من " المآخذ " التى يعلنها المهتمون بالقصة التونسية الحديثة فى مختلف كتاباتهم اليوم " مأخذ " جدير بالعناية والرد عليه ، وهو قولهم : إن الشكل الفني الذي يستخدمه القصاصون الشبان فى انتاجهم الحالى مستورد من الفن القصصى والروائى الغربى الحديث ، بل مأخوذ بحذافيره من أدب روب قرييي وجويس وفولكنر ودوريل . . .
والحقيقة ، فان هذه النظرة الانتقادية تحتاج الى تعمق كبير فى معرفة الانتاج القصصى عند القصاصين الشبان ، والى استقصاء نزيه لمدى تأثر القصاصين الشبان بالقصاصين الغربيين المحدثين ، وبالتالى ، الى دراسة مستفيضة فى ميدان النظريات القصصية والروائية فى العالم اليوم .
ومن المؤسف ان يظل سوء التفاهم قائما بين المنتجين الشبان وعدد من المهتمين بشؤون القصة والرواية عندنا . . .
وللمزيد من توضيح موقف الكتاب الشبان من قضايا الشكل الفنى فى القصة والرواية ، بعد تقديم بيان عام عن الادب التجريبى ، وفى سبيل تبيان اتجاهاتهم الفنية - فى خطوطها الكبرى - ومن أجل الكشف عن نواياهم تجاه الكتاب الغربيين ، نعرض على القارىء آراء نظرية نابعة أساسا من واقع القصص التى ينتجها الشبان اليوم على صعيد الشكل الفنى . . .
إن الشكل لا يكون شكلا قصصيا أو روائيا فنيا ، وعلى قدر وافر من النجاح ، اى على نصيب كبير من التلاؤم بينه وبين المضمون ، ومن التمازج والتطابق بينهما ، بله الاتحاد الكلى المطلق الذي يصهرهما ، إلا متى كان هذا الشكل هو الواقع بعينه .
وإن الواقع - كما هو معلوم - ليس " بالحياة الحقيقية الواعية " كما يتصورها
ببداهة رجل الشارع فحسب ، وليس كذلك " بالعيش الملموس " كما كان بفهم ذلك الكلاسيكيون فى التفكير ، فقط ، بل إن الواقع ليشمل ذلك ليتتجاوزه الى جوانب مظلمة كثيرة فى حياة البشر ، فردا ومجتمعا ، شخصية محلية ، وإقليمية وعالمية ، أخلاقية ولا أخلاقية ، فعلية ومفكرة ، خيالية وحسية . .
وليس من جديد القول اذا أكدنا ان الواقع البشرى قد تعمق كثيرا ، وتشعب كثيرا ايضا ، بفضل الاكتشافات التى حققتها العلوم الانسانية وبالخصوص علم تحليل النفس وفروعه ، وعلم الاجتماع واتجاهاته ، وتفكير نيتشة واتباعه من فلاسفة الوجود . . . وكذلك بفضل الاكتشافات التى انجزتها والنظريات التى قدمتها العلوم الصحيحة وتطبيقاتها المعروفة .
وبالاضافة الى ذاك التعمق وهذا التشعب ، فان الواقع يتسم دوما بالتغير فى جميع مستوياته وصفاته واتجاهه .
ولقد تفطن الكتاب والفنانون والمفكرون فى القرن العشرين ، ولا سيما في لشطر الثاني منه ، الى أهمية تغير الواقع وتجدده الدائم(أو أنهم تنبؤوا به ! فبنوا مدارس " المستقبلية " و " التكعيبية " و " التعبيرية " و " السريالية" و" البنائية " و " الشعبية " و " الاشتراكية " و " الارتجالية " . . . وذلك اعتمادا على الواقع البشرى السابحين فيه ، واستلهاما من حقائقه الظاهرة والخافية ، وجدلية مع سكونه وحركته ، منزعهم فى ذلك أخذ صورة صادقة وحقيقية وصائبة له ، ليكثفوها فى شكل فنى ٠٠ والأمثلة عديدة يجدها من اطلع على أعمال " بيكاسو " و " لورنس دوريل " و " بروطون " و " فريتز لانف " و أيزنشتاين " و " يونسكو " الخ . . .
إلا أن عملية أخذ الصور الصحيحة للواقع والتقاطها من تغيره الدائم هي ، فى الواقع ، عملية جبارة تجرى فى ابهام فى مدارك الخلاق الذهنية . . .
ذلك أن هذه الصور الملتقطة من الواقع ، يختارها الخلاق ، بل ينتقيها ويصطفيها بذهنه انتقاء واصطفاء فيهما الكثير من الخيال ، والحلم ، والرؤية ، واللاوعى ، والحيرة ، والاضطراب ، والغموض ، والوضوح أيضا . . . فهنا يكمن سر الخلق عند الكتاب ، والفنانين والشعراء والمفكرين . . ومن هنا ايضا تبدأ مسيرة فنية يقطعها الخلاق شوطا شوطا لربط علائقه بالكون ؛ فيكون ذاك الربط بمثابة " الحلول " عند المتصوفة . . .
ومن هنا ايضا يكون الخلاق تكوينا الشكل الفنى ، ويكيفه ، بل يثقفه ،
ويصنعه الى ان يتوازن ، وينسجم ، ويتبلور ، فيتضح حتى للمشاهدة والعيان !. . .
وان لفي يوميات " كافكا " و " الزمان المستعاد " لبروست " واناشيد " لو تريامون " اشارات الى ذاك التكوين ودلالات عن تلك الصناعة . . .
واني لا استطيع أن أذهب أبعد من هذا فى باب توضيح العلاقات بين الواقع والشكل الفني من حيث النظريات الجمالية لا من وجهة النقد ، لان هذا المجال مكتنف بالظلمات .
الواقع هو الذي يغير الشكل الفنى ويطوره
لا شك أن الكتاب والفنانينن والمفكرين هم أول من يحسون الطوارئ التى تطرأ على الواقع البشرى فتغيره ؛ فهم في هذا المقام أشبه بتلك الابرة الرقيقة التى تسجل أخف الهزات الارضية ، وأقاصى محاورها ، وأبعادها فى أعماق البحار . . .
فهم بذلك تحت وقع الواقع المتغير دوما ، وفي حيز تأثيره المغنطيسي ، وفي إطاره المتشعب.
ونحن نعيش في بلد تعاقبت عليه الحضارات ، وخطت أتلامه مختلف لثقافات ، ونحيا ظرفا تاريخيا كان أمسه القريب ظلما ظلاما ، واستعبادا للحسم ، وللفكر ، وللذوق ، واغتيالا للحرية ، وسعيا حثيثا لمحو الشخصية ، ومحاولة شنيعة لعزل المجتمع فى ضيق المحلية ، فصار يومه انطلاقا للفكر نحو رحاب العالمية ، واحياء للشخصية ، وتحريرا للمجتمع من رواسب الاسترقاق ومن معطلات الانحطاط ، وبعثا أكيدا للقرائح والمذاهب والخلق ، ونزوعا مستمرا نحو السيطرة على المصير .
وان الواقع البشرى ليتضمن في أعماقه تناقضات . فلئن اتصف بالعصرية سعبه الحثيث لدخول القرن العشرين ، فهو يتصف أيضا بالقدم فى اغواره السحيقة ، ولئن نعت بالحدة في أساليب تفكيره السياسى ، فهو ينعت أيضا بالشخوخة التى ترزح تحت وطأة الأمية ، والجهل ، والأوباء ، والتقاليد الفاسدة ؛ ولئن ظهرت الأموال ، والأناقة ، والنظافة ، والصحة ، فالبؤس ، ، المسغبة ، والعراء ، والقذارة ما زالت بادية ، ولئن برزت مظاهر السيطرة على المصير ، فمفهوم القدر ما زال يعبث بعقول الجزء الأعظم من المجتمع ...
وإن هذا الواقع البشرى لمتشعب الطرائق ، وعر المسالك ، ضبابي الدروب فهو يعيش كلا على ثقافة هجينة بالنسبة اليه ، بينما يقتبس منها مشاعله ليحظى بالمعاصرة ، بينما المعاصرة لا تقوم لها قائمة إلا إذا خدمها شعب ذو فكر صناعي لا زراعي ، وتفانى فيها مجتمع ذو تقاليد ثقافية لا انفصام لها ، وعادات حضارية لا انشطار بينها ، لها من العراقة ، ومن التلاحم القوى المتين الباع الواسع العريض ؛ بينما الفكر الصناعى لا ينبض بالانتاج إلا إذا جهزت تراكيبه العليا والسفلى ، ونظمت ، وتفاعلت ، بينما . . .
والفنان فى هذا الواقع الخضم يسبح : فبيئته تقليدية بمعنى التحجر والتزمت ، وهو حديث التفكير ضارب الى السنوبيسم ، وأسرته عرفت الظلم، والكبت ، والخصاصة ، والمرض ، والجهل ، وهو يطمح الى حرية فى جميع مظاهر الحياة ، وينادى بها ، فى يوم غدت فيه القيم عزيزة من جراء ما يستهدفها من الشكوك والاعتراض ، وصارت الدنيا فيه تميد بحكم القضايا الشائكة الناجمة عن الخروج من التخلف ، إذ أمسى ديكور الاشياء فيها شبه منظم ، ما إن استقر كذلك بضع سنين حتى يصبح منقلبا قلبا وقالبا مع تغيير أدوار الممثلين ؛ وصار العالم الذى ينزع الى التوحيد يتأرجح تحت أقدام الملايين من البشر بسبب قضاياه البركانية . . . وإن معلمي هذا الفنان يسمون " بيكاسو" و " موندريان " و " هنرى مور " و " لو كر بوزي " و " نيتشة " و " هيفل " و " كافكا " و " بروست " أحب ذلك أو كرهه ! وان لغته جاءتة عبر الدهور خماء من كتب الجاحظ ، وأبى حيان ، وأبن المقفع ، وابن عبد ربه . . وإن الارضية العقائدية الراسبة فى أعماق شخصيته والتى يسند اليها العمود الفقرى فى أخلاقيته ( Ethique ) هى بمثابة الحصير المرقع والمهترى والمعفن !. .
والفنان فى " العالم الثالث " عامة ، وفي العالم العربى خاصة ، كهملت مس يتضور من الواقع ، ويتشبت بالممكن ، ويحن الى المستحيل ، وينزع بكل قواه الى البقاء . . إنه يعيش درامة الوجود !
فهذا هو الواقع الذي يعيش تحت وقعه الفنان اليوم ، ومن رسمه يستلهم شكله الفنى ، ويأخذه ، ويكيفه ، ويصنعه .
وهذا هو الواقع الذي يغير الشكل الفنى بحكم تجدد القضايا ، وتحول الديكور ، وتبدل أدوار الممثلين ، وهو كذلك يطوره ، لان الواقع ينتقل فى لحظتنا التاريخية وفي جهتنا الجغرافية وفي حيز انتسابنا ، ينتقل من الفطرة الى الروية ، ومن الخنوع الى حدة العزم والحزم ، ومن المرض الى الصحة ، ومن
الجهل الى المعرفة ، ومن البؤس الى كرامة العيش ، ومن الاستهلاك الى الانتاج، ومن الزراعة الى الصناعة ، ومن ثقافة فرعية هجينة الى ثقافة أصلية . . . وفي ذلك درجات ، وتلوانات . . .
واقعنا غير واقعهم وشكلنا الفنى غير شكلهم الفني
إذا كان للفنان وعى تاريخي للعصر الذى يعيش فيه ، وللواقع الذى يغوص فيه ، فهو لابد أن يضرب بمفهوم " التفتح " عرض الحائط ، هذا المفهوم الذي يقرع به آذاننا بعض الناس فى هذه الايام . . .
وهو مفهوم خرافى باطل ، ومشكل زائف لا قوام له من الصحة ، وإشارة الى عوز فكرى ، وذريعة للتلفيق الثقافي والترقيع الفنى ، ودلالة شاهدة على العجز . . . وزيادة على هذا ، فان هذا المفهوم المصطنع يرمز الى عملية تعويض ( بمعنى الاصطلاح فى علم تحليل النفس ) يقوم بها بعض المثقفين فى بلادنا ، فيدعون أن الفن عالمي وان الثقافة أممية وأن الفكر كونى ، كأنهم ينكرون خصائص الواقع الذي يعيشونه ، ومميزات المجتمع الذي ترعرعوا فيه وألوان السماء التى نشأوا تحتها ، كما يرمز هذا المفهوم الهش الى مفارقة ( (Alienation جذرية فى تكوينهم على كافة الدرجات والمستويات!
وأية حال أسوأ من حال المثقفين ( بالاسم فى الحقيقة ) الذين يقدمون الذرائع ، ويتصنعون الرفض ، ويتحصنون بالتعاليل ، ويختفون وراء تبرير عوزهم الثقافي ، بينما تقضى الثقافة مواجهة الواقع بشجاعة ؟ !
إني لا أدعو هنا الى الانغلاق ، أو الى الانكماش ، أو الى الانطواء ، أو الى اضراب هذه الكلمات ذات المشاكل الهامشية الزائفة كذلك ، ولا الى الاقليمية والى الجهوية! . . إنما أنادى الذين يهمهم شأن الثقافة والفكر والادب والفن فى البلاد كي يحللوا الواقع على ركائز ثابتة من خلال ما ينتجه الشبان من أدب ٠٠٠
أن الذى يفصل بين واقعنا ، وبين واقع البلاد الاوروبية ، هو ما أسميه " بنوعية القضايا " التى تفجر خصائص كل واقع ، وتميز بعضها عن بعض ومن البديهي ان لكل بلاد واقعا ، وان لكل بلاد مشاكل جوهرية خاصة بها .
وعلى سبيل المثال : كثير من القيم الغربية لا تنصرف في بلدان " العالم الثالث وكثير من قيم " العالم الثالث " ولا سيما البلاد العربية لا تتحول
الى عملة صعبة فى بنوك الفكر الغربية ؛ وذلك لاسباب حضارية وثقافية معروفة .
وعلى سبيل المثال أيضا : ان بعض الافلام الفرنسية ذات المستوى الفني الرفيع لاتهمنا - نحن التونسيين - نوعية القضايا المطروحة فيها ، فنعزف عنها كل العزوف ، رغم أن أكابر النقاد الغربيين قد نوهوا بشأنها ، ونالت جوائز " دولية " هامة . والملاحظة الاكيدة فى هذا الباب ان المثقفين التونسيين أنفسهم من ذوى التكوين الثقافي الفرنسي الصرف يرغبون كذلك عن هذه الافلام ، للسبب البسيط وهو أنهم يعيشون واقعا غير الواقع الفرنسي.
وليس هذا المثال شاذا ، بل هو عام فى معظم الامور... لان مثل هذه الافلام تحصى بالعشرات بل بالمئات . ويعرف ذلك جيدا من انخرط فى " نوادى السينما " أو هو من رواد قاعة " الفن السابع " بتونس العاصمة .
وإن اختلاف هذا الواقع بين واقعنا وواقع أوروبا مثلا ليؤثر التأثير الجذرى فى الشكل الفنى ويطبعه بطابع لا يمحي...
نعم ! نحن متأثرون بأعلام القصة والرواية فى الغرب ، فهم أساتذتنا ، ونحن تلامذتهم فى هذا المجال الفنى الحديث ، ولا نكران لذلك . لكن ، آن لنا لأوان أن نستقل عنهم ، بعد ان جاريناهم طويلا وعميقا فى طريقهم من مطلع عهد النهضة الى الخمسينات تقريبا ، وان لنا الأوان الا نتبع مختلف " الموضات " الفكرية التى يبتدعونها لانفسهم ولواقعهم - حسب تعبير ستاندال - والا نردد اصداء ايقاعاتهم ونغماتهم ، والا نسير فى طريقهم ، بل علينا ان نستفيد من هذه " الموضات " فنثرى بها أعمالنا ، فتكون لنا لقاحا لانتاجنا .
إن التحوير فى الاتجاه الفكرى والفنى فى " العالم الثالث " ولا سيما فى البلاد العربية لهو ضرورى . فهو الذى سيكشف حتما عن أرضيتنا الفكرية ، وعن شخصيتنا الثقافية طال الزمان أو قصر ؛ وهو الذى سيحدد الدروب ويعبدها للمستقبل ، وهو الذى سيفجر فينا من جديد الينابيع التى كدرها الانحطاط ، وردمها أو كاد الاستعمار ، وهو الذى سيربط بين أوصال الزمان . . .
إن الواقع الذي نعيشه طافح بالمتناقضات الخصبة ، وإن الاشكال الفنية التى يستعملها الكتاب الشبان فى قصصهم بالخصوص لهى تجسيم لذلك الواقع وانعكاس حي للمتناقضات الموجودة فى صلبه .
على أن القضية لا تبقى ولا تمكث راكدة فى هذا المستوى من التفكير الجمالى . ذلك انه لا بد أن يتطور الشكل الفنى فى شتى كتاباتنا - لا على حساب واقعنا، وإنما جدالا وصراعا سجالا معه ، حتى يخلقه من جديد فتنصهر المتناقضات وتتعادل ، وتعجن هذه المتناقضات مع نظرة المبدع الخلاق الى الكون فتتوازن ويسمو الشكل الفنى الى مراتب عليا من الخلق.
ولقد اقترحنا في صدد تناقض هائل يحز فى أنفسنا وهو يتمثل فى ملاحقة واقعنا بواقع غيرنا ، وبالتالي في متابعة شكلنا لشكل غيرنا ، لقد اقترحنا فى بيان الادب التجريبى أن ندمج الفنون في الآداب ، وان نقتبس من الاولى ما يكون فائدة عميقة للثانية ، وان نربط بينهما وثيقا . وعلى سبيل المثال : لو نستوحى من السينما الحديثة ، ومن التلفزة " لغتهما " المعروفة ، ولو نستعملها بمرونة ، وبحذق ، وبملاءمة ، فى انتاجنا القصصى والروائى ، فلسوف نطور الشكل الفنى عندنا أولا ونثريه ثانيا ، ولسوف يكون هذا الشكل ناطقا باسم " العالمية " ثالثا .
وإن ننس فلا ننس ان الشكل والمضمون شئ واحد لا انفصام بينهما فى الخلق .
قال لى روب قرييى فى شهر نوفمبر 1968 : " إنى أعلق أهمية كبرى على التجارب القصصية والروائية فى " العالم الثالث " لانها ستطور الشكل الفنى فى العالم . وقد بدأت بوادر ذلك تبرز من امريكا الجنوبية . . . "

