمق فى ذلك شخصية هذا الشاعر الشاب ؟ هذا ما أرومه فى هذا البحث . غايتى فى ذلك إعادة النظر فى ما استقر عليه الرأى واتفقت عليه الدراسات أو كادت وللوصول الى هذه الغاية سأعمد الى التذكير ببعض آراء الدارسين للشاب ثم اهتم بتفسير رأيى وتحليله من خلال أثرين للشاعر يمثلان - على ما اعتقد - أحسن مصدر لفهم شخصيته هما مذكراته ورسائله .

آراء حول الشابى :

لن أتحدث عن العناصر التى ذكرتها آنفا وهى الوطنية والمرأة والطبيعة والرمنطقية إنما سأهتم بالتذكير بالعنصر الاخير لشموله بقية العناصر الاخرى . واذا نظرنا إلى ما قاله الباحثون حول هذه المسألة نلاحظ أنه تم الاجماع بينهم تقريبا على أن الشابى رمنطيقى موغل فى الرمنطيقية ، فبعد أن قرر الاستاذ الشاذلى القليبى أن بعض قصائد الشابى " تعبر عن حبه للحياة وفتنتها " (1) سرعان ما يؤكد أن " الشئ الذي يلاحظ فى شعر أبى القاسم

عامة رفضه للحياة البشرية على أنها مظلمة مزيفة يصيب الانسان فيها الشقاء والالم . ويصل به هذا الرأى الى تقرير شبه الشابى بأبى العلاء المعرى الذى " يعتقد أن الشقاء فى الاختلاط بالناس " (2) ثم يقرر أن الشابى لم يثر ثورة " ترمى الى تغيير هذه الحياة وانشائها من جديد وإنما هى ثورة تهديمية ناتجة عن يأس متغلغل فى أعماق نفسه وملل وسآمة وارادة تحطيم " (3) وبذلك يجعل الشابى يعيش أزمة يحاول الخروج منها ، والمخرج الوحيد طبعا هو الموت الذى " ينقذه من الشقاء " .

وهذا التفسير لحالة الشابى فى شعره هو تفسير مبنى على عدم ربط هذه الحالة بما ورد فى رسائل شاعرنا ويومياته وبذلك يكون تفسيرا ناقصا إن لم نقل خاطئا .

ويذهب هذا المذهب الذى ذكرناه الاستاذ محمد العروسى المطوى اثناء حديثه عن وطنية الشابى فجعله ينطلق مؤمنا بقوة الشعب الى أن ينتهى به المسار الى " سلبية بغيضة ويأس قاتل " فتنتهى رسالة الشاعر نهاية " مفجعة " (4) بل إن أصدقاء الشابى وخلصائه وهو محمد عبد الخالق البشروش يقر أن " روح النقمة شائعة فى اشعاره أو فقل هى عمادها والتشاؤم طالع حياته والتشاؤم خاتمتها " (5) .

إن هذه الآراء الثلاثة فى شخصية الشابى ، وهى آراء نموذجية لبقية الآراء ، لا تدل فى الحقيقة على قراءة شاملة لآثار الشابى فتتكون بذلك صورة متكاملة لشخصية هذا الشاعر ومواقفه . والرأى عندى - كما ذكرت اعلاه - أنه لا يمكن أن ننظر الى شعر الشابى وفنه بهذه التجزئة وهذا التفصيل الذى يمزق شخصية الشاعر ويجعلها شخصية إما مبتورة أو غير واضحة المعالم أو متناقضة . والشابى . من التناقض الذى يبدو فى هذا التردد بين الانطوائية والاتصال بالناس " (6) .

إننا كثيرا ما نخطئ فى دراسة الشخصيات الادبية وخصوصا الشعرية إذ غالبا ما نعتمد على جانب سرعان ما نجعله صورة كاملة لذلك الاديب أو الشاعر وبذلك نصل الى نتائج قل ما تكون موافقة للواقع . وهذا ما دفعنى الى قراءة " مذكرات الشابى " و " رسائل الشابى " والتمعن فيهما لأنهما صادقان فى الترجمة عن انفعالات الشاعر وآرائه ومواقفه - ولا غرو فى ذلك إذ هما كتبا لا للعموم إنما للخواص من الاصدقاء والمقربين . وكم هو حرى بنا أن نهتم بهذا النوع من الكتابات لفهم آثار الادباء اذا ما مكنونا من رسائلهم أو مذكراتهم أو الاثنين معا . وبذلك نتجنب أخطاء كثيرة . وهذا ما احاول القيام به فى بقية البحث .

مذكرات الشابى ورسائله :

لم يصلنا من مذكرات الشابى إلا ما كتب بين الاربعاء 1 جانفى 1930 والخمس 6 فيفرى 1930 وهى مدة قصيرة كتب فيها اثنتين وعشرين مذكرة - ولعل الشابى لم يكتب غير هذه المذكرات .

اما الرسائل فقد اعتنى بنشرها صديق الشابى الحميم الاديب محمد الحليوى ولم ينشر منها سوى رسائله هو التى تبادلها مع الشاعر وهى قيمة رغم عددها القليل ، فيها ترجمة صادقة لآراء الشابى ومواقفه من قضايا عصره . فما هى أهم القضايا التى شغلت صاحبنا ؟

رؤية الشابى للحياة :

إن الشابى سبر الحياة واستقصى كنهها وكشف خفاياها فى أقرب وقت وأقصر مدة وهذا يعود لذكائه وشفافية حسه فعرف أنها تتكون من ثالوث مقدس هو " الحق والقوة والجمال " وهذا الثالوث هو جوهر قصة علاقة الشاعر بالحياة فبات يتغنى بهذه القيم ويعبدها ويدعو اليها . فالحياة فى صميمها ليست إلا مثلا يطمح الى تحقيقه الانسان ويشد اليه الرحلة . ولكن يجب أن لا نغتر بظاهر الاشياء اذ الشابى لم يكن مثاليا (7) مثالية مجردة ان صح التعبير . بل انه لم يطمح الى اشياء لا يمكن تحقيقها ... نعم ان " الحق والقوة والجمال " هى مثل على ما يبدو ، ولكنها مثل لها علاقة بحياة الانسان ، والانسان بدونها لا تستقيم حاله ولا يشتد عوده ليبنى الحضارة ويتغلب على المستحيل ، وهذا موقف اسلامى خالص .

والشابى لم يستورد هذه المثالية من افلاطون كما يرى البعض (8) لان مثالية هذا الفيلسوف اليونانى مثالية عقيمة - فى رأيى - تبقى مجرد خيال ، أو مجرد أفق غير محدد يرنو اليه الانسان الى الابد دون أن يصله أو حتى تقترب منه . إن مثالية افلاطون مثالية خيالية أما مثالية الشابى فهى واقعية يمكن تحقيقها بل على الانسان أن يسعى لتحقيقها وإلا تنعدم انسانيته ويفنى جوهره منه الا وهو همته وطموحه . إن مثالية الشابى مثالية تكسب الانسان انسانيته وتحقق ماهبته وتبنى فى هذا الكون حضارته . فما الحضارة الا صورة لمثالية الانسان وهى صورة لطبيعته .

ولم يكن الشابى تلميذا نابغا لجبران (9) ولم يكن مقلدا للمدرسة المهجرية أو جماعة أبوللو ... إن الشابى نطق عن تجربة شخصية جذورها فى الارض الاسلامية العربية وفروعها رهافة حسه وحدة ذكائه وشدة وعيه . وقد وردت نصوص كثيرة جدا فى يومياته وفى رسائله تعبر عن هذا الايمان القوى بالحياة وارادة تحقيقها لا على أنها أمر مستحيل ليس له علاقة بالانسان أو أنه من عالم افلاطون الموجود فى السماء انما تحقيقها على أنها الممكن بالنسبة للانسان والمثبت لانسانيته والمؤكد لماهيته .

وعلى هذه الارضية بني شاعرنا فلسفة الحياة الواقعية لا النظرية لقد ورد فى مذكرة الثلاثاء 7 جانفى 1930 اثناء حديثه عن معارضة قومه له قائلا :  " يقولون : صف لنا الحياة . وهل وصفت لهم غير الحياة منذ غنيت لهم أناشيدى . ولكنى حين وصفت لهم الحياة لم أصفها لهم من نواحيها القريب الواضحة وانما وصفتها من نواحيها البعيدة الغامضة المحجبة بالضباب " (10) نعم انه ضباب المادة وضباب الجهل والامية وضباب الرضا بالدون والادنى . إن الانسان ليصعب عليه التخلص من ذلك الضباب لان الكسل يكبله ويقيده بل يشده الى الارض ، فهو طريح ، لا يستطيع أن يقف ويسعى ليحقق انسانيته .

وورد نص آخر فى مذكرة الخميس 9 جانفى 1930 يقول فيه : " وكنت اذا جلست الى الناس واستمعت أحاديثهم شعرت بالحاجة الى ما يثير عواطفى ويحرك وجدانى ويؤجج فى داخلى نيران الحياة لاننى أرى الخمول يدب فى مشاعر ويستحوذ على نفسى كأنها انقلبت قبضة من رماد خابية ... " (11) .

وبناء على ما تقدم يمكن أن نؤكد أن الحياة عند الشابى نيران لا تخبو وأوار لا ينطفئ . وتلك هى الحقيقة التى انتبه اليها وساقها الى الناس وطلب منها وألح عليهم استساغتها ثم الايمان بها . وهذا هو المحور الاساسى فى أعمال الشابى جميعها (12) لكننا يمكن أن نجد ثلاثة روافد لهذا المحور وهى : حياة الفرد ، وحياة الجماعة ، والوجود .

1 - حياة الفرد :

إن الفرد فى نظر الشابى شخصية مستقلة ، لها ذاتها وخصائصها ومميزاتها ، إلا أن هذه الشخصية لا تتبلور ولا تنصع إلا إذا كانت واعية بذاتها مدركة لمكانتها فى الحياة مقدرة لدورها مندفعة نحو العالم الانسانى الحقيقي والوجود السنى . وقد وجد الشابى فى الاديب والشاعر هذه الشخصية الواعية - ولعل النظرة السريعة تجعلنا نقر بأنه قد أخذ هذه النظرية من الادباء الرمنطقيين الذين تغنوا بالذات وشدوا بالفرد . لكن شيئا من ذلك لم يكن فالشابى لم يقلد إنما استقى فلسفته وحكمته من واقعه وتجربته الشخصية وثقافته التقليدية العربية الاسلامية . فقد كتب يقول فى مذكرة الاحد 5 جانفى 1930 متحدثا عن شخصية الاديب : " إن أكبر الشخصيات فى عالم الادب والفنون إنما هى تلك الرؤوس المفكرة التى تعتز بما لها من مواهب وبما عندها من شعور والتى تشعر أن لها كيانا مستقلا ... " (13) .

ولم يكتف شاعرنا بتجديد مفهوم الفرد الممتاز انما ساق لذلك مثالين . ولم يكن المثالان من الادب الغربى الذى كثيرا ما سمعنا أنه تأثر به إنما هما من الادب العربى القديم ، " فالمتنبى قد كان عزيز النفس شاعرا بعزته وكرامته رغم امتداحه الملوك وبذلك تخطى اعناق الدهور الى سماء الخلود . والمعرى

قد كان أكثر شعورا يعزته وكرامته وبذلك ابتكر مذهبا جديدا فى الفكر ومدرسية حديثة فى تفهم الحياة " (14) فالمتنبى والمعرى شخصيتان ممتازتان لأنهما وعتا واقعهما وبذلك ينفى الشابى مفهوم القدم أو الجدة عن الانسان فكما قيل كل شئ القيم الانسانية والانسان . وهذا ما يتأكد عندما نجد شاعرنا يشيد بشخصية أدبية معاصرة هى صديقه الحميم محمد الحليوى فيذكر أنه قد وجد فى أدبه " روحا وقوة " لم يجدهما عند سواه (15) .

إن الفرد فى نظر الشابى شخصية ممتازة أو لا تكون فهو ذلك الكائن الذى ينطلق من واقعه ليطغى عليه ويتسلط فيكون " نبيا " أو ما يشبهه . ولا يعنى ذلك أن الشابى قد كفر بالاسلام ومرق عن الدين . إنما يستلهم قيمه وأسس حكمته من الفكر الاسلامى ولم يخرج عن ذلك . وبناء على ذلك اعتقد أن هذا الرأي فى الفرد الممتاز قد استمده أبو القاسم من مذهب الصوفية الذى تأثر به منذ صغره إذ كان أبوه من كبار المتصوفين بالاضافة الى ازدهار هذا المذهب فى الجنوب التونسى وانتشار الاولياء الصالحين . والفرد الممتاز عند الصوفيه هو القطب وهو أعلى درجات المعرفة والادراك . فقد نقل " نيكلسون عن عفيف الدين التلمسانى فى شرحه على مواقف النفزى أن مرتبة القطب هى مرتبة الانسانية الكاملة وله أن يهدى الناس الى سبيل ربه لا يطلب على ذلك إذنا من أحد ، وقبل أن يوصد باب النبوة كان يدعى نبيا . فأما فى أيامنا فانه يدعى شيخا . وهكذا يبدو التواصل بين النبوة والقطبية " (16) .

ولست أقصد بهذه الحجة أن أبين أن الشابى متصوف صاحب طريقة صوفية إنما غايتى قبل كل شئ أن أقدم الدليل على ان الشابى لم تكن افكاره مستوردة ، ليست غربية ولا مهجرية . ولا أريد أيضا أن أنفي تأثره بما كان شائعا فى عصره من تيارات أدبية ومذاهب فكرية . ومجمل القول إن شاعرنا قد عبر بصدق عن تفكير عربى اسلامى خالص بنظرة عاقلة . وهذا التفكير هو

ملك العرب والمسلمين قبل انحطاطهم وذهاب شوكتهم . أما وقد أصابهم ما هو معلوم من خذلان وتراجع فانهم عندما صحوا ظنوا أن آلة تفكيرهم وتعبيرهم هى آلة مستوردة ونسوا أن الثقافة هى كنز دفين متغلغل فيهم ما داموا يتغذون من الارض العربية الاسلامية .

إن الشابى اكتشف بسرعة عجيبة أن الانسان العربى هو إنسان ممتاز فذكر به معاصرية وألح على هذه الفكرة فى رسائله ويومياته ونبه الى أن الضباب والظلمة والليل الحالك هي التى جعلت العرب لا يثقون بأنفسهم ولا ينطلقون من ذواتهم ليحققوا الحياة . فما هى أسباب هذا الانصياع لما يحيط بالجماعة من ظلمة وليل ؟ وما هى الجماعة ؟

2 - حياة الجماعة :

إن الجماعة فى نظر الشابى تختلف عن الفرد اختلافا جذريا فهى كالكتلة الصماء الفاقدة لكل إحساس لأنها كثيرا ما تكون ملتصقة بالواقع المادى متقوعة فى أتون الحياة اليومية رافضة لكل طموح وارادة . وهذه الجماعة تنقسم الى قسمين .

أ - المجموعات :

وهى تحتوى على عدد من الافراد دون تحديد لعددهم لهم وظيفة واحدة أو قصد واحد . ولم تخرج المجموعة فى نظر الشابى عن نطاق تلك الفئات التى نشرف على المشاريع التونسية وقد لاحظ فى شأنها أمرين :

1 - هذه الفئات كثيرا ما تعى واقعها فتنشأ فكرة الثورة وتقوى فترى التونسين مثلا " نبغاء فى بسط آرائهم ونظرياتهم والتحمس لها ( مما ) يدفعك الى أن تؤمل الآمال الكبار وتعتقد أنك تخاطب روحا متجسدة فى فكرة تلتهب " (17) .

2 - ان هذه الفئات لا تسعى الى تجسيم هذه الفكرة وبعثها عملا قائما بذاته إنما يقف مستوى الثورة عندها الى هذا الحد دون تحقيقها ... فهذه الجماعات

صاحبة ارادة بائسة إن صح التعبير . وقد ثار الشابى على هذه الطريقة فى النظر الى الحياة وجعل أصحابها مغرورين ، تثق في دعواهم وطموحاتهم " حتى إذا جاء دور العمل تمزقت تلك البراق وخمدت تلك النزوات وتكشف البرقع البراق عن وجه الحقيقة الأربد وانجاب طلاء الشباب ونضارة الفتوة المستعارة عن تجعدات الشيخوخة وقبور الخمول " (18) .

إنك إذا نظرت الى هذا الاستشهاد تلاحظ مجموعتين من الالفاظ الاولى : العمل والحقيقة والشباب والقوة ، وهى ألفاظ تمثل ما يؤمن به الشابى فى حياة الناس وما يلتزمه التزاما ، اما الثانية فهى الالفاظ التالية : البراقع ، ونزوات ، والبرقع البراق ، وطلاء ، ومستعارة ، وتجعدات الشيخوخه ، وقبور الخمول ، وهى ألفاظ تدل جميعها على واقع الجماعة فهي تعيش الزيف والطلاوة لا تدرك الحقيقة لأن الحقيقة تحتاج إلى شباب وعمل أى الى إرادة وتنفيذ .

وهذه الفئات التى وصفها صاحبنا تدل على معاشرته لها واطلاعه على خفايا نفوسها وخصائص طبائعها فكيف نقول : إن الشابي كان رمنطيقيا سلبيا يعرف عن الحياة ولا ينظر اليها كما هى ؟ الا ان الشابي لم يكن أرضيا فى فلسفته وفنه واحساسه إنما هو سماوى انه إنسان إنسان .

لقد عمد الشابى الى الكشف عن طبائع هذه الفئات وحاول أن يبين سلبياتها فهى تغط " فى سبات الاحلام اللذيذة " وهى مع ذلك تدعى اليقظة والشعور ولذا تعمد الى مهاجمة محبى الحياة ومريديها . لقد ثارت هذه الفئة على الشاعر وأضرابه وناصبته العداء وكالت له الشتائم ، بل وانقضت عليه حتى أصبح يشعر بألم مر . ان صاحبنا أصبح يشعر بالغربة فقد كتب فى مذكرة الثلاثاء 7 جانفى 1930 قائلا : " أشعر الآن أنى غريب فى هذا الوجود وأننى ما أزداد يوما فى هذا العالم الا وازددت غربة بين أبناء الحياة وشعورا بمعانى هاته الغربة الأليمة " (19) .

إن الشابى اجتماعي وليس رمضانيا كلفا بالحياة الخاصة المنعكسة على الذات الرافضة للخلطة والعدد . وايمانه بحياة الجماعة هو الذى جعله يتألم

شديد الألم ويشقى . إلا أن هذا الواقع الذي فرض عليه لم يجعله ينطوى أو ينزوى أو ينعزل إنما دعا - فى حرارة وإيمان - أمثاله من المؤمنين بالحياة الحقيقية حياة الانسانية الصادقة قائلا : " لنعرض بأبصارنا عن أشباح الموت وغيلان الظلام السارية فى أعماق الوادى وفى شعاب الجبل ولنصرف أسماعنا عن صرخات اليأس وأصوات الأبالسة فان فى الذروة العليا موسيقى الوجود الخالدة وفجر الحياة السرمدى " (20) والسبب فى هذه الدعوة حبه للحياة من ناحية كما ذكرت وخوفه من أن يتردى الى الحضيض ويهبط الى الحياة السافلة حياة الحيوان والكواسر فتحق عليه لعنة الله والحياة . وهذان الأمران يحتمان علينا أن " نرتفع ...  بأجنحتنا الصغيرة فوق هاته الحيوان الحقيرة التافهة ولنحلق فى آفاق النور والحق والجمال بكل ما فى ايماننا من حماس وبكل ما فى شبابنا من قوة وحياة طموح " (21) .

إذن ليس لنا أن نتهم الشابي بالمثالية الافلاطونية تلك المثالية المجدبة القاتلة التى تثبط عزم الانسان وتجعله فاشلا مسبقا ليس له أن يسعى ويعمل . إن الشابي آمن بواقع مغاير للواقع العادى لأنه إنسان واع ومدرك لمصيره .

ب - الشعب :

إن مذكرات الشابي ورسائله لم تتحدث عن الشعب ذلك أن صاحبنا لم يعتن به بقدر ما اعتنى بالجماعة فى مفهومها الضيق رأينا أعلاه أن المجموعة لها كيان وخصائص وطبائع . أما الشعب فهو جماعة أكبر لم نعثر لها على حدود أو خصائص ويمكن تفسير هذا الاهمال بموقف أبى القاسم من هذه الجماعة فهي نكرة لم تستطع أن تثبت ذاتها وتبرز مكوناتها . ولا نعجب من ذلك فاذا تذكرنا موقف الشابى من الجماعة الصغرى التى تحدثنا عنها فى العنصر السابق ورأيه فيها يمكننا عندئذ أن نتصور سبب اهمال هذه المجموعة الكبرى . إن الجماعة الصغرى هى جماعة مثقفة مبدئيا ، لها قدرة على الادراك لكننا رأينا أنها كانت على أسوإ حال من السعى والارادة والطموح .

3 - الوجود الانسانى :

لم يحاول النقاد الذين درسوا أدب الشابي أن ينظروا الى هذا الموضوع نظرة عميقة تعتنى بمفهوم الوجود فى فلسفة الشابى التى تكون نظاما منتاسقا . وعناصر هذا النظام هي : الرجل والمرأة والطبيعة .

أما العنصر الاول فقد تحدثنا عنه فيما تقدم إذ أن الشابى لا يقصد غير الرجل عند حديثه عن الفرد والجماعة بقسميها المجموعات والشعب .

أما العنصران الثاني والثالث فهما لا يختلفان من حيث جوهرهما بل يتكاملان أحيانا ويختلطان ويتمازجان وينصهران فى أغلب الاحيان . إن أبا لقاسم لا يرى فرقا واختلافا بين المرأة والطبيعة فقد ذكر في مذكرة الجمعة 3 جانفي 1930 متحدثا عن خلواته فى ذلك المنتزه الجميل الحبيب الى نفسه : " أنا ما أردت الذهاب الى البفيدير(22) إلا لأمتع نفسي بتلك الطبيعة الجميلة الساحرة ويأسراب الغوانى المتخطرات بين الغصون الوارفة وخلال الخمائل تنمقها أوراق الاشجار البنجية "(23) يبدو مما تقدم ان فكرة مزج المرأة بالطبيعة والعكس هى فكرة غربية مأخوذة من الرمنطيقية أو هي مهجرية . الا أني أرى أن الشابى قد استقى فكرته من ثقافته العربية الاسلامية ثم عبر عنها تعبيرا عصريا فتراءت لنا مستوردة . ولا شك أن الشابي قد استغل أحسن استغلال طاقته التعبيرية وقدرته البلاغية فأوهمنا أن فكرة المزج بين الطبيعة والمرأة هى أجنبية ومهما يكن من أمر فانني وجدت نصا تذكرنا الفكرة فيه بفلسفة أبى العلاء المعرى فى تحريم أكل الحيوان فقد تحدث أبو القاسم في مذكرة السبت 4 جانفى 1930 عن خلواته فى البلفيدير قائلا : " كنت آتي منفردا بنفسي متتبعا هاتيك السبل الصغيرة بين المزارع ومحاذرا أن أدوس زهرة يانعة أو أكسر غصنا يداعبه النسيم . فقد كنت أشعر فى أعماق قلبي أننى ارتكب جناية كبرى حينما أقطف زهرة ناضرة أو غصنا رطيبا "(24) لكن لماذا يرفض أن يقطف هذه الزهرة ويكسر ذلك الغصن وقد وهبهما الله ليتمتع بهما ويغتبط ؟ أقطف زهرة وتكسير غصن يعتبر حقا جناية كبرى ؟

إن الشابي لا يقف عند ظاهر الاشياء ولم يتقيد بقيود الواقع العادى إنه حاول أن يسبر الحياة وقد نجح بسرعة عجيبة كما رأينا فى معرفة جدول الحياة فهي لا تختلف بين الكائنات الا في الظاهر " ألست أرى تيار الحياة بتسلسل فى أعماقنا ( أى الزهرة ) على مهل وأراها ترمق الافق الجميل " (25) وبذلك تصبح الكائنات فى فلسفة الشابى لا تختلف فتصبح الزهرة فى الطبيعة " ترتعش بين احضان النسيم ارتعاشة الغانية على صدر عاشقها السعيد " وتتحرك " وريقاتها الصغيرة ... حركة من يهم بالكلام كأنما تحاول أن ترتل أغنية الحب والجمال " (26) .

وقد ساقت هذه الفكرة صاحبنا الى التعبير عن مفهوم اسلامي للكون والكائنات يتمثل فى وحدة الوجود . فماذا يقصد الشابى بذلك ؟

وحدة الوجود :

هى نظرية اشتهر بها ابن عربي وجعلها محور فلسفته وهى تتمثل فى " أن لا موجود إلا الله ومع ذلك فتتعدد بتعدد التعينات تعددا خفيفا واقعا فى نفس الامر وهذا التعدد لا يوجب تعددا فى ذات الوجود "( 27 ) وتمثل هذه النظرية عدة اخطار من الناحية الدينية لا فائدة فى ذكرها الآن . وما يهمنا منها هو التعبير عنها بأسلوب أبسط في أدب الشابى ، فهو لم يفلسف الامور الى مستوى ابن عربى (28) .

إن الثقافة الزيتونية (29) التى تحصل عليها الشابى طبعت تفكيره فجعلته اسلاميا عميق الجذور ، لقد حث الاسلام على التأمل فى الكون والمخلوقات والنفس . وغابته من هذه الدعوة هي أن يدرك الانسان سر الخلق فى الكون . ولذلك سلح الله تعالى هذا الانسان المميز ( بالفتح ) بعقل وادراك . وقد استغل الشابي هذين المصدرين : الثقافة والعقل . فقد مكناه ، من تمييز ظاهر الاشياء من باطنها . أما الظاهر فهو ما تشترك فيه كل الاحياء . الانسان والحيوان والنبات فكلها تتفق فى التركيب البيولوجى وكلها تستوى فى احتياجها للغذاء والتناسل وكلها فى حاجة للحرارة لتعيش وكلها لها حياة موقوتة . أما الباطن فهو ما يمتاز به الانسان دون غيره من ادراك للكائنات الاخرى . فاتفاق المخلوقات فى نفس المكونات ليس دليلا على عدم اختلافها . إن الانسان ينفرد عنها ولذا فهو وحده صانع الحضارة .

وإذن يتسنى لنا مما تقدم فهم نظرة الشابى الى الكائنات فلا فرق بين الطبيعة والمرأة إلا فى كون الثانية إنسانا له قدرة ادراك ذاته وواقعه وكذلك الشأن بالنسبة للرحل . وقد كتب يعبر عن هذه الفكرة فى مذكرة السبت 4 جانفى 1930 قائلا : " كنت أحس بروح علوية تجعلني أحس بوحدة الحياة فى هذا الوجود وأشعر بأننا فى هذه الدنيا - سواء فى ذلك الزهرة الناخرة أو الموجة الزاخرة أو الغادة اللعوب - لسنا سوى آلات وترية تحركها يد واحدة فتحدث أنغاما مختلفة الرنات ولكنها متحدة المعاني او بعبارة أخرى إننا وحدة عالمية تجيش بأمواج الحياة وإن اختلفت فينا قوالب هذا الوجود " (30) .

إن الشابى مؤمن أصدق الايمان بانعدام الاختلاف بين الكائنات ومن هنا مزج بين الطبيعة والمرأة ومن هنا قدس الطبيعة والمرأة ومن هنا عبد الطبيعة والمرأة .. ولأنهما مظهران من مظاهر الحياة يتجسم فيهما الحق والقوة والجمال. ولأنهما الحياة ذاتها فانه شدا بهما سويا الى أن توفى فى ريعان شبابه .

الخاتمة :

لقد تبين من خلال ما تقدم أن الشابى أصيل فى أدبه وفنه لأنه أصيل فى ثقافته وتعليمه ولأنه معتز بشخصيته العربية الاسلامية . وهذه الاصالة لم تمنعه من أن يكون معاصرا فى أسلوبه ولغته . إنه أبعد الناس عن التقليد وعن التلمذة المباشرة لقد كان أديبا صادقا فى أدبه وفنه وصدقه ترجم عنه فى رسائله ويومياته . كان صادقا في تجربته الانسانية . لقد باشر المجتمع مباشرة وغاص فى أعماقه وعرف حقيقة الانسان العربى الاسلامى لم يكن غريبا عن المجتمع ولم يحب الانفراد والعزلة كما أحبهما الرمنطيقيون الاوربيون الرافضون للواقع والعقل ... وكان صادقا أيضا فى التعبير عن تلك التجربة المباشرة . لم ينافق قلمه ولم يلبس مرارة الواقع حلاوة الخيال . لقد كان صريحا فى كلمته الى أبعد الحدود . إنه فنان بأتم معنى الكلمة ولذلك فهو إنسان .

وإن وصل القارىء ليومياته ورسائله الى مثل هذه النتيجة وهى تميز الشابى عن معاصريه فلا يعنى ذلك أن ديوانه قد جاء فيه مقلد المذهب لم يختص به . والحديث عن الديوان يحتاج الى وقفة أخرى . وهذا ما أنوى القيام به فى مناسبة قريبة إن شاء الله تعالى .

اشترك في نشرتنا البريدية