الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

آفاق جديدة في ، الأدب العربي واثره فى تخليد الدول

Share

-٢-

فهل ينقص هذا الشعر القصصي شئ من سلاسة التعبير ودقة التصوير ؟ واليست فى هذه القصة صورة واضحة للناحية الاجتماعية فى حياة العرب الجاهلين :

يا ربة البيت قومي غير صاغرة   ضمى اليك رحال القوم والقربا

فى ليلة من جمادى ذات اندية    لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا

لا يفبح الكلب فيها غير واحدة  حتى يلف على خيشومه الذنبا

ماذا ترين ! أندينهم لا رحلنا فى جانب البيت ! ! أم نبنى لهم قببا !

لرمل الزاد معنى بحاجته من كان يكره ذما أو يقي حسبا

وقمت مستبطنا سيفى فاعرض لى   مثل المجادل كرم برككت عصبا

فصادف السيف منها ساق متلية    جلس . فصادف منه ساقها عطبا

زبانة بنت زبان مذكرة                لمانعوها لراعي سرحنا انتحبا

امطيت جازرنا اعلى سناسنها        فصار جازرنا من فوقها قتبا

ينشنش اللحم عنها وهى باركة       كما تنشنش كفا قاتل سلبا

وقلت لما غدوا اوصى فعبدتنا        غدى بنيك فلن . تلقيهم حقبا

ادعي اباهم ولم اقرف بأمهم          وقد عمرت ولم اعرف لهم نسبا

انا ابن نحكان اخوالى بنو مطر        انمى اليهم وكانوا معشرا نجبا

كذلك كان الشعر الجاهلى مراة ناصعة انطبعت عليها الحياة العربية في

مختلف الوانها . وكذلك ظلت هذه المرأة المراجع الاول لمن اراد التعرف بشخصيات ذلك العهد البعيد واجتماعياته والمدى الذى بلغتة مدارك العربي والأجواء التى حلقت فيها اخيلته واراؤه

وكذلك كان الشاعر الجاهلى فخورا بشعره معتزا بمقدرته على الدفاع عن القبيلة والأشادة بمركزها ونشر ما يشرفها ويرفع رؤس نبلائها . فهو يغضب وفى غضبه ما يسر القبيلة ويسئ اعداءها ، ويدافع وفي دفاعه ما يعز القبيلة ويرفع شانها ، ثم هو يقدر مكانته ويقدر ما للشعر الممتاز من اثر يورثه الآباء للابناء اما مفخرة ومحمدة أو وصمة وعارا .

ولم يكن الشاعر الجاهلى مداحا فحسب بل هو شاعر العواطف وشاعر الاجتماعيات وهو فيلسوف ينظم الحكم والمواعظ وسرى يفخر بوجاهته واريحيته وهو في مدحه واجتماعياته وعواطفه وحكمه وفخره يقدم لك عن حياته صورا صادقة التعبير لا تكلف فيها ولا تصنع

فكم هى صورة رائعة هذه القصيدة التى وصفت لنا مقابلة ) ابن خكان ( . لاضيافة . وكيف اخذ يرجو زوجه ان تحتفى بالمدلجين محتفظا لها بمكانتها فى البيت مناديا لها باغلى لقب ترجوه المرأة اليوم فى اعظم الامم حضارة واكثرها شعورا بتقدير المرأة ! ياربة البيت ! قومى غير صاغرة ! وكبف يتبادل معها الراى فى المحل الصالح لضيوفه : ماذا ترين ؟ اندنيهم لارحلنا فى جانب البيت ام نبني لهم قببا ؟ ! .

ثم هو يصور لك ثراءه - ووجاهته . فهو ذو سرح يرعاه خدمه وهو كريم لا يهمه ان يمطي جازره اعز ما لديه من نوق :

زبانة بنت زبان مذكرة       لمانعوها لراعي سرحنا انتحبا

امطيت جازرنا اعلى سناسنها فصار جازرنا من فوقها قتبا !

يشك الدكتور طه حسين فى الشعر الجاهلى ويدعم شكه بادلة فى مقدمتها ماثبت عن بعض رواة الشعر من تعمد بعضهم محاكاة شعراء الجاهلية بشعر موضوع ينسبونه لجاهليين رائدهم في ذلك التفوق على مزاحميهم بامتيازهم برواية قصيدة لا يحفظها الآخرون .

فلئن كان من الشعر الجاهلى شعر موضوع لم يستطيع نقاد الشعر في فجر العهد الاسلامى نقده وتمييز جميعه عن الشعر الجاهلى . ولئن صح السبب الذي اسند اليه المشككون فى الشعر الجاهلى . فان ذلك ليس معناه ان الشعر الجاهلى بكامله شعر موضوع تواطات الأمة بكاملها على مغلطة خلفها والتدليس عليه فهو لم يكن هناك شعر جاهلى عرفوا عنه الشئ الكثير . ولو لم يكن للشعر الجاهلى قيمته واثره لما استطاع الرواه ان ينظموا القصائد باسم الشعر الجاهليين ولما جاولو انكار شخصيتهم فيما ينظمون .

والذي يهمنا فى موضوعنا من ذلك البحث المتشعب النواحي ، والذي يحزب فيه الباحثون احزابا وشيعا ، هذا يصدق الشعر الجاهلى كله . وذلك يكذب الشعر الجاهلى كله وآخرون يشكون في بعضه ولا يشكون في بعضه الذي يهمنا من ذلك كله الحقيقة التى تجلت في ذلك البحث وتعرض لها اكثر الباحثين والتي ننشدها نحن في موضوعنا هذا ، الا وهي اثر الشعر الجاهلى فى تاريخ العرب الجاهليين . فسيان كان منه الموضوع ومنه الصحيح او كان كله صحيحا . فهو قد نقل لنا اخبار هاتيك الامم التي لم تخلف آثارا يعتد بها غير آرائها في الحياة وغير نتاج قرائحها التى انطلقت من كل قيد يحد التفكير والشعور ، وكانت فى انطلاقها معتدلة صريحة وكانت في مجموعها ادبا حيا قرأته الاجيال بعد الأجيال وقرأت معه حياة رجال ذلك التاريخ البعيد .

ذلك هو الأدب الجاهلى الذي نقرأه اليوم كما قرأه اسلافنا قبل مئات السنين ويقرأه احفادنا واحفاد احفادنا بعد مئات السنين . وذلك اثر الادب الجاهلى الذى ننشده من وراء بحثنا عن الادب واثره فى تخليدة الدولة . فلسوف تتردد ذكر " النعمان " بن المنذر ، و " جبلة " بن الايهم كلما تردد ادب النابغة وحسان . ولسوف يظل " عصام " مثلا يضرب لكل ناجح فى الحياة سمى به طموحه الى ذروة المجد والجاه .

اننا لنعلم من هو عصام ، واننا لنعلم انه لولا اببات " النابغة " : -

نفس عصام - ودت عصاما  وعلمته الكر والاقداما

وصيرته ملكا هماما حتى علا وجاوز الاقواما

لما عدت مكانتة مكانة الكتاب والحجاب الذين نبغوا فى بلاط الملوك وقصور الأمراء ولما تجاوز ذكر محيطة ولما خلد اسمه يتردد فى اجمل مناسبات الحياة . وكذلك اثر الادب الممتاز فى الرجل الممتاز .

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية