=٣=
الادب العربى بعد الاسلام
شق الاديب العربى فى فجر الاسلام طريقه الى الصدر بسحر بيانه وحكم شعره . واخترق الصفوف الى الطليعة يناضل ويجاهد مرفوع الرأس موفور الكرامة محترم المكانة . أجزل الاسلام منطقة وهذب القرآن الفاظة ونمى اخيلته فزاداد به جمالا وزاد ادبه روعة . وزاد ادبه أثراً . وسمع الناس فى عهد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وفى مسجده " حسان بن ثابت " ينشد الشعر من على منبره . فتناقات الالسن ذلك الشعر من " ام العواصم " الى " ام القرى " فكان وقعه على قريش أشد من وقع السهام فى غلس الظلام ! وكيف لا يكون كذلك والمشرع الاعظم يأمره ويشجعه وجيريل روح القدس معه . والصديق أبو بكر رضي الله عنه يعلمه .
فلم يغير الاسلام فيما غير نظر الامة العربية فى الشعر والادب ، ولم يحارب شغف العربى بالشعر والادب فعز الادب وبرز الاديب ، واخذ المسلمون يعملون بنصيحة " الفاروق " رضى الله عنه فى كتابه لابى موسى الأشعري ، يدعون للشعر يتعلمونه ويعلمونه حرصاً على معالي الاخلاق وصواب الرأى ومعرفة الانساب وذلك اعز ما يعتز به العربى ويفخر . وذلك ما اداه الشعر والأدب مثلا تتردد على السنة الاجيال . فيها الموعظة الحسنة وفيها النبل والفضيلة ولم يبرح تأثير الشعر العربي متغلغلاً فى نفس العربى حتى فى احرج مواقفه واشدها هولاً وخطراً فلقد حول - سياسي بني امية المحنك ورجلها الأول . . معاوية
رضى الله عنه - وجهه عن جواده المضمر المعد لانقاذه بصفين . وآثر الاقامة والصمود فى وجه الاسنة المشرعة والبيض اللامعة ومواجهة الهول مكشراً عن نابيه يخب ويدنو ، وفي خببه ودنوه ما يروع ، ويفزع - آثر البلوى على السلامة وفضل الموت على الحياة - متأثراً بابيات عمرو بن الاطنابة : -
ابت لى همتى وابى بلائي واخذى الحمد بالثمن الربيح
واقحامي على المكروه نفسي وضرب هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدى او تستريحى
لادفع عن مآثر صالحات واحمى بعد عن عرض صحيح
ولكن لم يمت معاوية رضي الله عنه ولم ينهزم بل شاء الله أن يؤسس حكومة بني امية وان يكون من خلفه ملوك فاتحون علت اعلامهم جبال اسبانيا وهضاب الصين وان يكون العهد الاموى مفخرة للاسلام والعروبة وان يقول معاوية بعد ذلك كلمته عن الأدب :(يجب على الرجل تأديب ولده والشعر أعلا مرتب الأدب ! ! )
ولقد كان النضال السياسي بين الامويين والعلويين عنيفاً لم يخمد جذوته رغم سلطان بني امية ونفوذهم ورغم ما يبذلونه فى سبيل القضاء الاخير على ما للعاويين من احترام في نفوس الكثير مافتئ يدفع علوياً بعد علوى ليثور ويناضل ورغم الفشل المتكرر الذى منى به العلويون . ولقد عزز ذلك النضال السياسي دعاوة الشعراء والخطباء فكانت معركة ادبية بقدر ما كانت نضالا سياسياً . فانحاز فريق يدعو لبني امية حيث الملك والمال ، وإنحاز فريق يدعو للمعاويين حيث احترام السواد الذي لم يجد العلويين نفعاً ولم يحقق لهم أملاً .
واثار ذلك النضال السياسي المتعصب للقبيلة مرة اخرى وعززه قثار الشعراء والخطباء ثانية يناصرون القبيلة ويدافعون عنها فكان من آثار ذلك النضال فى سبيل الخلافة وفي سبيل تقدم قبيلة على أخرى ، أدب الفرزدق . وجرير . والاخطل والطرماح . وغيرهم وكان من أثر ذلك الادب ان تجلت لنا تلك العصور في شكلها الممتاز ، وبرز فيه شعور ابنائها على حقيقته .
فهل غير الاديب احد يستطيع ان يصور لك موقف الخليفة هشام بن عبد الملك وقد احنقه ان ينال على بن الحسين احترام الطائفين بالبيت ، ويحرمه هو-
فيتجاوزه غير ملتفت لنفوذ السلطان وجلال الملك الى ابن الحسين !! . وهل كان فى وسع على بن الحسين ولو نال الخلافة ان يخلد لنفسه أسماً أبقى وأبها بهاخلدته له قصيدة الفرزدق
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
وليس قولك من هذا ؟ ! بضائره العرب تعرف من انكرت والعجم
ما قال لا قط الا فى تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم
وهل فى متناول قوم جرير وانصاره وصم نمير نمير والقضاء على وجاهتها وسمعتها وجعلها مثلاً تتندر به الامم وتتفكه به الاجيال لولا جرير ! ! وأي ثمن كانت تدفعه نمير لوأتيح لها ان تتفادى بيت جرير .
فغض الطرف انك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلاباً
فترسل طرفها بين القبائل دون ماغض ودون ما احتقار!! وكم كانت ابيات جديف على سليمان بن هشام اليمة مرة . وكم كان أثرها فى نفس السفاح عميقاً :
لا يغرنك ما ترى من اناس ان تحت الضلوع دأ دوياً
فضن السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أموياً
واى صورة أروع من هذه الابيات التى تصور لنا تدهور الدولة الاموية وتصدعها :
انى اعيذكم بالله من فتن مثل الجبال تسامى ثم تندفع
ان البرية قد ملت سياستكم فأستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
لا تلحمن ذئاب الناس انفسكم ان الذئاب اذا ما الحمت رتعوا
لا تبقرن بايديكم بطونكم فثم لا حسرة غني ولا جزع
ليس الادب العربى كله شعوراً وإحساساً وليس ادباء العربية كلهم نوابغ أجاثوا فى إبراز اغراضهم حمداً ونقداً . فالاددب الصادر عن شعور صادق واحساس متأثر قليل نادر . والأدباء الملهمون الذين وثبت بهم العاطفة الصادقة ووثب بهم الشعور المتقد والوجدان الحى فى أكثر من مناسبة فحلقوا فى اجواء عالية بعيدة عن الماديات ، أقلية قل ان جاد الزمان فزان جيلاً بواحد منها خلد له أثراً حياً لا يهرم ولا يفنى .
فالاديب الموهوب الذى يصدر ادبه عن عاطفة وشعور هو وحده الذى يستطيع ان يجعل من الخير مثلا ومن الشر مثلا . هو وحده الذى يستطع ان بجلو ما فى الحياة من متناقضات فيضفي على الجمال والسعادة والفضيلة صوراً فيها من الأغراء . وفيها من الروعة . وفيها من الوقار بقدر ما يكشف عما فى البؤس والشقاء والرزيلة من رهبة ووحشة ودمامة . وهو خير من يسجل الحوادث ويعلن عما يصادفه من ضروب الحياة ودولها وطبائع ناسها وهو خير من ينقد المجتمع ويقدر المكارم ويعرف مواطن النقص فى الاخلاق .
يحيى العدل . ويدعو للحق ويحمد الكرم ويدفع للنبل ويشدو بالمتآثر الصالحات فيحسن التحية ويحسن الحمد ويحسن الشدو . وينقم على البغي وينتقد الباطل ويسخر بالبخل ويهجو أهله فيعرف كيف ينقم وكيف يسخر وكيف يشنع .
ولولا خلال سنها الشعر مادرى هواة المعالي كيف تبنى المكارم
وإنا لا نجد إذا أردنا أن نتصور اثر الادب فى الدولة العربية بعد الاسلام مثلا يكيف لنا مكانة الادب والاديب اوضح من حديث الخليفة الاموى الكبير " عبد الملك " بن مران لامية حينما سأله عن بيت ابن حرثان :
اذا هتف العصفور طار فؤاده وليث حديد الناب عند الثرائد
يا بني أمية أحسابكم أنسابكم أنسابكم لا تعرضوها للفصحاء فأن للشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار الاجدة . والله ما يسرني أن هجيت ببيت الأعشى حيث يقول :
تبيتون فى المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصاً
ولى الدنيا بحذافيرها . ولو أن رجلاً خرج عن عرض الدنيا كان قد أخذ عوضاً نقول أبن حرثان :
على مكثريهم حق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل
فما عبد الملك بن مروان بالرجل العادى الذى يرسل القول على عواهنه . أنه من أفذاذ بني أميه الذين عرفوا الأشياء على حقائقها وعرفوا كيف يخلدون لهم تاريخاً كله عظمة . وكله فخر . وكله مجد .
) يتبع (
